هل كان على قائمة المدفوعات العراقية حقاً؟، غالاوي يبدأ دفاعه ضد مزاعم لم تثبت بعد

الاحد 3 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 4 مايو 2003 ذات صباح سبت بغدادي، وفيما كان المراسلون الاعلاميون قلقين من نهب المتاحف والفوضى في الشوارع، ذهب مراسل «ديلي تلغراف» الى وزارة الخارجية ليبحث بين الحطام، كان مبنى وزارة الخارجية في بغداد في حالة مزرية. فقد أصيب بصاروخ كروز أميركي قبل أن يتعرض لحملة نهب وسلب بخلاف بعض المباني المهمة الاخرى التي وفرت لها القوات الأميركية الحراسة. كان اللصوص يخربون كل ما في طريقهم وينتزعون التجهيزات الخفيفة من مكانها، فيما كان ديفيد بلير «وليس قريبا لتوني بلير» مراسل ديلي تلغراف ومترجمه العربي قد وصلا لغرفة في الطابق الأول مجاورة لما كان قبلا مكتب وزير الخارجية العراقي. تقول «ديلي تلغراف» ان مراسلها كان في حملة صيد ولا يعرف ما يمكن ان يعثر عليه. فيما كان يبحث بين الانقاض وجد صناديق مرمية على الأرض، ربما رماها اللصوص، دون ان يتضرر محتواها نتيجة النيران والدخان اللذين دمرا جزءا من المبنى، وكان بلير يشير الى صندوق تلو الاخر سائلا مترجمه عما هو مكتوب عليها في جو الضوضاء والصخب الذي يلف المكان نتيجة النهب والتحطيم في الغرف الاخرى. ثم عثرا على صندوق مكتوب عليه «بريطانيا» يحتوي بداخله على اربعة ملفات زرقاء. في الاول كانت هناك رسالة كتبها النائب العمالي البريطاني جورج غالاوي يسمي فيها رجل الاعمال الاردني فواز زريقات ممثله في بغداد، الى جانب رسالة من ادوارد هيث. كلتا الرسالتين نسخة اصلية. وبالنتيجة، جمع بلير ومترجمه ثلاثة صناديق كتب عليها «بريطانيا» وآخر مكتوب عليه «فرنسا» فيهما حوالي 4000 وثيقة وحملاها معهما خارج المبنى، وهو عمل لو نظرنا اليه من زاوية اخرى يمكن وصفه بالنهب. غير ان ديلي تلغراف تدافع عن هذه الفعلة غير الملتزمة بالقول «حينها كانت هذه الوثائق فعليا غير مملوكة لأي جهة». وفي غرفته في الفندق، جند بلير مترجما ثانيا وجعل الاثنان يقرآن سريعا اكبر قدر ممكن من هذه الوثائق. ووجود مترجمين كان ضمانة ضد حدوث خطأ في الترجمة. صباح الاحد، اتصل بصحيفته ناقلا اليها الخبر المثير عن عثوره على وثيقة مكتوبة بالعربي تشير الى ان غالاوي كانت له تعاملات مع المخابرات العراقية وكان يتسلم دفعات مالية من الحكومة العراقية. وتشير الوثيقة الى أنه كان يحصل على ما بين 10 و15 سنتا عن كل برميل نفط من مبيعات العراق ضمن برنامج النفط مقابل الغذاء ـ اي ما يصل الى ما يتراوح بين 300 و450 ألف دولار كل ستة اشهر. وباعتماد الرقم الادنى، تقول ديلي تلغراف ان غالاوي كان يحصل سنويا على «600 الف دولار» من اموال مشبوهة من العراق. وتشير الوثيقة ايضا الى انه كان يطلب المزيد وهو الطلب الذي رفضه العراق تبعا لوثيقة اخرى بعد ان رأى صدام حسين ان بلاده لم تعد تستطيع تقديم المزيد. البرلماني العمالي غالاوي ليس شخصا محبوبا في ديلي تلغراف التي تكره فيه آراءه اليسارية ومناصرته