الاربعاء 28 صفر 1424 هـ الموافق 30 ابريل 2003 تضمنت الشهور السبعة الاخيرة ستة أشهر من الفشل الدبلوماسي وشهرا من النجاح العسكري وجاءت الايام الاولى التي اعقبت النصر العسكري لتشير الى عودة حالة الفشل الدبلوماسي مرة اخرى لتهدد بابطال التأشيرات الناجمة عن النصر العسكري. فقد جاء خطاب الرئيس الاميركي جورج بوش امام الجمعية العامة للامم المتحدة في 12 سبتمبر 2002 لتمثل الذروة الدبلوماسية للجهود الاميركية وفي هذا الخطاب تم التوضيح بشكل مؤكد ان الامر يقع على عاتق الامم المتحدة. فالرئيس العراقي قد خرق قرارات الامم المتحدة لمدة 12 عاما وكانت الامم المتحدة هي الجهة الواقعة تحت الاختبار لانه كان من الواضح ان نظام صدام حسين قد فشل، وكما قال الرئيس الاميركي فان الاوان قد آن لان «نختار بين عالم من الخوف وعالم من التقدم». وقد اخذت وزارة الخارجية الاميركية موقف بوش القوى، وتفاوضت على اساس التوصل الى قرار ينتقل بعمل المفتشين من مرحلة التحقق الى مرحلة التفتيش وقد تم هذا الشيء في ضوء السياسات الداخلية لوزارة الخارجية لان عمليات التحقق من وجود الاسلحة كانت ستضع نظام عمل المفتشين وسياستهم في ايدى اناس لا يتفقون مع رغبة ونزعة مكتب شئون الشرق الأدنى لتهدئة الامور مع الحكام الدكتاتوريين ودعم الانظمة الفاسدة. وقبلت بعد ذلك وزارة الخارجية بهانز بليكس رئيسا لفرق التفتيش، على الرغم من كونه معارضا بشكل واضح للحرب ومصمما على كسب الوقت وايجاد اعذار لصدام وقبلت وزارة الخارجية بعد ذلك رفض بليكس لاعادة اي من المفتشين السابقين الذين لديهم خبرة بالوضع وبذلك انتقلت العملية من التحقق من الانصياع العراقي للقرارات وهي الحالة التي يقع فيها العبء على صدام والعراق، وهو الامر الذي فشل فيه العراق بشكل واضح، الى مواصلة عمليات التفتيش التي يقع فيها العبء على عاتق الولايات المتحدة. لقد تدنى الحال بوزارة الخارجية الاميركية وانتقلت من مرحلة الاختيار بين عالمين حسب تعبير بوش الى الانغماس في لعبة مظلمة تحول لاعبوها الى مخادعين وتكدست فيها القواعد والاجراءات امام الولايات المتحدة. فلقد فشل برنامج الاتصالات الذي اجرته الوزارة خلال هذه الاشهر الخمسة الى درجة ان 95% من الاتراك عارضوا الموقف الاميركي، وهذا الفشل يندرج تحت النمط نفسه من الخطأ في الاتصالات الذي تسبب في ان يعتبر شعب كوريا الجنوبية الولايات المتحدة الاميركية تمثل خطرا اكبر من الخطر الذي تمثله كوريا الشمالية وتسبب في ان يجعل الغالبية العظمى من مواطني فرنسا والمانيا يفضلون السياسات التي تعارض الموقف الاميركي. وفي الوقت الذي ظلت وزارة الخارجية غير فعالة وغير مترابطة، قام الفرنسيون بشن حملة عالمية تهدف الى تقويض الموقف الاميركي وجعل ازاحة نظام صدام حسين امرا صعبا للغاية وتضمنت هذه الحملة العمل على لي ذراع الاتراك لافشال اصدار قرار تركي يمنح اميركا الحق في استخدام الاراضي التركية كجبهة شمالية في الحرب ضد العراق والتأثير على الدول الاعضاء الاخرى في مجلس الامن من اجل معارضة اصدار قرار ثان يمنح اميركا حق شن الحرب. على الرغم من تلك الحملة البائسة التي شنتها وزارة الخارجية بشكل يثير الشفقة، فقد فشلت الوزارة على نحو صريح في الحصول حتى على اغلبية تقترع لصالح اصدار قرار ثان من مجلس الامن، فقد اضحى امر معارضة اميركا ومعارضة عالم من التقدم بطريقة أو بأخرى عملية اقل جاذبية وأكثر صعوبة من عملية مساعدة اميركا على التخلص من الخوف من نظام صدام الشرير. ولحسن الحظ استطاعت البنتاغون ان تتغلب على عملية الفشل في استخدام الاراضي التركية وفقدان دعم الرأي العام في اوروبا والشرق الاوسط، وحولت هذه السلبيات الى نصر مذهل بالعمل مع القوات البريطانية المتحالفة، وعن طريق الدعم والتأييد الذي حصلت عليه القيادة المركزية الاميركية ووزارة الدفاع من دول الخليج، ولو كان قد حدث وفشلت القيادة المركزية الاميركية ووزارة الدفاع من دول الخليج، ولو كان قد حدث وفشلت القيادة المركزية ووزارة الدفاع دبلوماسياً فيما فشلت فيه وزارة الخارجية «التي من المفترض ان تكون مسئولة عن الجهد الدبلوماسي» لما كان هناك دعم كويتي او سعودي من خلال القواعد الجوية او سماح اردني بمرور القوات الخاصة عبر اراضيها. لقد انقذت القيادة العسكرية الامر دبلوماسياً ثم نجحت عسكريا في حملة مذهلة استمرت شهراً. والآن عادت وزارة الخارجية لمسرح الاحداث، لتواصل سياسات سوف تؤدي، كما هو واضح، الى خسارة المكاسب التي تحققت على يد الانتصار الاخير. أولاً: تعتبر فكرة زيارة وزير الخارجية الاميركي لدمشق للقاء الرئيس السوري امراً سخيفاً فلقد اتاحت القيادة العسكرية الاميركية فرصة ممارسة ضغوط اقتصادية ودبلوماسية وسياسية حقيقية على سوريا. فالنظام السوري الحالي يأوي حالياً وبشكل علني سبعة مكاتب لمنظمات فلسطينية وسط العاصمة دمشق، جميع عناوينها معروفة للكافة، ولاتزال القيادة السورية تطور اسلحة دمار شامل كيميائية ولن تسمح باجراء عمليات تفتيش، كما ان قواتها لاتزال ترابط في لبنان وهو الامر الذي يضر بالسلام في المنطقة، كما انها لاتزال تنقل أسلحة لدعم حزب الله في جنوب لبنان، حيث يوجد اكثر من 11 ألف صاروخ يستهدف اسرائيل. ان هذا هو الوقت الذي يتعين على اميركا فيه ان تطالب بأحداث تغييرات في دمشق قبل ان يتم التفكير في موضوع الزيارة التي يجب ان تأتي كمكافأة لما يحدث من تغيير وليس كدعوة وتوسل الى نظام ضعيف يائس اقتصاديا. ثانيا: يناقض عزم وزارة الخارجية على الدخول في مفاوضات رباعية مع كل من روسيا وفرنسا والامم المتحدة بشأن الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، جميع ما تعلمته اميركا عن هذه الاطراف الثلاثة. فبعد الدروس القاسية التي حملتها الأشهر الخمسة الأخيرة، لا يمكن تخيل ان الولايات التحدة سوف تقبل طواعية نظاماً تتفوق فيه الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا على الرئيس بوش في حجم الاصوات بمقدار 3:1 (أو حتى 4: 1 في حال ان تتمسك وزارة الخارجية بمعتقداتها الثقافية ضد سياسات الرئيس).إن هذا العمل منظم ومتعمد يهدف الى تقويض سياسات الرئيس بشكل اجرائي معين يضمن ان هذه السياسات سيتم تشويهها وتخفيفها واخراجها من مضمونها عن طريق ضغط الاعضاء الثلاثة الباقين في المفاوضات. ان هذا الأمر بصورته تلك يعتبر اسوأ من عملية التفتيش التي قادتها الأمم المتحدة على العراق، ويعني كارثة واضحة ترتكبها الدبلوماسية الأميركية. ثالثا: ان هؤلاء الذين ارسلتهم وزارة الخارجية حتى الآن للعراق يمثلون أسوأ نوايا مكتب شئون الشرق الأدنى. فهؤلاء نموا وترعرعوا في احضان ثقافة تدعم الديكتاتوريين وتحتضن الفاسدين وهؤلاء يملكون دعم دائرة من حكومات الشرق الأوسط تعارض بشدة قيام ديمقراطية من العراق. وهدف هؤلاء هو ايجاد حكومة عراقية ضعيفة لا تهدد الحكام في الدول المجاورة الذين لأميركا تحفظات عليهم، ويتناقض هذا الأمر كلية مع اهداف الرئيس المعلنة. رابعاً: ان هذا الاعلان الذي يفيد بأن احد المسئولين من وكالة التنمية الدولية سوف يعمل على المساعدة في عملية اعادة اعمار العراق يعد علامة اخرى على ان أياً من دروس الفترة الماضية قد تم تعلمه. فحتى اسبوعين ماضيين لم يكن قد تم رصف ميل واحد من الطرق في افغانستان. وجاء هذا الفشل ليكون بمثابة نتيجة مباشرة لمنع وزارة الخارجية الأميركية فيلق المهندسين في الجيش الأميركي من المشاركة بشكل مباشر من عملية اعادة الاعمار هناك. وليس هناك سبب للاعتقاد بأن وكالة التنمية الدولية ستؤدي في العراق بشكل أفضل من افغانستان وما احدثته من كوارث هناك. وكما قال احد مسئولي الوكالة في مقابلة صحافية مع صحيفة «واشنطن بوست» فإن الافغان في حاجة لان يفهموا الطبيعة البيروقراطية للوكالة ولا يفقدوا صبرهم.. ان هذا لهو الاتجاه الخاطيء بعينه، والذي بدوره يفسر لماذا يجب احداث تغيير في وزارة الخارجية والتخلص نهائياً من وكالة التنمية الدولية. وتضطر ادارة بوش امام هذا الفشل المتواصل في التعامل مع الحقائق الجديدة الى ان تتعامل مع عملية تغيير وزارة الخارجية على أنها مهمتها الملحة المقبلة. فلقد دعا الرئيس إلى تغيير وزارة الدفاع في خطاب في عام 1999 بالقول بأنه يجب «الحفاظ على السلام عن طريق اعادة تحديد مفهوم الحرب بناء على شروطنا». وعمل وزير الدفاع رامسفيلد على تنفيذ خطة الرئيس، ونجاحه يمكن يُرى بسهولة في افغانستان والعراق. ودعا الرئيس الى اعادة تنظيم امن الوطن عام 2002 وبدأ الوزير ريدج في القيام بهذه الوظيفة الصعبة ولكنها الحيوية من اجل صالح الوطن. وآن الآوان الان لكي يدعو الرئيس لاحداث اصلاح على نمط قانون غولدووتر ـ نيكولس من اجل اجراء تغيير جذري في وزارة الخارجية واعادة تحديد مفهوم السلام بشروطنا. فأميركا لا يمكن لها ان تقود العالم بأدوات دبلوماسية مكسورة. ولا يمكنها كذلك أن تقود في عالم من الديمقراطية وعالم من القنوات التلفزيونية التي تبث برامجها طوال الاربع والعشرين ساعة، وهي تملك ادوات اتصالات دولية غير فعالة. ولا يمكن لأميركا كذلك تطوير عالم نابض من التقدم والازدهار التجاري والصناعي تنعم فيه الدول بالأمان والرخاء والحرية وهي تعاني من البيروقراطية والعقبات الادارية. ينبغي على لجان الكونغرس الخاصة بالعلاقات الدولية ان تعقد جلسات مكثفة من أجل بحث المتطلبات الدبلوماسية لمفهوم القيادة في القرن الواحد والعشرين. وعلى هذه اللجان دراسة ما تحتاجه بلدان العالم من اجل ان تنعم بالامان والصحة والرخاء والحرية. وينبغي للرئيس ان يعين مجموعة عمل صغيرة تقوم بتقديم تقرير خلال ستة أشهر في هذا الصدد، وينبغي له كذلك ان يستعد لتقديم اقتراحات بشأن احداث تحول في العناصر الدبلوماسية وادوات الاتصال في البلاد.ومن دون احداث تغيير جريء وجذري في وزارة الخارجية، ستجد الولايات المتحدة نفسها قريباً في الموقف المدافع على جميع الاصعدة سوى الصعيد العسكري. وعلى المدى البعيد فإن هذا الموقف سيكون من المخطر ان تتواجد عليه الدولة الديمقراطية الرئيسية في العالم. وبالفعل سيكون هذا الموقف غير آمن على المدى البعيد.فقدرتنا على القيادة تعتمد على الدبلوماسية ومساعدة الآخرين أكثر من اعتمادها على الجيش. فشعوب العالم دائماً تعجب بنا أكثر مما تخشانا. وانهيار وزارة الخارجية كأداة اتصال فعالة يعرض موقفنا هذا للخطر. ولذا فإنه علينا أن نتعلم من دروس التغيير التي انطوت عليها الأشهر الستة الماضية ونطبقها من أجل ايجاد وزارة خارجية أكثر فعالية. بقلم: نيوت جينجريتش _ ترجمة: حاتم حسين «أميركان انتربرايز»