حملة التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل العراقية تثير المزيد من التساؤلات

السبت 2 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 3 مايو 2003 بعد أن تبين لها أنه ليس لديها إلا القليل الذي يمكنها تقديمه على الرغم من مرور ما يتجاوز الشهر على بدء الغزو، بدأت ادارة بوش في فقدان ثقتها فيما كانت تعتقده قبل الحرب بشأن وجود علامات قوية تشير إلى الأماكن التي تم اخفاء اسلحة الدمار الشامل العراقية بها، على حد تعبير المخططين والمشاركين في عملية البحث عن تلك الاسلحة. فبعد تفتيش بعض المواقع التي كانت هناك اشارات مؤكدة على وجود اسلحة بها، بدأ الشك يتملك المحللين الأميركيين من الكويت وواشنطن بشكل متزايد بشأن ما إذا كانوا سيجدون أم لا ما يبحثون عنه في الأماكن التي شملتها القائمة التي تم تحديدها قبل الحرب للمواقع التي تحتوي على اسلحة دمار شامل في العراق. وبدأت استراتيجية هؤلاء في التحول من التفتيش السريع للأماكن المشتبه فيها إلى الشروع في عملية مسح سريع تعتمد على التوصل الى كشوفات غير متوقعة. ومؤخراً، بدأت القيادة المركزية الأميركية في التحرك بسرعة لتوسيع وتعزيز اجراءات الأمن حول عدد أكبر من المواقع في محاولة للمحافظة على وجود دليل يخشى المسئولون الأميركيون انه بدأ في التلاشي. وجاء هذا التحرك اثر معلومات استخبارية ألمحت إلى ان عراقيين قاموا بسرقة ملفات ومعلومات الكترونية ومعدات خاصة ببرامج اسلحة غير تقليدية تحت غطاء عمليات السلب والنهب التي اندلعت مؤخراً. ويقول المحللون انهم يعتقدون ان هناك مسئولين عراقيين سابقين يأملون اخفاء تورطهم في السرقة أو يسعون لتسليم هذه الاشياء مقابل الحصول على موطيء قدم في الحكومة العسكرية الأميركية في العراق أو بيع هذه التكنولوجية مقابل الحصول على مكاسب خاصة. وإذا حدث ان انتقلت هذه الاسلحة أو وسائل تصنيعها من حيازة القيادة المركزية للمسئولين العراقيين السابقين فإن الحرب التي تم شنها يمكن أن تكون قد ادت الى تفاقم التهديد الذي قال الرئيس الأميركي جورج بوش انه شن الحرب من اجل تجنبه، وذلك على حد اعتراف مسئولين أميركيين كبار. ففي تصريح له مؤخراً، قال دوغلاس فيث، وكيل وزارة الدفاع الأميركية للشئون السياسية: «إن الأمر ينطوي على خطورة كبيرة. فهناك اشارات إلى ان بعضا من عمليات النهب والسلب كانت تتم بغرض استراتيجي. فيبدو أن اعضاء حزب البعث العراقي ومسئولي الحكومة العراقية قاموا على الأقل بجزء من عمليات نهب المؤسسات الحكومية، بما في ذلك تلك التي يمكن أن تحتوي على مواد مرتبطة بأسلحة الدمار الشامل». لقد شن بوش الحرب وبررها باعلانه ان «صدام حسين يمتلك اسلحة دمار شامل» على حد قوله. وقال وزير الخارجية كولن باول، الذي اضطلع بالدور الاساسي في الدفاع عن قرار شن الحرب بين الجماهير، ان «تقديرنا المتحفظ يشير إلى ان العراق حاليا يمتلك مخزوناً يقدر بين 100 و 500 طن من مواد تصنيع الاسلحة الكيميائية. غير ان مجموعة من الموظفين والمحللين السياسيين على حد السواء، بمن فيهم هؤلاء الذين كانوا بشكل غير علني متشككين في ضرورة شن الحرب، استمروا في التعبير عن ثقتهم في ان القوات الاميركية في النهاية سوف تعثر على اسلحة بيولوجية وكيميائية وعناصر تصنيع صواريخ باليستية ومعدات وخطط خاصة بالحصول على اليورانيوم المشع، وقال احد كبار المخططين السياسيين ان هناك الكثير من المواقع التي لم يتم التفتيش بها بعد، منها عشرات من المواقع المنصوص عليها في قائمة الاماكن المشتبه فيها والتي تحتوي على 100 موقع مستهدف غير ان الباحثين عن الاسلحة الان يبنون آمالهم على ما يطلقون عليه «المواقع الخاصة بغرض معين» التي يتم اكتشافها بالصدفة او بمساعدة العراقيين الذين يتطوعون بمعلومات او يفشون اسرارا اثناء عملية استجوابهم. يقول مسئولون اميركيون في الكويت ان احد امثلة هذه المواقع ظهر، مؤخرا عندما كان المحققون يستجوبون عالما عراقيا جنوبي بغداد فقد قال المحققون ان العالم اخبرهم بانه شارك في تطوير اسلحة كيميائية وان العراق قام بتدمير بعض الاسلحة قبل ايام قليلة من بدء الحرب، وقاد العالم المحققين الى عينات من المواد الكيميائية التي وصفها فريق البحث الاميركي بانها عناصر لمواد سامة مميتة ولكن المسئولين العسكريين لم يحددوا اسم وهوية العالم ولم يقولوا شيئا عن المواد السامة او العناصر الكيميائية التي تم العثور عليها ولم يسمحوا لمراسل صحيفة «نيويورك تايمز» الذي كان يصاحب فريق البحث والذي كان اول من افصح اعلاميا عما حدث، بمقابلة العالم. يقول الخبراء انه من دون الافصاح عن معلومات اضافية لما تم العثور عليه فانه لن يمكن تحديد مدى اهمية الكشف وكان وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد حريصا على الا يضع نهاية للامر وقال انه ليس لديه ما يضيفه وان المحققين لديهم واجب يتمثل في تحليل الاشياء والقيام بها بشكل منظم ومرتب، ويقول الخبراء انه تقريبا لايوجد عنصر يدخل في تركيب وانتاج سلاح كيميائي يمكن استخدامه في اغراض مدنية سلمية. ولان الاكتشافات العرضية يمكن ان تحدث في اي مكان، تسابق القيادة العسكرية الاميركية الزمن ولكن بعد ان حدث ما حدث من اجل السيطرة على الملفات والمعدات الموجودة في عشرات من المواقع الحساسة في بغداد والتي اضحت بلا حراسة اثناء الفوضى التي عمت البلاد في اعقاب سقوط صدام حسين وبدأت القوات الاميركية في نهاية الاسبوع الماضي في السيطرة على جميع ابنية الوزارات العراقية في بغداد والتي يبلغ عددها 23 مبنى علاوة على اكثر من عشرين موقعا آخر يقول عنها المسئولون الاميركيون انها ربما تحتوي على معلومات استخبارية قيمة. ولقد انتقد كبار المسئولين الاميركيين المنوط بهم الاشراف على الاوضاع في العراق بعد الحرب بشدة التأخير في تأمين هذه المواقع. يقول احد هؤلاء المسئولين الاميركيين في الكويت في مقابلة صحافية مؤخرا ان الجنرال المتقاعد غاي غارنر الحاكم العسكري للعراق كان يريد حماية خاصة للوزارات العراقية العشر وقال انها يمكن ان تكون مخازن لمعلومات عن الاسلحة غير انه لم يتم حماية سوى وزارة النفط بعد ان استولت القوات الاميركية على بغداد. ويضيف المسئول ان القادة العسكريين لم يعطوا أولوية كافية لدخول هذه الاماكن وانه «لم تكن هناك قوة كافية لاتمام مصادرة هذه الابنية والملفات التي تحويها. وفي الوقت نفسه يقوم مخططو وزارة الدفاع حاليا بنقل بعض افضل فرق التحقيق والكشف عن الاسلحة لديهم بعيدا عن المواقع المستهدفة التي جاءوا الى العراق من اجل تفتيشها، فاثنان من فرق التفتيش النقالة الاربع تم اعفاؤهما من عملية البحث عن أسلحة دمار شامل وتكليفهما بعمل أصعب يتمثل في مسح ما يطلق عليه المسئولون «مواقع لا تحتوي على أسلحة دمار شامل». هذه المواقع تحتوي على سجلات وملفات ضخمة يمكن أن تلقي ضوءاً على قضايا أخرى مثل الارهاب وأسرى الحرب. ولأن هناك عدداً كبيراً من هذه المواقع، فإن اعضاء هذه الفرق انغمسوا في عملية يصفها أحد الضباط العالمين ببواطن الأمور بعملية «تحديد أولويات» يحاولون خلالها تحديد أي من هذه الأماكن يستحق التفتيش بدرجة أكبر. يقول ضابط عسكري يعمل بشكل مباشر مع فرق البحث: «لقد تغير تركيز وتوجه الجهد الرئيسي الذي يتم بذله. ففي ضوء ما يحدث من عمليات نهب وسلب، وفي ضوء حقيقة انه لا يظهر شيئاً بشأن الاسلحة، فنحن اضطررنا الى تأمين هذه الأماكن بشكل أكبر، فالمعلومات التي نملكها لا تقودنا الى شيء». والآن وقد سيطرت القوات الاميركية على بغداد، التي تعد نواة صناعة الاسلحة العراقية، فقد أعرب بعض من كبار أعضاء فرق البحث عن خيبة أملهم بسبب التحول في طريقة البحث. فحتى وقت قصير كان مسئولو وزارة الدفاع يتوقعون ان نهاية الحرب سوف تسمح لفرق البحث بتركيز عملهم والوصول الى عدد كبير من مواقع الاسلحة ذات الاولوية القصوى. يقول سباستيان كيندال وهو ضابط بسلاح الجو الملكي البريطاني يقود عملية التخطيط للبحث عن الأسلحة في المواقع المشتبه فيها من الكويت، انه لم يكن هناك قرار واع بخفض عدد الفرق المخصصة للبحث عن أسلحة دمار شامل. ولكنه أضاف ان «البيئة آخذة في التغير حسب حقيقة الأوضاع». وأضاف المسئول: «نحن الآن داخل وحول بغداد وهناك ضرورة وحتمية لاحتواء الموقف بقدر الامكان، فلقد تم أمر القوات البرية بتأمين مزيد من المواقع والعمل كذلك على تفتيشها بشكل أسرع حتى يتسنى لنا اطلاق سراح هذه القوات». ويضيف: «سوف نقوم بالعمل طبقاً لما هو مرسوم من تفتيش جميع المواقع الواردة في القائمة من بدايتها لنهايتها. وعلى الرغم من ان الكثير من المواقع الاضافية ليست لها علاقة ببرامج الاسلحة المخفية، فإن بعضها يمكن أن يكون له صلة بهذه الأسلحة لأنها يمكن أن تحتوي على بعض المعلومات والوثائق». وقد تم تجهيز فرق التحليل النقالة المنوط بها توفير تحليل أكثر تطوراً للأسلحة بعد أن تقوم فرق أخرى بالتعرف عليها ومسح الموقع الذي يحتوي على الأسلحة بأفضل المعدات والخبرات لتقوم بواجبها على أفضل صورة. فهذه الفرق تحمل معدات معقدة للغاية مثل أجهزة فصل كروماتوغرافية لتحليل الغازات وأجهزة مقياس الطيف وأجهزة سبكتروسكوب محمولة تحدد هوية المواد بتحليل أطيافها. ويعتبر أفراد هذه الفرق الوحيدين من نوعهم بين المفتشين في العراق، الذين تم تدريبهم على نقل عينات من المواد السامة المميتة بشكل آمن. يقول ليفتنانت كولونيل مايكل سليفكا، وهو مفتش أسلحة ذو خبرة طويلة في هذا المجال يقوم بتوجيه العمليات الليلية في مركز التخطيط انه «لا يوجد حالياً كثير من العمل لهذه الفرق التي تملك تلك القدرات الفائقة». ويضيف: «ان معظم الأعمال الخاصة بالأسلحة حالياً تدور حول تصفية والدلائل التي لم يتم تقويمها بعد». وهناك عشرات الألوف من الجنود وقوات المارينز في العراق لديهم الآن نسخ من كتاب بحجم الجيب يحوي معلومات للتعرف على معدات وتجهيزات أسلحة الدمار الشامل ووسائل انتاجها وقد قام الجنود بكتابة مئات التقارير التي تثير الاهتمام عن هذه الأسلحة. وتقع على عاتق فريق من «أربعة فرق مسح موقعي» مسئولية تقويم الارشادات والتحذيرات الموجودة بهذا الكتاب الا ان احدا من هذه التقارير حتى الآن قاد الى كشف موثق مؤكد. وحتى تلك المواقع الخمسون، التي يتم حمايتها حالياً من قبل القوات الاميركية لا تمثل الا جزءاً بسيطاً من ألوف المكاتب والمشروعات والسجون والثكنات والمعسكرات والمنازل الخاصة التي يمتلكها المسئولون العراقيون واعضاء حزب البعث، حيث تعتبر هذه المواقع من الاماكن التي لها تاريخ مع اخفاء الأسلحة غير التقليدية فوزارة الصناعة والمعادن على سبيل المثال تشرف على اكثر من 500 مشروع حكومي و100 ألف موظف، وعثر مفتشو الاسلحة التابعون للأمم المتحدة ذات مرة على وثائق من مليون صفحة داخل مزرعة دواجن. يقول فيث: «هناك افتراض معروف وشائع يفيد بأنه اذا كنت تعلم انهم يملكون اسلحة كيميائية وبيولوجية، فإن اجهزتك الاستخبارية ينبغي ان تكون على مستوى جيد يمكنها من التعرف على مكان تلك الاسلحة ولكنك ربما تسمع الناس يتحدثون ويشيرون الى مواد او عناصر معينة ولذلك فإنك تعلم من هؤلاء الناس ان العراقيين يملكون هذه المواد او العناصر ولكنك ربما لا تدري اين توجد هذه المواد». ومع ثبوت ان المعلومات الاستخبارية غير ذات جدوى بالقدر الذي كان مأمولاً، فقد خلص المسئولون بوزارة الدفاع الى ان البحث عن الأسلحة يحتاج الى دعم قوي وذلك من خلال ارسال اكثر من 1000 محلل مدني وعسكري تحت اشراف وكالة الاستخبارات الدفاعية. هذه المجموعة من المحللين التي سيرأسها نائب مدير وكالة الاستخبارات الدفاعية للعمليات الاستخبارية، تخطط لعمل كتالوج ضخم للسجلات الحكومية العراقية، وهو عمل استخباري لم يضارعه في العصر الحديث سوى عمل اميركي ـ الماني مشترك للقيام بمهمة مماثلة في أرشيفات المانيا الشرقية في برلين وسوف يقوم ميجور جنرال كيث دايتون، وهو خبير اختصاصي في هذا المجال، بالاشراف على عملية مسح وتحليل ودراسة السجلات والوثائق العراقية. وسوف تكون أسلحة الدمار الشامل جزءاً، ولكن ليس الجزء الاكبر، من مسئوليات دايتون وحتى في ضوء هذه الحقيقة، على حد تعبير بعض المسئولين فإنه ينبغي زيادة اعداد مفتشي الأسلحة في العراق بمعدل ثلاثة او اربعة اضعاف عندما تصبح المجموعة المنوط بها مسح وتحليل الوثائق العراقية في وضع تسيطر فيه بالكامل على الموقف وذلك في خلال ثلاثة اشهر. ويقول كيندال وهو المسئول البريطاني الذي يقوم حالياً بادارة عمليات البحث عن الأسلحة، ان عمليات البحث التي تتم على النطاق الحالي ليست لها سابقة من نوعها في التاريخ. يقول كيندال: «البحث في بدايته واريد ان اقول انه امامنا طريق علينا خوضه». ترجمة: حاتم حسين عن «واشنطن بوست»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات