الاحد 3 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 4 مايو 2003 بعد مضي هذه السنوات على انطلاقة أول حملة انتخابية رئاسية لجورج دبليو بوش، هذا ما اصبحنا نعرفه عنه، انه يرى العالم بالابيض والاسود، من خلال مفهومي الخير والشر. وهو يمشي مشية غربي تكساس المختالة، ويحمل كلبه «بارني» صعوداً ونزولاً لسلم الطائرة الرئاسية الاميركية، مثل علية القوم في نيو إنغلاند. كما يخول من حوله الصلاحيات، لكنه يتلذذ باتخاذ القرارات الكبيرة، ولا ينظر للوراء أبداً بعد ان يتخذها. واليوم فيما تبدأ حملته الانتخابية الثانية بالتسارع، هذا هو ما لا نعرفه عنه، هل سيتحول نجاحه في الخارج إلى نجاح في الولايات المتحدة؟ هل سيعتمد على تفوقه في استطلاعات الرأي كما فعل والده ام انه سيستثمر رأسماله السياسي كما وعد العالم؟ هل لديه اي حلول لمخاوف اميركا الاقتصادية تتجاوز تخفيضاته الضريبية التي يرها الحل لكل المشكلات؟ اثنان من الرجال الذين يعجب بهم جورج دبليو بوش، ابوه وونستون تشرشل، قادا بلديهما إلى نصر عسكري ليجدا نفسيهما بعد ذلك خاسرين في السياسة الداخلية على يد الناخبين، الذين يريدون اهتماماً اكبر بالجبهة المحلية. حالياً اصبح بوش بطلاً في مجال السياسة الخارجية، واعطى الاميركيين حربين ناجحتين، وهو الخاسر السابق في الاقتراع الشعبي على الرئاسة والذي يحظى برضا 70% من الاميركيين على ادائه الرئاسي حسب استطلاعات الرأي. غير ان الناخبين بدأوا يتحولون عن الاهتمام بقضية العراق، فيما بدأ بوش سعيه وراء المصداقية التي فقدها عام 2000: اغلبية حقيقية وتفويض فعلي من الشعب الاميركي، يقول مستشار للبيت الابيض: «لقد اثبت انه زعيم قوي حين نحتاج زعيماً قوياً. اما الآن فعليه ان يترجم ذلك إلى نجاح في القضايا الداخلية وهي التي سيهتم بها الناس في نوفمبر 2004. واذا نجح في ذلك فسيفوز. وقد يكون فوزه كبيراً ايضاً. اما اذا لم يفلح وبقي الاقتصاد في حالته السيئة الراهنة، فكل الرهانات ستتبخر. كانت الرمزية واضحة في ليما بأوهايو مؤخراً. ففيما تحدث بوش عن خفض الضرائب، كان محاطاً بمدافع دبابتي ابرامز إم 1. وقبل ذلك باسبوع دافع عن التخفيض الضريبي ذاته في سانت لويس بميسوري، وهو يقف امام مقاتلة من طراز إف 18 ثمنها 48 مليون دولار. وفيما كان اول تمثال لصدام حسين يهوي في بغداد، قبل ثلاثة اسابيع، كان البيت الابيض يدفع بخطة تسمح للرئيس بتقليل تركيزه على الخارج ليبدأ باصلاح الامور في الداخل. فجولة بوش تحت شعار «العتاد في الوطن» تأتي بعد خطة لاعادة انتخابه: من الآن وحتى نوفمبر 2004 سيخرج بين الصور المادية وخطابه خفض الضرائب ولن يسمح لاميركا ان تنسى بأنها في حالة حرب في الداخل والخارج. يقول مسئول في البيت الابيض حضر خطاب سانت لويس: «بالتأكيد، لقد تحدث عن السياسة الداخلية، لكن خلفية المشهد كانت المقاتلة إف ـ 18» سيؤكد بوش على القضايا الداخلية، لكن ظلال المدافع ستبقى خلفه. واصبح من الكلاسيكيات المعتادة المقارنة بين الرئيسين 41 و43 لأميركا: يمكن لزعيم انتصر على صدام حسين ويواجه اقتصاداً راكداً ان يشهد نهايته السياسية. لكن الواقع يقول ان الرئيسين وظروفهما كانا مختلفين كثيراً. فحرب بوش الأب كانت لها خاتمة، اما بوش الثاني فيواصل تذكير اميركا ان الحرب ضد الارهاب ستتواصل لسنوات. بوش الاول كان يزدري الالعاب السياسية، اما بوش الثاني فيعرف ان السياسة هي كل شيء. بوش الاول زاد الضرائب وعين قضاة معتدلين وابتعد عن قاعدته المحافظة، اما بوش الثاني فخفض الضرائئب وعين قضاة محافظين وراعى قاعدته في كل شيء في الاجهاض وحتى البيئة. ويصر مستشارو الرئيس على ان حملة اعادة الانتخاب لم تبدأ بعد وان الرئيس سيبقى فوق المهاترات السياسية حتى آخر لحظة ممكنة. لكن هذا ليس سوى كذبة ومحاولة واضحة لابقاء الرئيس في وضع رئيس الحرب المتوج لاطول فترة ممكنة. وفي العديد من الاوجه، فإن الحملة التي كادت ان تفشل عام 2000 لم تنته بعد. فحينما رسم كارل روف وهو العقل الاستراتيجي للرئيس، استراتيجية بوش الانتخابية عام 1998، فقد كان يفكر قدماً لست سنوات وليس لسنتين لعام 2004، لان الرئاسة الثانية هي التي تصنع رئاسة ناجحة. يقول مسئول حزبي في ولاية مهمة انتخابياً «هذا الفريق لا يعرف الراحة. انه فريق لا يعرف سوى المضي للامام دوماً». وفيما يلي خطوط الحملة المتواصلة: كارل يعرف كل شيء تمر كل مواعيد السفر والخطب والتفاصيل السياسية وكل ما يتعلق بالرئيس عبر مكتب روف بالجناح الغربي في البيت الابيض، ليتأكد من ان كل شيء مرسوم بحيث يحقق اقصى فائدة سياسية. وباستثناء رحلاته إلى موطنه تكساس، فإن 70% من اسفار بوش الرئاسية كانت تستهدف ولايات تعتبر حرجة بالنسبة لانتخابات 2004. فلوريدا وحدها استقبلته 10 مرات. ولعب روف دوراً محورياً في تشكيل قرارات الرئيس القاضية برفع الجمارك على مستوردات الفولاذ وهي خطوة استقبلت بترحيب بالغ في تلك الولايات الصناعية المهمة مثل ويست فيرجينيا واوهايو وبنسلفانيا. ولاستثمار ذكرى 11 سبتمبر، رأى روف عقد مؤتمر الجمهوريين في نيويورك وان يأتي متأخراً حتى آواخر الموسم السياسي بحيث يتصادف مع الذكرى السنوية الثانية للهجوم. وفي نيوهامبشاير التي قدمت لبوش نتيجة انتخابية مذلة امام منافسه الجمهوري جون ماكاين عام 2000 وبفارق 19 نقطة، عمل روف على ضمان سيطرة الموالين لبوش على الحزب الجمهوري فيها لاعاقة اي منافسين محتملين له. وحين قدم سكرتير الرئيس الصحفي ايجازاً صحفياً عن رحلة بوش إلى اوهايو الاسبوع الماضي، كان مؤخوذاً من مذكرة اعدتها ورشة روف. كافيء قاعدتك وحد بوش حزبه باستخدام استراتيجية وصفها غروفر نوركويست رئيس منظمة «اميركيون من اجل الاصلاح الضريبي» بأنها «معالجة القضايا الكبرى». فلارضاء الحشود المناوبة بشراسة للضرائب قدم بوش خفضه الضريبي بقيمة 1,1 تريليون دولار عام 2001. والجمهوريون المهووسون بقضية التعيينات القضائية لم يخيبهم بوش، كما فعله ابوه. اذ يختار بوش مرشحين يعتبرون جيدين ايديولوجيا ويفهمون القيمة السياسية للقتال من اجل من يصفهم الديمقراطيون المحافظين المفرطين مثل تشارلز بيكرنغ وبريشيلا أوين. وبالالتزام بالقضايا التي يعتبرها انصاره الاساسيين مهمة لهم، يعطي بوش نفسه الفرصة لتجنيب املهم بخصوص القضايا التي يصفها نوركويست بأنها «ثانوية». وهذا ما فعله العام الماضي حينما وقع بوش قانون ماكاين ـ فينغولد للاصلاح المالي الانتخابي وهو القانون الذي يزدريه المحافظون. ويسأل نوركويست: «هل احزننا ذلك؟ نعم. لكني سأصوت بناء على الضرائب. هل كان اصحاب الاسلحة حزينيين؟ نعم. لكنهم سيصوتون بناء على مسألة امتلاك الاسلحة». عليك بتقليص التوقعات تقدم بوش على منافسه الديمقراطي آل غور طوال شهور في استطلاعات الرأي خلال الحملات الانتخابية عام 2000. لكنه فور تراجعه وراء غور سمح لنفسه بأن يوسم بالخاسر. وبوش هو المرشح المفضل هذه المرة، غير ان فريقه السياسي قد بدأ العمل بالفعل على تهدئة التوقعات السياسية. وفي الاسبوع الماضي سرب الحزب الجمهوري عمداً مذكرة كئيبة من ماثيو دود مستشار الرئيس لاستطلاعات الرأي. ويقول دود: «ان معدلات قبول الرئيس ستهبط ثانية إلى مستويات اكثر واقعية سريعاً. والرئيس بوش في استطلاعات الرأي المقبلة التي تقارن بينه وبين منافس واحد ربما يتخلف عن المرشحين الديمقراطيين المحتملين». وقام رئيس الحزب بارسال هذه المذكرة بالبريد الالكتروني ـ رغم ان المسئولين سينكرون كالعادة معرفة وجودها اصلاً ـ إلى الآلاف من الجمهوريين في كل الولايات المتحدة. ومنذ شهور يقول روف ان السباق الانتخابي المقبل سيكون قاسياً واشبه بعام 2000 مما كان عليه خلال الحملة الرئاسية الثانية عام 1984 للرئيس الاسبق رونالد ريغان الذي كسبها بقوة وتوقع بعض المتشددين نتيجتها مسبقاً. استخدام مبدأ باول فريق بوش لا يترك شيئاً للصدفة ولهذا يستخدم روف لانتخابات 2000 مبدأ باول القائل بالقوة الساحقة لكن في السياسة. 120 مليون دولار تبرعات انتخابية جمعها بوش عام 2000 كانت رقماً قياسياً مكنته من تجاهل التمويل الحكومي وسحق منافسه الجمهوري ماكاين في الجولة الانتخابية الافتتاحية. وهذه المرة يقول مساعدو بوش انه سيجمع ضعف هذا المبلغ ولن يواجه منافسة جمهورية. وهذا يعني انه سيحصل على عشرات الملايين لينفقها العام المقبل على الاعلانات التلفزيونية لصدم وارعاب منافسه الديمقراطي الذي سيكون قد خرج لتوه فطساً من منافسة خصمه الديمقراطي في الانتخابات الافتتاحية على ترشيح الحزب الرسمي له. يقول احد مستشاري بوش: «اجلسوا وراقبوا، سيكون لدينا مال يفوق التصور». اضرب عدوك مبكراً مع بدء الديمقراطيين سن سكاكينهم على بعضهم لكسب ترشيح الحزب لاحدهم منافساً لبوش، فإن فريق الرئيس قد بدأ فعلاً بمحاولة التأثير على السباق الانتخابي داخل الحزب الآخر. فقد حول الحزب الجمهوري حملة بوش لمنع الاحكام المالية الضخمة في قضايا تعويض الضرر الشخصي إلى هجوم على عضو مجلس الشيوخ جون ادواردز وهو محام سابق. ولضربه في عقر داره نورث كارولاينا، اقنع روف عضو الكونغرس الجمهوري ريتشارد بير بتحدي ادواردز على مقعد الولاية في مجلس الشيوخ. وحينما قال عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي عن ماساشوستس جون كيري ان الولايات المتحدة بحاجة «لتغيير في النظام.. بقدر حاجة العراق اليه، شن الجمهوريون هجوماً منسقاً على هذا الجندي المخضرم من حرب فيتنام ويعتبر في طليعة المرشحين الديمقراطيين لمنافسة بوش واتهموه بانعدام الحكمة والوطنية. وبعد ذلك تخيل مسئولو البيض الابيض اعلاناً يمكن ان يستخدموه ضد كيري: «فيما تخوض جنودنا الحرب، جون كيري يقارن الرئيس بوش بصدام حسين». لسنا اغبياء.. انه الاقتصاد الحملات الانتخابية لا يمكن ان تمهد الساحة لاستيعاب ما سماه دونالد رامسفيلد «المجهولات المجهول» ـ هجوم ارهابي، حادث محلي يتحول إلى ضجة كبرى. لكنها يمكن ان تمهد الساحة للمجهولات المعروفة. فمستشارو استطلاعات الرأي يخبرون البيت الابيض ان فرص العمل يتربع على قائمة اولويات الاميركيين. ولذلك فإن شعار البيت الابيض الآن هو «الوظائف» وقد استخدم بوش هذه الكلمة 33 مرة في خطابه الاخير في اوهايو. غير ان الاخبار الاقتصادية تواصل سوداويتها فالمطالبون بضمان نتيجة البطالة ارتفع عددهم إلى اعلى مستوى منذ سنة وذلك الخميس الماضي وهي في ارتفاع مستمر للاسبوع العاشر على التوالي ليتجاوزو 400 الف. وفي الاسابيع الاخيرة اعلنت الولايات والمدن المفتقرة للموارد النقدية فرض ضرائب جديدة وتخفيضات موجهة في النفقات على الشرطة والمدارس وغيرها من الخدمات الحكومية. ورغم انتهاء الحرب واستعادة النظام في بغداد لا يزال مؤشر داوجونز قاصراً عن تحقيق ما توقعه البعض. ورغم بعض الاخبار الطيبة مثل الارتفاع المفاجيء في المشتريات لا يزال الاقتصاد الزلمد اهم نقاط ضعف بوش. ترجمة : جلال الخليل _ عن « تايم »