القوية للقضايا العربية وعادته الهجومية في اللجوء للمحامين كلما تعرض للهجوم. لكن الصحيفة لم تفعل شيئا صباح ذلك الاحد وضبطت نفسها ـ وذلك مرده في وجه منه لمعرفتها بعاداته في اللجوء الى القضاء ـ وانتظرت حتى اجتمع مدير تحريرها تشارلز مور مع محامي المؤسسة، والأهم من ذلك حتى تسنح لهم الفرصة لعرض ادعاءاتهم ضد غالاوي. ويوم الاثنين التالي استطاع المراسل السياسي للصحيفة اندرو سبارو الاتصال بغالاوي على هاتفه النقال في منزله الصيفي في البرتغال وتحدث معه لاربعين دقيقة. وقررت الصحيفة ان القصة تستحق خمس صفحات كاملة في قسم الأخبار وافتتاحية صاخبة في اليوم التالي وتغطية مماثلة طوال ما تبقى من الأسبوع. فهل كانت القصة سبقا صحفيا من الطراز الأول أم اننا سنتذكرها لاحقا باعتبارها احدى القصص المزيفة الكبيرة مثل رسالة جينوفييف؟ اذا ما ثبت صحة واصالة هذه الوثائق فانها من كل بد ستحكم بالنهاية على حياة جورج غالاوي السياسية وتريح الحكومة من أحد اكثر منتقديها قوة واكثر خصومها الذين تكرههم. فحتى اولئك الذين يشاركون غالاوي في ارائه السياسية لن يستطيعوا التسامح مع جشع من مثل هذا المستوى. وبعد ثلاثة ايام من ظهور ادعاءات «ديلي تلغراف» فقد تقزمت امام اخرى اتت من جانب صحيفة كريستسيان ساينس مونيتور في بوسطن بالولايات المتحدة التي زعمت انها اطلعت على وثائق اخرى تعطي تفاصيل دفعات عراقية لغالاوي تزيد على 10 ملايين دولار، الامر الذي يجعله اغنى برلماني بريطاني. كان هناك ايضا ميل لاستخدام هذه الفضيحة بطريقة تنتقص من مصداقية الحركة المناوئة للحرب كلها وخصوصا في افتتاحية ديلي تلغراف في عدد الثلاثاء الماضي والتي كتبها دانييل هانان البرلماني المحافظ. هانان حاول الالتفاف على الاتهام الذي وجه لحزب الحرب بأن غزو العراق مدفوع بالسعي وراء النفط والقول ان حزب الحرب كان معروفا بالتخوف على المواطنين العراقيين فيما «النشطاء المناهضون للحرب ـ او على الاقل قادتهم ـ كانوا يعملون من اجل الارباح». كما يأسف هانان ايضا على ان المعاهدة الاوروبية لحقوق الانسان قد جعلت توني بلير يلغي عقوبة الاعدام في قضايا الخيانة وبالتالي جنبت ذلك البرلماني العمالي الشنق. في غضون ذلك، ينفي غالاوي بشدة صحة هذه الوثيقة، وردة فعله الاولى كانت الاشارة الى ان ديلي تلغراف ربما تكون قد زورتها. وفي اليوم التالي دافع غالاوي عن نفسه في عمود بصحيفة تريبيون اليسارية وكان أكثر تفكرا فقال: «لا اعرف صحة هذه الرسائل او كيف تأتي لديلي تلغراف ان تعثر عليها صدفة في مبنى مدمر ومحروق ومنهوب». ومن الاقوال الاخرى التي ذكرها المدافعون عن غالاوي ان الوثيقة ربما قد اصطنعها ضابط ما في الاستخبارات العراقية حاول ان يحصل على المال بطريقة خبيثة من النظام العراقي بالادعاء انها من غالاوي. ويعتقد آخرون ان من المناسب جدا للتحالف وهو يواجه اسئلة مربكة عن النهب ومصير صدام حسين واسلحة الدمار الشامل غير الموجودة ان يحول انتباه الرأي العام الداخلي فجأة بهذه القصة بالغة الضرر ضد ناشط بارز مناهض للحرب. صحافيو «ديلي تلغراف» واثقون من ان لقيتهم هذه أصلية، خصوصا وأن وثائق اخرى من هذا الكنز قد تم التأكد من صحتها. وهم ينكرون احتمال ان يكون عملاء استخباريون قد قاموا بعملية التزييف الدقيقة هذه وتركوا الوثيقة في صندوق داخل مبنى مدمر على أمل ان يعثر عليها احد. ورغم ان غالاوي يقول انه سيقاضيهم فان فريق محاميه لم يعطوا بعد رأيهم.