شارون وجمهورية فيمار، بقلم: يتسحاق كلاين

السبت 2 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 3 مايو 2003 في الايام التي سبقت الهجوم الاميركي على العراق، تلقيت رسالة بريدية من زميل الماني، بروفيسور في القانون الدولي. «من المستحيل تسوية الصراعات بالحروب» كتب في رسالته. «فقط الضغوط الدبلوماسية، تستطيع تدجين الذئاب المفترسة». اقواله جعلتني انفعل ثانية بالمكاسب السياسية المذهلة لآلة الحرب الاميركية ـ لا ضد العراق، بل من قبل ستين عاما. ذات مرة كان الالمان هم المعتدين. حاليا، المثقف الالماني النباتي، هو الذي يعكس مزاج النخب الالمانية، التي لا تؤمن بقدرة الحرب على احراز اي شيء. في الولايات المتحدة يقرأون التاريخ بصورة مغايرة. هناك يعلمون النشء ان من الواجب القتال لاجل العدالة، وان السلام هو ثمرة الانتصار. كيف تم تحقيق الانتصار الاميركي، في نهاية الحرب العالمية الثانية، هجر نحو 12% من الالمان بيوتهم ولم يعودوا اليها ابدا. وخسر الشعب الالماني ملايين الضحايا بينهم 600 الف مواطن، قتلوا جراء قصف من الجو، القى الجيش سلاحه، وتمت تصفية زعماء الحكم. وتم اقتطاع اجزاء واسعة من المانيا، ضمت الى اعدائها السابقين. الالمان، محطمين اذلاء، هزموا على مستوى القيم كذلك: لقد كفوا عن الايمان بعدالة هتلر وذوتوا العدالة التي فرضها محتلوهم. الحرب العالمية الاولى، ينبغي التذكر، انتهت بصورة مختلفة، لم تتم ابادة الجيش الالماني ولم تتم تصفية الطبقة الوطنية الحاكمة. صحيح ان القيصر قد اجلي وقام نظام حكم بديل كما لو كان حكما اشتراكيا ديمقراطيا، ولكن في غضون خمسة اعوام، شرع هذا النظام بالتعاون سرا مع الجيش من اجل ترميم القدرة القتالية، من خلال انتهاك لاتفاقيات موقعة. الجو العام في «جمهورية فيمار» كان مشبعا بالروح العسكرية وبكراهية الفرنسيين والبريطانيين واليهود، ومهد الطريق لصعود الحكم النازي. رئيس الاركان العامة الفرنسي، المارشال فوش، اجمل اتفاق فرساي الذي وضع حدا للحرب افتراضا. بجملة صائبة «ليس هذاسلاما، بل اتفاق هدنة لعشرين سنة». لم يهزم الشعب الالماني، بل فقد القدرة على مواصلة الحرب مؤقتا. وعندنا، يريد ارييل شارون «ان يصنع سلاما». وهو يرى في أبو مازن بديلا لعرفات، يمكن ان يوقع معه على بديل لاوسلو. وعلى غرار رؤساء حكومات اسرائيليين سبقوه، شارون مستعد لتقديم كنوز حقيقية، والتنازل عن الامن مقابل قصاصة ورق. كل ذلك في حين لم يتغير شيء حقيقي لدى الفلسطينيين، باستثناء الاعتراف بالفائدة التكتيكية لعملية تخرج الجيش الاسرائيلي من مدنهم. الشعب الفلسطيني لم يهزم، وعليه م.ت.ف وحماس الاجرامية لم تتم تصفيتها. وجماعات العنف لم تجرد من سلاحها. الفلسطينيون سيحصلون على دولة، يستطيعون فيها تنظيم انفسهم للجولة المقبلة.. السؤال ما اذا كان ابو مازن هو الذي يحكم ام ان عرفات هو الذي «يشد الخيوط» سؤال غير واقعي. فحتى لو اختفى عرفات، فليس لدى أبو مازن العظمة او الصلاحية لارضاخ من يواصلون الحلم بابادتنا. شارون سيوقع على اتفاقه مع «جمهورية فيمار» التابعة لابو مازن، يتسلم جائزة نوبل خاصته، وينسحب الى مزرعة هشكميم. لن يكون هذا اتفاق سلام، بل في احسن الحالات هدنة مؤقتة. شارون يخاف من النظر في وجه الحقيقة القاسية او مصارحة الشعب بها: لن يكون سلام قبل ان يهزم الفلسطينيون وتباد طبقة الزعامة الراهنة او تطرد، وقبل ان يصادر كل السلاح الفلسطيني. كما من قبل عشر سنوات، تهدد نشوة «امل السلام» بتعطيل القدرة على التحليل والحذر. وينبغي ان نأمل في ان خبرة العقد الاخير تكفل، حاليا على الاقل، ذريعة لاولئك الذين يطلقون تحذيرات، ثبت في المرة الاخيرة انها دقيقة تماما. عن «معاريف»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات