كتاب القرن الحادي والعشرون لن يكون قرناً أميركيا، الحلقة السابعة عشر، تأليف : بيير بيرنيس

السبت 2 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 3 مايو 2003 هل استمرار الهيمنة الأميركية أمر مضمون ومؤكد؟ وهل حقا، أميركا ذات الـ 240 مليون نسمة، وهي نسبة لا تتعدى 4% من عدد سكان البشرية ستحكم العالم إلى الأبد؟المؤلف، بيير بيرنيس، يؤكد أنه لا يوجد أي سبب للتفكير بهذه الطريقة. فالصين عاكفة على استعادة قوتها وأوروبا عازمة على أن تسترد مكانتها وموقعها، وهناك روسيا التي ستبعث من جديد، واليابان الآخذة بالتحرر، والهند التي تستيقظ في كل مكان، هكذا نجد أن رغبة المقاومة للهيمنة الأميركية مؤكدة وملموسة، وبالامكان التأكيد بأن هذه المقاومة ستنتصر.ومؤلف هذا الكتاب الذي تنشره «البيان» بالتعاون مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر، هو مسئول الشئون الخارجية للبرلمان الفرنسي، عمل خلال ما يقارب 25 عاماً مراسلاً لصحيفة «اللوموند» في أفريقيا، وقد نشر كتابين هما «أفريقيا للأفريقيين»، و «الفرنسيون في أفريقيا السوداء» . أدى انحطاط الامبراطوريتين النمساوية ـ المجرية والعثمانية خلال القرن التاسع عشر وانهيارهما على اثر الحرب العالمية الأولى الى ميلاد عشر دول جديدة كانت الميزة المشتركة بينها أن حدودها لم تضم بين جنباتها يوماً مجموعات سكانية قومية متجانسة دماً وثقافة وديناً، وهي النمسا والمجر وتركيا (في جزئها الأوروبي الصغير) نفسها ولكن أيضاً بولندا (التي كانت مقسمة آنذاك ما بين ألمانيا والنمسا وروسيا والتي كانت تحتفظ بمقاطعات سيليزيا وبوميرانيا ذات الأغلبية الألمانية) وتشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا وألبانيا واليونان وبلغاريا ورومانيا. غير أنه على مدى قرابة السبعين عاماً ما فتئ تصاعد قوة النازية المهيمنة في كل هذه المنطقة المحفوفة بالمخاطر، ثم تحييد هذه المنطقة من قبل الجيش الأحمر، واقامة أنظمة سياسية شمولية فيها تدين بالولاء والرضوخ التام لموسكو، وهي الأنظمة التي خلفت تلك التي أنشأها الرايخ الثالث، قلت ما فتئ هذا التصاعد وما نتج عنه من تلك الأوضاع أن أهمل قضايا الأقليات هذه وأبعدها عن الاهتمام حتى كاد يطويها النسيان. ولم يكتشف صناع السلام الهش في بداية العشرينيات من القرن العشرين وعلى رأسهم الفرنسيون والانجليز، سلسلة القنابل الموقوتة التي خلفهما ذلك السلام الفاشل الا بعد انهيار النظام السوفييتي. وقليلون هم الذين أدركوا مخاطر الاشتعال والانفجار التي باتت تهدد كافة وسط أوروبا من البلطيق الى ايجة والتي كان يمكن أن تنتج عن مثل تلك التحولات في حياة الاتحاد السوفييتي. فعلى غرار الزعماء المؤسسين لمنظمة الوحدة الافريقية الذين كانوا حكماء حين أعلنوا عام 1963 عن تعذر المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار المرسومة كيفما اتفق قبل ذلك التاريخ بقرن من الزمن، فقد قرّر مؤسسو الندوة حول الأمن والتعاون في أوروبا والتي تضم كافة زعماء الصراع ما بين الشرق والغرب، قرّروا عام 1998 تجميد كل الحدود الأوروبية على الوضع الذي كانت عليه عند انتهاء ذلك الصراع. غير أنه في هذه الحالة وفي تلك أيضاً لم يقل أحد شيئاً عن حقوق الأقليات العرقية والدينية داخل الدول/الأمم ذات الأقليات المتنوعة. فقد كان الرئيس فرنسوا ميتران ووزير خارجيته رولان دوما هما الوحيدان اللذان أبديا بعض الانشغال بتلك القضية، لكن الفكرة ما فتئت أن طرحت من جديد بعد ذلك بخمس سنوات حيث بادر ادوار بالادور الذي أصبح رئيساً للوزراء بتنظيم ندوة لذلك الغرض عام 1994 في باريس من أجل الاستقرار في أوروبا حيث وافق جل الحاضرين بالفعل وبقدر كبير من القناعة والصدق على نص أقروا فيه بقدسية حدودهم وبالاعتراف بالحقوق الثقافية بل والسياسية أيضاً الخاصة بالأقليات العرقية أو الدينية المتعايشة في داخل هذه الحدود. هدوء ويقظة معاً لكن هذا الاتفاق لم يأت الا والمأساة البوسنية في أوجها والنار الكامنة للعديد من الصراعات الأخرى تهدد بالانفجار بين لحظة وأخرى. لم يجد الاتفاق نفعاً لأن أهداف أقليات «صربيا الكبرى» المعلنة كانت قد آلت الى اندلاع حروب كرواتيا والبوسنة التي لم ير لها العالم آنذاك أي مخرج، في انتظار انفجار حروب أخرى لا تقل عنها دموية وشراسة. ناهيك عن طموحات أخرى في الحرب غير معلنة وغير مطمئنة انطوى عليها دعاة هنغاريا الكبرى التي قد تضم أقاليم سلوفاكيا وكرواتيا وصربيا ورومانيا وأوكرانيا، وبالاضافة الى طموحات أنصار ألبانيا الكبرى الذين يطمعون تحت دوافع عديدة في ضم مونتينغرو (الجبل الأسود) وكوسوفو (حيث قلّص الصرب الذين لا يمثلون سوى أقلية قليلة مواطنيهم الألبان الى مجرد رقيق) وجزءاً من مقدونيا في حال تعرض هذا الاقليم الهش للانفجار والانقسام، وطموحات أنصار رومانيا الكبرى المصرين على الاحتفاظ بالأجزاء المهمة لأراضي هذه الأخيرة التي يسكنها مجريون ما فتئوا هم الآخرون يطالبون باستعادة مولدافيا يوماً (بيسيرابيا القديمة) التي استولى عليها عام 1944 الرّوس المتواجدون عسكرياً الى الآن في ترانزنستري، ثم طموحات الحالمين ببلغاريا العظمى المتصارعين الى الآن مع أقلية قليلة من الأتراك والذين لم يقولوا بعد كلمتهم الأخيرة في جزء هام من مقدونيا المجاورة (التي لا يختلفون عنها عرقياً وثقافياً الا قليلاً) في حال تعرض هذه الأخيرة يوماً للتفكك والانقسام، ناهيك عن أحلام القوميين الاغريق الهلينيين فيما يتصل بمقدونيا نفسها وكذلك بجنوب ألبانيا، وعن أحلام بعض الايطاليين الذين يتمنون استعادة استري من كرواتيا ومن سلوفينيا. ففي كل مكان كانت الأهواء القومية ولا تزال ثائرة هائجة لأسباب ترتبط بدوافع سياسية لا ينتظر منها طيباً على المدى البعيد. لكن منذ عدة سنوات وبفضل جهود المجتمع الدولي ولا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هدأ التوتر، فلنقر بذلك ونغتبط ولكن فلنظل يقظين أيضاً. ان السكان الألبان المسلمين في مقدونيا وفي مونتينغرو (الجبل الأسود) ولا سيما في كوسوفو في غليان. ففي مونتينغرو ـ البلد الذي يشكل مع صربيا ما تبقى من يوغسلافيا جاءت هزيمة مرشح سلوبودان ميلوسيفيتش الرئيس السابق الذي يحاكم الآن، مومير بولاتوفيك على يد أحد الاصلاحيين المعارض لهيمنة بلغراد في الانتخابات الرئاسية لأكتوبر عام 1977. ففي هذه الأثناء ما فتئ التوتر يتصاعد في كوسوفو التي حرمت من استقلالها عام 1989 بعد أن ضمت بكاملها الى صربيا ضد ارادة الأغلبية الساحقة من مواطنيها الذين لم يعد لهم الحق حتى في تعليم أبنائهم اللغة الألبانية والذين حل محلهم في مناصب الادارة والشرطة بل وفي الجيش أيضاً عناصر من الأقلية الصربية المحدودة. ففي بريشتينا عاصمة هذا الاقليم الذي يطمح الى الاستقلال والى بعض التقارب مع ألبانيا صارت الرابطة الديمقراطية لكوسوفو ابراهيم روغوفا، المناصرة لطرق الكفاح السلمية خاضعة أكثر فأكثر لدعاة الكفاح المسلح الذين تجمعوا في منظمة تعمل في السر تحت اسم جيش تحرير كوسوفو مما جعل القادة الصرب في المقابل يشددون أساليب القمع ضدهم وضد مواطنيهم. ويأتي طلبة جامعة بريشتينا في مقدمة هذا الكفاح ففي هذه المرحلة وعند أول شرارة قد تضطرم النار التي ستلهب كل دول البلقان من أقصاها الى أقصاها، فقد أشرفت المنطقة في نوفمبر 1997 على الكارثة. فقد دمّر الجيش الصربي في مارس التالي المئات من القرى المتهمة بالارهاب في وسط البلاد. وفي تيرانا عاصمة ألبانيا المستقلة لا يزال الناس محجمين عن اثارة المزيد من الضغائن. فالواقع أنه لا حيلة لهم في ذلك. ففي ربيع عام 1997 لم يتمكن القادة الشيوعيون الجدد وعلى رأسهم الرئيس صالح بريشا حتى من الحيلولة دون انزلاق بلادهم الى الحرب الأهلية ولم يجدوا بداً من قبول تدخل قوات عسكرية من بلدان أوروبية عديدة لايقاف تلك الحرب قبل أن تتسلم حكومة شيوعية جديدة الحكم في البلاد بعد أن أرغم بريشا على الاستقالة، لكن اذا كان الرئيس اليوغسلافي ميلوسيفيتش مصراً على رفضه أي تنازل فإن سياسة سلطات تيرانا الحذرة هذه قد لا يكتب لها النجاح والاستمرار. فقد تكون هنا أمام بوسنة الغد الأكثر تهديداً لاستتباب الأمن في مجموع البلقان. أما في البوسنة على الخصوص، وتحت ضغط الأوروبيين والأميركيين فقد سكتت المدافع عام 1995 لقاء تقسيم عرقي حقيقي، بينما في اليونان أدى اختفاء أندرياس باباندريو وتعويضه عام 1996 بالرجل الذكي الواقعي كوستاس سمتيس على رأس الحكومة والباسوك الحزب الاشتراكي الحكومي، من حسن الحظ الى انخفاض الهيجان الشعبي بدرجات كثيرة. كانت يوغسلافيا بزعامة تيتو بلداً عظيماً. فقد احتفظت على صعيدها بحكم تعدد قومياتها على غرار الامبراطوريتين النمساوية ـ المجرية والعثمانية اللذين ورثت عنهما تلك القوميات، بأفضل ما في هاتين الدولتين الزائلتين دون أن تشكل مع ذلك نظاماً جائراً يطغى فيه شعب على شعب آخر بالرغم من أن نظامها السياسي لم يكن نظاماً ديمقراطياً مثالياً ـ لكن ما ان اختفى المارشال حتى بدا واضحاً أن ورثته غير قادرين لوحدهم على الحفاظ على آثاره في الوحدة والسلام، ونعرف جميعاً ما شهدته يوغسلافيا من مآس بعد رحيل زعيمها الكبير تيتو. ولذلك فقد كان من مصلحة أوروبا الأساسية أن تتدخل على وجه السرعة من أجل مساعدة أو ارغام ميلوسيفيتش وتوجمان وغيرهما من الذين تعذر عليهم التوصل الى اتفاق، من أجل الحيلولة دون نمو بؤرة التوتر والاضطراب في داخلها. غير أنه بسبب عدم التشاور الكافي ما بين بون وباريس وبسبب عدم امتلاكها لمؤسسات سياسية مركزية قوية فلم تتمكن أوروبا من تفادي انفجار يوغسلافيا. لكنها مع ذلك استطاعت على الأقل الاحتفاظ بالبوسنة هرزيغوفينا التي كانت تمثل القلب الرمزي ليوغسلافيا عرقياً وسياسياً ونحن نعرف ما آل اليه ذلك التدخل الذي جاء متأخراً وغير مقنع بعد أربع سنوات من التردد حيث أدت تعليمات غير واضحة الى مقتل أكثر من خمسين جندياً فرنسياً، ماتوا عبثاً تحت الراية الزرقاء للأمم المتحدة، وبذلك استمر حلم صربيا الأرثوذكسية الكبرى يتحقق في الدم والدموع عن طريق سحق الكاثوليك الكروات والمسلمين البوسنياك أو السيطرة العنيفة على اخوة هؤلاء في الدين من الألبان في مونتينغرو. في كوسوفو أما الأميركيون وعلى الرغم من ارادتهم الراسخة في الاحتفاظ بهيمنتهم في أوروبا كما في باقي العالم فقد اعتقدوا طويلاً بأن المأساة البوسنية لم تكن تشكل تهديداً حقيقياً لهذه الأخيرة. ولذلك فلم يرغبوا في ارسال جنودهم لكي يموتوا في سراييفو ولا في أن يورطوا حلف الناتو الذي يسيطرون عليه خارج حدود بعض الهجمات الجوية الرمزية التي غالباً ما كان يصعب عليهم القيام بها دون تعريض الجنود الأوروبيين المتمركزين بالقرب من مواقع الصراع للخطر. ثم وتحت ضغوط أغلبية الجمهوريين في الكونغرس التي لجأت الى المزايدة على الرئيس كلينتون الذي كان يتهيأ لفترة رئاسية ثانية لم يجد هذا الأخير بداً من أن يغير رأيه. وقد وجد البنتاغون في ذلك فرصة ذهبية لأن يثبت لكل الذين صاروا في أوروبا يشككون في فعالية قوات الناتو بعد انتهاء الحرب الباردة بأنهم مخطئون وبأنه من الحكمة في هذه الظروف الغامضة أن يقبلوا باستمرار الهيمنة العسكرية الأميركية على قارتهم. وعندئذ فقط قرّر البيت الأبيض مساعدة الكروات أولاً والمسلمين ثانياً على أن يقوموا بأنفسهم باستعادة جزء كبير من أراضيهم الضائعة من أجل دفع الصرب بالقوة الى طاولة المفاوضات ثم أخيراً ارغام الأطراف الثلاثة المتحاربة على قبول اقتسام وطنها المشترك القديم ـ دون اقحام القوات الأميركية على الأرض مباشرة ولا سيما في المراحل الأولى الأكثر حساسية أي مراحل استعادة الأراضي. في شهر مارس 1994 وقع الرئيسان توجمان وعزت بيغوفيتش في واشنطن على اتفاق يقضي بانشاء اتحادية كرواتية اسلامية مؤهلة لأن تصبح مستقبلاً بعد استعادتها، أهم جزء ممكن من البوسنة القادمة بينما يترك الجزء الآخر للصرب، على أن يظل الكيانان حرّين في أن يشكلا كونفيدرالية في المستقبل، الواحد مع كرواتيا (باستثناء جزئه المسلم الذي قد يصبح معزولاً) والآخر مع صربيا. لم يذكر ذلك صراحة في الاتفاق لكنه كان يبدو أمراً بديهياً في ذهن الموقعين عليه وفي منطق كفيلتهما الولايات المتحدة. والواقع أن هذا الاتفاق قد تضمن أهم ما احتوته الاتفاقات التي أبرمت بعد مرور خمسة عشر شهراً في جنيف في 8 سبتمبر 1995. بعد أن تم التفاوض قي شأنها في دايتون ما بين يوغسلافيا (صربيا ومونتينغرو) وكرواتيا والبوسنة (المسلمون) بفضل المساعي الحميدة للسفير الأميركي المتنقل ريشارد هولبروك: انتقال السكان في كل الاتجاهات، تطبيق منطق التجمع العرقي والتطهير العرقي تطبيقاً كاملاً. في غضون ذلك استعاد البوسنيون الكروات الذين تمكنت قواتهم المسلحة في كتمان وحذر وفعالية من استعادة أنفاسها بفضل الأميركيين، جزءاً مهماً من الأراضي التي استولى عليها الصرب (سلوفينيا الغربية في مايو 1995) وخراجينا في بداية أغسطس، ونصف البوسنة الوسطى) بينما أنهى طيران الناتو ذلك العمل في بداية سبتمبر، ونتج عن ذلك أن وجدت البوسنة نفسها مقسمة الى ثلاث قطع كما كان متوقعاً منذ بعض الوقت ضمن مقترحات أهم الدول الأجنبية المعنية بالأزمة (الفرنسيون، الألمان، الانجليز، الأميركيون والروس): حوالي 49% من هذه الاراضي للبوسنيين الصرب و51% («الحلفاء البوسنيين الكروات والبوسنيين المسلمين»، ولم تبق سوى منطقة غورازد المسلمة المحاصرة في الجزء الصربي وبعض المناطق الكرواتية المحاصرة في الجزء المسلم). والى جانب ذلك تم الوصول الى اتفاق ما بين بلغراد وزغرب لحل المسألة المتعلقة بمصير سلوفينيا الشرقية بينما فك الخناق الصربي المفروض حول سراييفو التي ظلت في بعضها مسلمة، وفي الخامس من أكتوبر أعلن الرئيس كلينتون عن وقف وشيك لاطلاق النار مؤكداً أن هذا الاجراء سوف تكفله قوات الناتو التي تضمنت هذه المرة قوات أميركية تحت اشراف الأمم المتحدة، أما الاتفاق النهائي فقد أبرم في باريس في نفس الشهر. وفي ذلك كانت بعض المواساة للأوروبيين الذين طلب منهم تمويل أهم مشاريع اعادة بناء البلاد. وفي هذه الأثناء ما فتئ سلوك اليونان يزداد لامسئولية فقد باتت تلعب منهجياً بانتمائها الى الاتحاد الأوروبي لتصفية حساباتها مع جيرانها أو على العكس ولنفس الهدف للاهتمام بالواجبات التي يفرضها الاتحاد عليها كلما رأت في ذلك ما يخدم مصالحها. فمنذ الحرب العالمية الثانية وعلى مدى الحرب الباردة التي انضمت اليونان وتركيا خلالها الى حلف الناتو تحت ضغوط الأميركيتين اتسمت سياسة أثينا الخارجية تجاه أنقره حتى رحيل باباندريو بسلوك من الفشل المستمر لأسباب تغوص جذورها في عداء قديم ما بين الشعبين وتغذيها اليوم أحلام قومية يرعاها في اليونان اليوم رجال الدين الأرثوذكس يحمسهم قادة سياسيون ديماغوجيون. لقد كانت المرحلة الحاسمة في علاقات أثينا وأنقرة خلال الخمسين سنة الأخيرة في العام 1974 حين احتلال جنوب قبرص على يد الجيش التركي والذي أحدثت الاطاحة بالأسقف ماكاريوس المتمسك العنيد باستقلال بلاده والمدعوم بعدد من العسكريين المؤيدين لربط قبرص بـ «يونان العقداء». ومنذ ذلك التاريخ لا تزال الجزيرة مقسمة الى قسمين بما في ذلك عاصمتهما نيقوسيا، ولا أحد يعرف مصير هذا التقسيم. ورداً على المناورات الاغريقية الساعية الى ضمن الجزيرة «بكاملها» الى الاتحاد الأوروبي مع الاحتفاظ في نفس الوقت بالباب مغلقة في وجه تركيا، حاول القادة الأتراك الاستجابة لطلبات نظرائهم في «الجمهورية التركية شمال قبرص الراغبين في ضم دولتهم التي لم يعترف بها المجتمع الدولي الى الوطن الأم. وبالمثل يبدو وأن ارادة أثينا القوية في توسيع المياه الاقليمية لجزر بحر ايجه الى الحدود المباشرة لهضبة الأناضول والحصول على حقوق شبه كاملة في الصعيد وفي التنقيب البترولي ارادة لن تخيب. ختاماً لا بد من أن نضيف الى كل هذا ذلك الجهد الهائل الذي بذلته اليونان في التسلح ولا يتناسب في حجمه وأهميته مع الوضع الاقتصادي للبلاد والذي قد لا يستعمل في النهاية ضد الأتراك الأقوى من أن تفكر اليونان في ضربهم، ولذلك فليس مستبعداً أن يفضي هذا التسلح في لحظة طيش الى شن هجوم على مقدونيا وألبانيا البلدين الأكثر ضعفاً وهشاشة في البلقان. وهذا الأمر بالذات هو ما كانت معظم العواصم الأجنبية تخشاه حتى عهد قريب. في مقدونيا ليست جمهورية مقدونيا اليوغسلافية السابقة التي نالت استقلالها في ديسمبر 1991 سوى بلد صغير لا تزيد مساحته على 25713 كم2 وسكانه عن المليونين نسمة، وقد كانت واحدة من دول الاتحاد الفيدرالي الأكثر فقراً في يوغسلافيا السابقة. وقد ورثت نحو ثلث مساحة مقدونيا القديمة، أي مقدونيا الشمالية أو «مقدونيا فاردار» لكن هذا البلد رغم صغره يقع في وسط كبرى طرق الاتصالات البلقانية (الطريق الرابط من الشمال الى الجنوب ما بين مورافا وفردار هو الطريق السالك الوحيد ما بين الدانوب وبحر ايجة، بينما يشكل طريق «فيادي فالير» القديم الذي كان يربط قديماً ما بين روما ومقاطعاتها الشرقية فإنه يمثل اليوم الطريق الوحيد الكبير الرابط ما بين بحر ايجه وبحر الأدرياتيك). فلا غرابة اذا كان جيرانها الثلاثة «الكبار» صربيا وبلغاريا واليونان والتي يمكن أن نضيف اليها ألبانيا أيضاً تحلم جميعاً ولو في السر بتقسيمها أو حتى بالاستيلاء عليها، الأمر الذي يهدد بنشوب نزاع قد لا تقل عواقبه عن نزاع البوسنة هيرزيغوفينا. لكن كل هؤلاء الجيران الذين تشغلهم هموم أخرى عديدة لم يحركوا ساكناً أمام هذا الكيان الجديد ذي السيادة باستثناء اليونان الذي لا يتحدث عن هذا الأخير الا وسمّاه «جمهورية سكوبي» (نسبة الى العاصمة). لقد كان اليونانيون الذين أصابتهم الحمى الحضارية لاقتناعهم بأن هذه البلاد الهشة تغذي أطماعاً توسعية في مقاطعتهم الحاملة لنفس الاسم، يرغبون بالفعل في الانفراد باسم مقدونيا دون غيرهم، وهم من ناحية أخرى يؤاخذون السكوبجيين (نسبة الى سكوبجي) لأنهم وضعوا على علمهم صورة الشمس بستة عشر فرعاً لفرجينا (مدينة في شمال اليونان اكتشف