لكن ان لم يقرر غالاوي الذهاب للقضاء لتبرئة نفسه، سيكون من الصعب رؤية أي مستقبل سياسي قد تبقى له في السياسة، وحتى الآن عاش غالاوي حياة مهنية فاتنة اخرجته من كارثة لتوقعه في اخرى لكنه دافع عن نفسه بقوة عند كل منعطف. وعلى الرغم من اسلوبه الجدلي الهجومي يعرف عنه حبه للمال والسفر للخارج. وهو يحب السيارات السريعة والملابس الفاخرة والسيجار المترف وقد كشف في الاسبوع الماضي ان عقاراته المرهونة في لندن والبرتغال تصل الى حوالي 500 الف دولار، مما يشير الى انه ملتزم بدفعات شهرية لا يفي بها مرتبه في البرلمان البالغ 65 ألف جنيه سنويا، غير ان غالاوي يحصل على دخل سنوي من عمله في الصحافة يبلغ 70 الف جنيه. بين عامي 20002002 قام باحدى عشرة رحلة للخارج دفعت نفقاتها من صندوق «قضية مريم» وهو صندوق خيري اسسه ليساعد في علاج طفلة عراقية مصابة بسرطان الدم ويخضع الآن للتحقيق بنشاطاته من جانب هيئة الاعمال الخيرية. وهذه لم تكن سوى بعض من رحلاته التي دفعت كلها تقريبا من مصادر عربية. حينما كان غالاوي امينا عاما لفرع حزب العمال في داندي، شابت حياته السياسية المبكرة تلك بعض الاضطرابات المالية في ادارة احد النوادي. كما ثارت مزيد من الادعاءات حوله حينما كان أمينا عاما لحركة «حرب حسب الرغبة» لكن محاسبا برأ ذمته حينها من سوء استخدام الصناديق. وحينها دفع 1720 جنيها تعويضا عن نفقات اثير بشأنها جدل. بعد دخوله مجلس العموم مباشرة عام 1987 عقب هزيمته لروي جنكنز في غلاسكو، اعترف غالاوي بعلاقتين غراميتين خارج اطار علاقته الزوجية مما جعله يحظى بلقب «جورج المختال». وفي ذلك العام انتهى زواجه الاول بالطلاق ليتزوج لاحقا عالمة احياء فلسطينية هي الدكتورة أمينة أبو زياد التي يقال انها مصدر الالهام الرئيسي في دعمه بلا هوادة للقضايا العربية. مرتان بعد انتخابه الاول في البرلمان انقذه اتحاد العمال الاسكتلنديين في الانتخابات التمثيلية داخل حزب العمال. لكن اصبح من المشكوك فيه الآن اذا ما كانت نقابات العمال أو غيرها ستنقذه هذه المرة. فقد فتح الامين العام لحزب العمال ديفيد تريسمان تحقيقا قد يؤدي لفصل غالاوي من الحزب قبل ان تنكشف ادعاءات الاسبوع الماضي ضده بخصوص العراق. ويقول العاملون في المقر العام لحزب العمال انهم تلقوا «مئات» من الشكاوى بعد ظهور غالاوي على تلفزيون ابوظبي وهو يصف جورج بوش وتوني بلير بأنهما «ذئاب». وسواء ثبتت صحة الرسالة التي عثر عليها في بغداد أو العكس، فان ايام غالاوي في البرلمان قد تنتهي قريبا. عن «جارديان»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات