الاحد 3 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 4 مايو 2003 أصبحت محاولة فهم ما بين سطور تصريحات وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد بمثابة لعبة شائعة في واشنطن، كما كان الأمر مع الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون. فوزير الدفاع لم يصل بعد الى مرحلة الرد على كل سؤال يطرح عليه بسؤال للصحافي الذي القاه عن معنى اصطلاح ورد في السؤال والمقصود به، ولكنه اذا اراد ان يتملص من سؤال صعب، فعليه الا يلجأ أبداً لاستخدام لفظ «ابداً» كما اعتاد في الفترة الأخيرة. لقد دارت لعبة القط والفأر هذه بين رامسفيلد والصحافة، مؤخراً حول قضية القواعد العسكرية الاميركية في العراق. فمؤخراً اوردت صحيفة «نيويورك تايمز» خبراً يفيد ان البنتاغون ـ ويا للمفاجأة ـ ينظر في الحاجة للابقاء على قوات اميركية في منطقة الخليج. ففي ضوء ان الاتراك كانوا عدائيين في رد فعلهم ازاء السماح باستخدام اراضيهم قبل عملية تحرير العراق، وباعتبار ان استخدام اراضي السعودية غدا امراً حساساً خلال العقد الماضي، وان العراق يتمتع بموقع مثالي للقيام بعمليات عسكرية في جميع ارجاء المنطقة، فإن مسألة وضع قواعد اميركية في العراق اصبحت أمراً اضطرارياً. وفي ضوء دعوة رامسفيلد نفسه إلى اجراء مراجعة تأخر القيام بها كثيراً، بموقف اميركا ووضعها العسكري حول العالم، ومع الاخذ في الاعتبار ضرورة اغلاق بعض القواعد واجراء بعض التعديلات بحلول عام 2005، وكذلك في ضوء الحاجة الملحة الى ترشيد الاعباء المتمثلة في وجود قوة مترامية الاطراف تتحمل مسئوليات عالمية جسيمة، فإن فكرة وضع قواعد في الاماكن التي تتطلب وجود قوات ربما تبدو امراً واضحاً. غير ان كل ما استطاع وزير الدفاع قوله للصحافة مؤخراً في هذا الشأن كان عبارة عن ألغاز. فقد قال: «لم اسمع ابداً، على حد ما اتذكر بموضوع اقامة قاعدة دائمة في العراق يتم مناقشته في اي اجتماع.. ان احتمال وجود هذا الامر قليل للغاية بحيث انه لا يدهشني انه لم يناقش في وجودي على حسب علمي. هل هذا كلام واضح؟ الواضح هو السبب العقلانة وراء اقامة قاعدة اميركية شبه دائمة في العراق تكون على سبيل المثال على نسق قاعدة غوانتانامو التي تم استئجارها بشكل طويل الاجل. لقد اعلن الرئيس بوش بوضوح غرضه المتمثل في تحرير المنطقة وغرس الاستقرار فيها بأكملها. فهو لم يحدد النصر بأنه يعني اسقاط صدام حسين وتماثيله في ميادين بغداد. فحماية الدولة الديمقراطية الوليدة في العراق واجب من المحتمل ان يستمر العمل من اجل القيام به لعقود مقبلة كما كان الأمر تماماً في الالتزام الاميركي بالدفاع عن الدول الديمقراطية الضعيفة في أوروبا الغربية من الاتحاد السوفييتي بعد الحرب العالمية الثانية. والشرق الأوسط بمساحته الاكبر من أوروبا لا يزال يعد منطقة معقدة ممتلئة بالشرور. فالعراق محاط بدولتين ترعيان الارهاب هي سوريا وايران اللتين سوف يثيرهما وجود حرية في العراق. فتحرير العراق يزيد من اهتمامات ومصالح اميركا في المنطقة. فبشكل حقيقي وواقعي فإنه قد تحول ما كان في الماضي يعتبر ببساطة اهتمام اقتصادي بنفط الخليج إلى قضية محورية تتعلق بقيادة اميركا للعالم. فنحن لا نقدر تحمل حدوث اي فشل في العراق. لذا فإن فكرة ارجاع القوات العسكرية الأميركية من العراق الى وطنها تنم بالفعل عن قصر نظر. فبينما يتحول الآن دور هذه القوات بعد الانتهاء من الحرب الى المشاركة في بناء دولة عراقية، فإن مهمة ايجاد سلام في المنطقة سوف تستمر حتى بعد ان ينضج العراق، ويتحول إلى دولة ديمقراطية مستقرة. فبشكل من الاشكال ربما سيكون العبء اخف على هذه القوات من ذلك العبء الذي تحملته في التسعينيات، عندما كانت القوات الاميركية تسير وتعمل بأقصى سرعة ممكنة من اجل احتواء صدام وضمان عدم اخراجه من مكانه في الوقت نفسه فعدد الطلعات الجوية التي انجزت خلال ذلك العقد في المناطق محظورة الطيران تقريباً يعادل عدد الطلعات التي تمت خلال عمليتي «عاصفة الصحراء و«حرية العراق» مجتمعتين. ومنذ 1994، هناك لواء بكامله موجود بشكل دائم في الكويت. وهناك كذلك قوات من المارينز والبحرية في الخليج منذ «حرب الدبابات» عام 1987. والابقاء على قوات برية وجوية في غربي العراق في المجالين الجويين «اتش 2» و«اتش 3» على سبيل المثال سوف يضرب اكثر من عصفور بحجر واحد. فمثل هذه المجالات الجوية تعتبر مثالية للقيام بأي انتشار في المنطقة وكذلك توفر نوعاً من الدفاع الصاروخي الاقليمي. وفي هذه المنطقة هناك مساحة وفيرة ليس للمعدات فقط ولكن لاجراء تدريبات أيضاً. كما ان المنطقة ستكون بعيدة للغاية عن الرافدين بحيث انها لن ينظر إليها على انها قواعد «امبريالية» تثير حفيظة أغلبية العراقيين. وسوف تنسجم هذه القواعد مع القواعد الاميركية الاخرى في المنطقة ربما فيها المجالات الجوية الاميركية وقاعدة القوة الارضية في الكويت، ومقر القيادة الوسطى الاميركية الجديد في قطر والمقر التقليدي للاسطول الخامس الاميركي في البحرين. والامر المهم في هذا الشأن ان وجود هذه القواعد في العراق سوف يسمح بسحب القوات الاميركية من السعودية وفي الوقت نفسه يجعل دخولنا للمنطقة اقل اعتماداً على السعوديين. كما ان امتلاك اميركا لهذه المناطق في العراق سوف يحرم اسامة بن لادن من النقاط والمحاور الرئيسية التي يرتكز عليها حديثه ضد اميركا. ان هذا الموضع الاميركي في العراق والخليج ينسجم كذلك مع عملية ترشيد اكبر للموقف العسكري الاميركي في أوروبا وحتمية مواصلة العمليات في وسط وجنوب آسيا. فليس هناك شك في انه مع تمركز القوات في العراق، فإن القواعد الاميركية في المانيا سوف تبدأ في التحرك شرقاً في أوروبا. ويعتزم كل من رامسفيلد والجنرال جيمس جونز، قائد الناتو، اغتنام هذه الفرصة لاجراء تغييرات تأخر تنفيذها بشكل كبير حتى مع الاحتفاظ بقواعد مهمة مثل قاعدة امشتاين الجوية في المانيا. فمن الممكن بسهولة ربط سلسلة قواعد الناتو في اوروبا الشرقية الممتدة من بولندا الى رومانيا وبلغاريا بتلك القواعد الموجودة في الخليج، الأمر الذي يساعد في دعم العمليات العسكرية من البلقان إلى جنوب ووسط آسيا. وعلى المدى البعيد لن يكون هناك منطق في الا تنضم العراق إلى «شراكة اوسع من اجل السلام» أو حتى تنضم إلى حلف الناتو نفسه.فضلاً عن ذلك، فإن وجود تلك القواعد في العراق سوف يقلل من الضغط على الحكومة التركية الجديدة. فقد جاء الخلاف حول نشر الفرقة الرابعة مشاة الاميركية قبل حرب العراق ليؤكد الطبيعة المتغيرة للسياسة التركية الداخلية. لذا فإنه سيكون من الحكمة حماية وعزل العلاقات التركية ـ الاميركية من المكائد الدائرة في أروقة انقرة، وينبعي علينا بالفعل ان ندعم التعددية الجديدة في تركيا ونكون مستعدين لاستئناف شراكتنا بالاتراك عندما يقومون بحل مشكلاتهم. كما انه من وجهة النظر العسكرية فإن قاعدة انجرليك في تركيا تعتبر صغيرة للغاية وقريبة جداً من المناطق السكنية المحيطة بها لدرجة يستحال معها اجراء أي توسعات بها. وكلما اسرع رامسفيلد في توضيح الموقف ازاء هذه القضية في اطار المناقشات العامة الدائرة حول عراق ما بعد صدام كانت النتائج أفضل. بقلم: توماس دونيللي _ ترجمة: حاتم حسين عن «اميركان انتربرايز»