فيها قبل بضع سنوات ضريح فيليب الثاني والد الاسكندر الأكبر) وهو الذي كان بالفعل شعاراً للعائلة الحاكمة المقدونية العتيقة. انه أمر يحمل على الضحك بالفعل لكن كل القادة السياسيين في أثينا وجدوا في ذلك السخط وسيلة للمزايدة الديماغوجية. لقد قبلت الدولة الجديدة هذه في الأمم المتحدة (مؤقتاً وفي انتظار اتفاق أساسي تحت اسم «فيروم»، وتم الاعتراف بها من قبل ألبانيا وبلغاريا وتركيا ولا سيما من معظم البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ومنها فرنسا وألمانيا وبريطانيا العظمى وكذلك روسيا والولايات المتحدة). لكن اليونان بانتقالها من التهديد الى الفعل بغرض خنق جارتها الشمالية اقتصادياً واحداث انهيارها السياسي لم تتردد في غلق ميناء سالونيكا في وجه البضائع المتجهة نحو مقدونيا أو القادمة منها وهي لا تدرك أنها بذلك تضر نفسها أولاً قبل أن تضر غيرها. ومنذ ذلك الوقت هدأت التوترات بعض الشيء. فعند نهاية 1995 أبدى المقدونيون بعض الحكمة وقبلوا باجراء تعديل رمزي على رايتهم الوطنية وأعاد الاغريق فتح ميناء سالونيكا مع جيرانهم. وقد حدثت في الفترة نفسها اجراءات تهدئة متبادلة في الخلاف القائم ما بين اليونان وألبانيا. وفي خضم هذه التطورات وتحت ضغوط شركائها في الاتحاد الأوروبي سحبت أثينا من ناحية أخرى الفيتو الذي فرضته على توقيع اتفاق الاتحاد الجمركي مع تركيا ودخوله حيز التنفيذ، ضد وعد بروكسل ببذل جهود جادة في محاولة ايجاد حل نهائي للقضية القبرصية. ومما لا شك فيه أن نهاية هذا الملف ليست وشيكة لا سيما وأن موقف الاتحاد الأوروبي ـ الذي يهدد بقبول انضمام الجزء اليوناني وحده من قبرص الى حظيرته، وبدفع الجزء التركي للجزيرة الى الاندماج نهائياً في «الوطن الأم» الذي يعاني «الاقصاء» في بروكسل ـ موقف لم يتسم بالقدر الكافي من الحكمة والذكاء. ينتظر الكثير من خلف باباندريو على رأس الحكومة اليونانية، السيد كوستاس سيميتين المناصر للقوى لوحدة أوروبا الذي يبدو مصمماً على قلب صفحة الديماغوجيا الانتحارية لسلفه غير أنه من البديهي أن مهمة سيميتين لا تخلو من عقبات ولا سيما في داخل تشكيلته الحزبية ذاتها أي البازوك، ويخشى أن تعترض طريقه عقبات مفاجئة أخرى قد لا يحمد عقباها في هذا الجزء الجنوبي من البؤرة البلقانية القابلة للانفجار ما بين لحظة وأخرى. في بداية شهر نوفمبر 1997 لمع بريق من الأمل دام ثماني وأربعين ساعة في هيراكليون بجزيرة كريت التي اجتمع فيها رؤساء دول وحكومات ألبانيا وبلغاريا واليونان ومقدونيا ورومانيا وتركيا ويوغسلافيا حيث ناقشوا لأول مرة مجتمعين وبكثير من الصراحة والوضوح قضايا مستقبلهم المشتركة. وفي هذا الوقت بالذات كان ريتشارد هولبروك الذي رعى الولادة العسيرة لاتفاقيات دايتون حول البوسنة والذي أصبح منذ ذلك الوقت «الوسيط الأميركي» المكلف باعادة دفع المفاوضات في قبرص، يجول في المنطقة ويتحسس أخبارها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات