الاربعاء 28 صفر 1424 هـ الموافق 30 ابريل 2003 كانت جهود الحكومة البريطانية اليائسة للعثور على بديل دبلوماسي للحرب على العراق عملاً مخفقاً، نتيجة حساباتها الخاطئة وتفاقم التوترات الدولية. وبعد الحديث الى لاعبين رئيسيين في صلب هذا المشروع البريطاني تحاول صحيفة «الجارديان» تجميع اجزاء الصورة معاً لرسم الملامح العامة الشاملة للطريق الذي افضى بتوني بلير رئيس الوزراء البريطاني للحرب، التي هددت زعامته على الرغم من انه حصل عليها عقب فوزين انتخابيين ساحقين تاريخيين. الطريق الذي افضى ببلير الى الحرب كان طويلاً فالحرب التي انتهت بالقضاء على حكومة الرئيس العراقي صدام حسين سبقتها محاولات بريطانية دبلوماسية هائلة للعثور على بديل سلمي لها، كان جهداً حافلاً بأخطاء اكبر في الحسابات. وكشف عن التوترات المغطاة في التحالف على جانبي الأطلسي فيما كانت بريطانيا تحاول جاهدة ممارسة نفوذ على ادارة اميركية غارقة غالباً في حروب ايديولوجية وشخصية. الحركة المناهضة للحرب التي استطاعت كسب تأييد شعبي في الشارع اكثر من اي حملة سياسية اخرى في التاريخ البريطاني، كانت دوماً تسم الحكومة البريطانية بأنها «كلب واشنطن» غير ان اولئك الذين كانوا موجودين في قلب العمل الدبلوماسي وصناعة القرار يرسمون صورة اكثر تعقيداً، ويكشف هذا التقرير الذي جرى اعداده من خلال لقاءات مع من لعبوا دوراً حاسماً في المسعى اليائس لبناء تحالف دولي ضد العراق، يكشف عن محاولة بريطانيا اللاهثة للعب دور الوسيط المستقل بين واشنطن من جانب والثلاثي المعارض للحرب ـ فرنسا والمانيا وروسيا ـ من جانب آخر وفي النهاية فشلت بريطانيا. صباح السبت 7 سبتمبر 2002، تمشى جورج بوش وتوني بلير بين الاشجار في المنتجع الرئاسي الاميركي في كامب ديفيد وفيما كان الاثنان معاً اخذ بوش يتذكر قائلاً لبلير انه ومستشاريه للسياسة الخارجية كانوا قبل سنة بالتمام يناقشون مسألة العراق وقال بوش ان الخطط حينها كانت تدور حول تشديد العقوبات ضد العراق فالحرب لم تكن يومها على جدول اعماله، كما هي عليه ذلك اليوم وبلير ايضاً اعتقد يومها ان الوقت قد تغير فقد قال لبوش انه في تلك الايام كان يرى نفسه على انه هو من يمارس الضغوط ضد العراق فتبعاً لوجهة نظر بلير التي اخذ يعبر عنها في خطاباته منذ عام 1999، فإن التدخل الخارجي ضد صدام حسين يتوافق مع التدخل الذي حصل ضد سلوبودان ميلوسيفيتش في كوسوفو غير ان 11 سبتمبر 2001 اتي ليغير كل شيء وقد اتفق الزعيمان حينها ان رؤية اميركا للعالم قد تغيرت.في 11 سبتمبر 2001 كان بلير وثلة من كبار مساعديه مجتمعين لكتابة الخطاب الذي سيلقيه امام المؤتمر العام لنقابات العمال في برايتون، حينما تغير العالم، ودخلت عليهم سكرتيرة لتقول: «اعتقد ان من الافضل ان تتوقفوا عن الكتابة وتتابعوا التلفزيون». في تلك المرحلة، كان دافع بلير الاول هو التضامن مع الولايات المتحدة، اما الثاني فهو حثها على بناء تحالف دولي ضد القاعدة وطالبان وقال للرئيس بوش في حديث هاتفي: لا تضرب خبط عشواء لاتقسم عالماً يقف موحداً وراءك: «ويقول السفير البريطاني في واشنطن حينها كريستوفر ماير ان بلير كان يعمل لدفع ادارة بوش بعيداً عن غزو العراق فقد جادلها بالقول انه ليست هناك ادلة استخبارية معقولة للاشارة الى علاقة بين القاعدة الاصولية المتشددة، وحكومة صدام الشمولية القومية. غير ان ماير كان واضحاً منذ البداية في رسائله الى لندن بأن العراق ليس خارج القائمة الاميركية فقد اخبر بلير مراراً ذلك الخريف ان الادارة الاميركية تتعرض لضغوط داخلية متزايدة من جانب البنتاغون تحديداً لتحويل مدافعها نحو العراق بعد افغانستان وقد كان ماير محقاً حيث اتضح اخيراً ان العراق هو الهدف التالي بطريقة او بأخرى بعد تسمية بوش له ضمن محور الشر في يناير 2002. يقول جاك سترو وزير الخارجية: «اصبح حكم الاعدام واضحاً حينها». كما قدم بلير ما كان، بأثر رجعي الآن، تقديراً مفرطاً في التفاؤل لقوة العلاقة الاميركية الاوروبية وحينها قال: «انسوا ما يقال عن المشاعر المعادية لاميركا في اوروبا نعم، اذا ما دعوتم لمظاهرة فستحصلون على الشعارات والشتائم غير ان الناس يعرفون ان اوروبا تحتاج لاميركا، وان اعتقد ان اميركا تحتاج لاوروبا ايضاً». غير ان مشاعر القلق المكتومة كانت تنتشر في الدوائر الضيقة في اعلى الهرم الحكومي البريطاني حينها من الطريقة التي يتطور فيها السجال السياسي في اميركا ولهذا سافر ديفيد ماننغ مستشار بلير للسياسة الخارجية الى واشنطن ليقف على ما تفكر به اميركا من كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي المتشددة للرئيس بوش. وفي غضون ذلك كان جاك سترو وزير الخارجية عازماً على منع اي صدع اوروبي اميركي فخلال اجازته الصيفية تحدث مرتين لوزير الخارجية الاميركي الحمائمي كولن باول بخصوص الخطاب السياسي الاميركي الآخذ بالرعونة على نحو متزايد وكان سترو يعلم ان باول سيجتمع مع بوش بهدف اخباره صراحة بمخاوفه من هجوم انفرادي على العراق وقد اخبره سترو بالموقف البريطاني ليخبر بوش به بدوره وبعد الاجتماع قال باول لسترو ان الهجوم على العراق ليس وشيكاً وان الادارة الاميركية لم تقرر بعد تجاهل محاولة اعادة المفتشين للعراق. ومع تزايد الجدال حول ما اذا كانت واشنطن ستمضي الى مجلس الامن، زار بلير كامب ديفيد في 7 سبتمبر وحين وصوله بدا الامر وكأن بوش قد قرر اخذ جانب باول وسلوك طريق الامم المتحدة واعادة المفتشين الذين سحبوا من العراق قبل اربع سنوات لكن ضمن جدول زمني ضيق واعتبر بلير وفريقه ان ما فعلوه في كامب ديفيد كان نجاحاً عظيماً، وان المهمة الرئيسية الباقية هي اقناع نائب الرئيس ديك تشيني الذي كان قد قلل من شأن الامم المتحدة قبل شهر في اخذ هذا الصف واعتقد بلير ايضاً ان الاميركيين اخذوا طريقاً سيؤدي الى تجنب الحرب لو قرر صدام حسين التعاون. لكن لا شيء يمكن ضمانه في واشنطن حتى اللحظة الاخيرة وعن ذلك تقول سالي مورغان كبيرة المساعدين السياسيين لبلير: «حتى لو اخذ الرئيس قراراً، فإن المحافظين الجدد سيحاولون جره الى موقفهم كان على باول ان يعمل دوماً على ابعاد هؤلاء الجرذان وقبل ساعة من موعد خطاب بوش امام الجمعية العامة في الامم المتحدة في 12 سبتمبر 2002 كنت ما ازال غير متيقنة من مدى التزام بوش بالنص الذي اتفق عليه في كامب ديفيد. كانت الساعات التي سبقت خطاب بوش اختباراً لزعم محوري في تاريخ السياسة الخارجية البريطانية منذ عام 1945 وهو العلاقة الخاصة والنفوذ الخاص لبريطانيا في واشنطن. يقول جيرمي غرينستون السفير البريطاني لدى الامم المتحدة: «رغم اننا لم نتمكن من الاطلاع على نص الخطاب، فقد كنا نحاول حتى اليوم الاخير ضمان الالتزام بطريق الامم المتحدة». اما جاك سترو فيقول: «كان هدفنا هو ان تكون معادلاً لوزارة خارجية داخل الحكومة الاميركية، اي ان نشارك في السجال، الشرط المسبق لهذا هو ان يكون لدينا شخصية نافذة داخل تلك الادارة تتوافق مع الموقف البريطاني». في 12 سبتمبر القى بوش خطابه. كان ذلك انتصاراً للندن ـ لكنه اوشك على ان يكون كارثة. ففيما كان الرئيس يتحدث، سقطت الاشارة بالغة الاهمية لتبني سبيل الامم المتحدة، وكان ذلك لخطأ في الشاشة الالكترونية امامه، كانت ردة فعل الرئيس ممتازة لكنها منقوصة. فقد لاحظ الخطأ ومن دون ان يرتبك عبر عن هذا الالتزام ارتجالاً. لكنه ارتكب خطأ وهو يفعل ذلك. اذ لم يقتصر قوله على الحاجة لقرار دولي جديد يفرض عودة مفتشي الاسلحة فحسب، بل اشار الى «قرارات جديدة». واستخدامه هذا لصيغة الجمع تبين لاحقاً ان له تبعات كبيرة مع احتدام الحملة الدبلوماسية. احدى النتائج المباشرة كانت اسراع وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دوفيلبان للقول خلال اجتماع مع نظرائه في نيويورك اليوم التالي انه لابد من صدور قرارين: الاول لارسال المفتشين والثاني للتخويل بعمل عسكري. واضاف ان الفرنسيين لن يصوتوا لصالح القرار الثاني الا بعد اعطاء العراق فرصة للانصياع للقرار الاول ورفضه بعد ذلك. وكان هم فرنسا هو الا يتضمن القرار الاول اي اشارة لاعطاء الولايات المتحدة الحرية للجوء الى القوة بشكل اوتوماتيكي. يتذكر سترو اجواء صياغة القرار قائلاً: «واجهنا مفاوضات صعبة جداً مع الاميركيين. فقد كنا بحاجة لشيء نقدمه الى الجمهور البريطاني لا يبدو وكأنه ذريعة للحرب» كان البريطانيون يفضلون طرح صيغة معتدلة للقرار ثم الاصرار عليها، غير ان المتشددين في اميركا فضلوا صيغة في منتهى التشدد ثم تقديم تنازلات فيها شيئاً فشيئاً حتى قبولها. فبعض الصيغ الاميركية الاولية كانت تجعل الشعر يشيب. وعلى سبيل المثال طالب وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ان تقوم قوات اميركية بتوفير الحراسة للمفتشين. واخيراً، كان النص النهائي الذي وافق عليه الجميع يشير الى «كل الوسائل الضرورية»، (وهي اشارة رمزية في الامم المتحدة للعمل العسكري)، لكن مع تأجيل اي عمل حتى تنتهي عملية التفتيش على نحو جلي. كان صيغة كل فعل وكل زمن موضع جدال عنيف عبر الفاكسات والبريد الالكتروني بين دبلوماسيي الدول دائمة العضوية في مجلس الامن. يقول غرينستوك: «لتهدئة المخاوف الفرنسية من تضمن صيغة القرار لأية صواعق تفجير خفية، قلت في احد رسائلي للندن: لماذا لا نقول اننا نقدم للعراق فرصة اخيرة للانصياع وانه فقط حينما يرفض هذه الفرصة يصبح الخرق المادي الاصلي سارياً، وحينها فقط تصبح العواقب الوخيمة قانونية». وقد مضى هذا الاقتراح نحو الاشارة الى ضرورة حدوث مناقشة ثانية ان لم يكن قراراً ثانياً. وعرض سترو الفكرة على باول الذي رد عليه بأنها ربما تكون مقبولة في واشنطن. كما وافق عليها دوفيلبان بعد استشارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك بشأنها. واخيراً اتفق الجميع عليها لكن ظلت هناك نقاط اخرى عالقة حتى 8 نوفمبر يوم الموافقة على قرار مجلس الامن الدولي 1441. يقول غرينستوك: «حتى اللحظة الاخيرة حاول الفرنسيون بضراوة الحصول على التزام من مجلس الامن بأنه سيكون هناك قرار ثان بعد تقديم المفتشين تقويمهم النهائي. غير ان ذلك كان خطاً احمر للأميركيين الرافضين لتقييد انفسهم بقران ثان او بأي شيء يعتمد على ما سيتقدم به المفتشون. من توصيات». وكان القرار النهائي يكتفي فقط بالسماح للمجلس بالانتقاد اذا لم ينصع العراق بالكامل للقرار. والان يعترف المسئولون البريطانيون، سترو ليس بينهم، بأنه كان من الخطأ محاولة ضمان الغموض. فقد ادى لقرار يستطيع كل طرف الزعم بأنه معناه يتطابق مع رأيه يقول مسئول من الحكومة: كان من الافضل لنا لوحاولنا الحصول على نتيجة اوضح بتأييد اقل في المجلس. ويعترف غرينستوك بكثرة النقاط الغامضة. ومن هنا بدأ الصدام الدبلوماسي اللاحق بالتشكل. رغم المعارضة الواسعة للحرب يوم 27 نوفمبر تاريخ عودة المفتشين للعراق، فلم يكون شيء من قبيل معسكر مناهض للحرب. ففرنسا والمانيا وروسيا والصين كانت كلها تعارض عملاً عسكرياً مبكراً. غير ان الدرجة التي كانت كل منها مستعدة للتعبير فيها عن معارضتها كانت مختلفة. كان اوضح عيب في قرار مجلس الامن هو افتقاره لجدول زمني يحكم عمل المفتشين ولهذا اقترح هانز بليكس رئيس فريق المفتشين اعداد «واجبات» يطلب من العراق تنفيذها، وهذه الواجبات يجب اعلانها يوم 27 مارس. لكن واشنطن اعترضت فوراً بدعم بريطاني وطلبت تقريراً مرحلياً يوم 27 يناير. فالدولتان كانتا تريان ان بليكس عامل مهم في ادانة العراق. وفي هذا السياق قال غرينستوك ان من الممكن الحصول على قرار ثان من مجلس الامن اذا ما واجه صدام حسين مواعيد زمنية ضيقة قبل ان يتعرض للحرب. في قمة فرساي بين شيراك والمستشار الالماني غيرهارد شرويدر للاحتفال بالذكرى السنوية الاربعين لمعاهدة فرساي الالمانية الفرنسية اخذ الرفض الفرسي يتطور. فقد اتفق شيراك وشرويدر رسمياً على تشكيل جبهة موحدة من اجل حل سلمي للأزمة. ومعيار اختبار هذه الجبهة هو استعداد الطرفين لمواجهة الاحادية الاميركية. في اواسط يناير، قررت باريس ان تعلن موقفها بطريقة درامية فخلال حديث لدوفيلبان في الأمم المتحدة يوم 21 فبراير قال: «اليوم، لا شيء يبرر التفكير بعمل عسكري». وحينما سئل عما اذا كانت فرنسا مستعدة لاستخدام الفيتو، أضاف: «صدقوني، مبدئياً، سنمضي في هذه الطريقة حتى النهاية».واستشاط باول غضباً. إذ كان قد قابل نظيره الفرنسي الليلة الماضية للوقوف على ما لديه، يقول ماير الذي رأى باول مباشرة بعد مؤتمر دوفيلبان الصحفي ذاك بأنه كان لايزال يبصق على الفرنسيين. الأسوأ من ذلك كان ما فعله رامسفيلد رداً على كلام دوفيلبان حين وصف فرنسا وألمانيا بأنهما «أوروبا القديمة». وهو ما أشعل المعارضة الشعبية الأوروبية والبريطانية للحرب. وفي مجلس العموم البريطاني أخذ الموقف المعارض للحرب يتصلب. وبدأت الشائعات تدور حول استقالات محتملة في الحكومة. وأصبح بلير بأمس الحاجة لقرار دولي ثان صريح في دعوته للحرب من أجل تغطية نفسه في الداخل، ونوقشت المسألة مرارا وأكد بلير كثيراً على ثقته بإمكانية الحصول على القرار الثاني. لكن بعد تأزم الأمور قلل من ثقته هذه بالقول إنه لن يذهب للحرب بدون تخويل دولي إلا إذا كان استخدام الفيتو ضد قرار جديد اعتباطياً. وهذا كان معناه أن الحكومة البريطانية تفضل قرارا دوليا ثانيا لكنها لا تراه ضرورياً. ثم مضى سترو إلى واشنطن يوم 23 فبراير للدفاع عن محاولة الحصول على قرار ثان ومناقشة الموقف الفرنسي الألماني مع باول. واتفق الإثنان على تحريك الرأي العام الأوروبي وراءهما وهذا ما تم تحقيقه جزئيا عبر الرسالة التي وقعها زعماء 10 دول من وسط وشرق أوروبا دعماً للموقف الأميركي بعد أن وقعها ايضا رئيس الوزراء الاسباني خوسيه ماريا أنار واعتبرها شيراك إهانة كبيرة له. وتدعم الموقف الفرنسي الألماني بأخذ روسيا صفهما في الرفض. فطوال المدة السابقة كان بلير قد استثمر كثيرا من الجهد في محاولة لتخويف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وجه الولايات المتحدة، وهذا الموقف الروسي فاجأه جداً. في 31 مايو ذهب بلير إلى كامب ديفيد لمناقشة موعد الحرب والورطة الدبلوماسية. من الناحية الرسمية، أقنع بلير مضيفه بوش في المضي خطوة أخرى في عملية السلام في الشرق الأوسط لكسب الرأي العام العالمي بخصوص العراق. أما من الناحية غير الرسمية، فيقول وزير بريطاني رفيع الشأن: «تعرض توني لتقريع شديد في تلك القمة. وأسمعه الأميركيون كلاماً قاسياً بخصوص الأمم المتحدة». واتفق الجميع على أن الحرب لم يعد على موعدها سوى ستة أسابيع ولازال عليهم أن ينجحوا في كسب الرأي العام. كما اتفقوا على ضرورة أن يقوم باول بخطبة عالية العيار أمام مجلس الأمن والكشف عن وثائق استخبارية تثبت عدم تعاون صدام حسين. ولم يكن من الصعب عليهم دفع الإعلام العالمي لرفع مستوى التوقعات من هذه الخطبة، غير أن هذه التعبئة الإعلامية أعطت الانطباع بأن باول سيقدم لمستمعيه الدليل المادي الذي فشل بليكس ورهطه في العثور عليه طوال الأسابيع السابقة. لكن خطبة باول كانت طويلة وفارغة من أي حقائق ملموسة. وما زاد الأمر سوءاً أن دوفيلبان، الذي اصبح نجم هذا المحفل، كان دوره في الكلام وراءه مباشرة وبدأ هجومه وما ان انتهى حتى علا التصفيق في المجلس في اشارة واضحة على العزلة المؤكدة لأميركا وبريطانيا. حينها قرر بلير اتخاذ طريق الهجوم السياسي فصعد حملته التلفزيونية التي لم تثمر سوى الفشل. ومما زاد الفشل الملف المزعوم الذي قدمته الحكومة على أنه وثائق استخبارية بريطانية تؤكد انتهاكات صدام حسين لحقوق الإنسان وتبين أنه في معظمه ليس سوى نسخة عن رسالة دكتوراه لطالب أميركي تم نسخها من الانترنت كما هي. وأتى تقرير بليكس أمام مجلس الأمن يوم 14 فبراير بعكس ما يشتهي الأميركيون رغم أنه احتوى على بعض ما يستطيعون استخدامه ضد المعارضين. وفي اليوم التالي نزلت مظاهرات مليونية في لندن وغيرها ضد الحرب. واصبحت لندن الآن تكرر تأكيدها على باول ضرورة قرار ثان. بل ان سترو أصبح يضعه أولا بأول بالوضع في البرلمان البريطاني. فقد أصبح مستقبل بلير على محك خطير، ولتحقيق هذا لابد من تسعة اصوات في مجلس الأمن تؤيد القرار مع عدم رفض أي عضو دائم له. أخيراً أتى المسمار الأخير في نعش القرار الثاني بيد الرئيس شيراك الذي قال على التلفزيون الفرنسي يوم 10 مارس: «موقفي هو أنه بغض النظر عن الظروف فإن فرنسا ستصوت ضد القرار لأنها تعتبر أنها حتى هذا المساء ليس هناك أي ارضية لشن حرب لتحقيق الهدف الذي نسعى لتحقيقه وهو نزع سلاح العراق». ولم تفلح مكالمة بلير الهاتفية لشيراك في تغيير موقفه. وهذا ما أثار الذعر في قلبي بلير وسترو الذين كانا لايزالان يحاولان اقناع بوش تأجيل موعد الحرب من 17 مارس الى 28 مارس. يقول أحد الوزراء البريطانيين: «كان اليانكيز (الأميركيون) مستعدون لتأجيل الحرب اذا كان هذا هو ثمن القرار. لكن مع ما قاله شيراك جعل مثل هذا مستحيلاً. وحينها اعترف بيننا بعدم جدوى السعي وراء القرار». وبدأ وزير الدفاع البريطاني ديفيد هون يتصل برامسفيلد محاولاً اقناعه بالتأجيل للحصول على قرار من مجلس العموم يسمح لبلير بالذهاب للحرب. لكن ما انتهى هون من حديثه الهاتفي حتى مضى رامسفيلد الى مؤتمر صحفي ليقول إن أميركا يمكن ان تمضي للحرب دون بريطانيا. كان يحاول ان يساعد بلير في هذا التصريح. لكنه احتاج لحديث اعتذاري من بوش لبلير. وشهد يوم 17 اعلان بريطانيا واميركا آخر المحاولات الدبلوماسية للحصول على قرار دولي جديد لمعرفتهما بحتمية فشلهما. واصبح هم بلير هو الحصول على تخويل من العموم. يقول ديفيد بلانكيت: «وضع بلير زعامته على كفه وهو يمضي للعموم طالباً السماح له بالحرب». وفي المجلس استغل بلير وسترو الورقة الفرنسية للضغط على النواب. وبدأت شيري بلير تهاتف النواب النساء في المجلس حتى قبل عشر دقائق من موعد التصويت وبذل وزير المالية جهوداً مسعورة لاقناعهم. وفي النهاية نجا بلير لكن بثمن باهظ. فمع أن الأمر لم يكن كافيا داخل حزبه لاخراجه من مقر رئيس الحكومة، إلا أنه تسبب بأكبر تمرد في تاريخ حزب العمل الذي انقسم من منتصفه، ليضع بلير مستقبله بيد الأميركيين وقواتهم. ترجمة: جلال الخليل عن «جارديان»