الاربعاء 28 صفر 1424 هـ الموافق 30 ابريل 2003 بعد ربع قرن من العلمانية الخالصة الصارمة ومن اهمال مقصود للتاريخ العثماني والاسلامي لتركيا لحساب التحمس المفرط لأصولها الآسيوية المغولية الأصيلة ذات الطابع الأسطوري في تمثيلها الرسمي، كان لا بد من ان تعود الأمور الى مجراها الطبيعي، وقد بدأت هذه العودة تدريجياً في شكل عودة الى الدين ما فتئت تطفو شيئاً فشيئاً على السطح وفي شكل مطالبة بتسامح ثقافي وديني على الطريقة الغربية كان من الصعب على قادة أنقرة المنخرطين في مسيرة نشر الديمقراطية على الرغم من الكثير من الاهتزازات، انكارها مبدأً وفعلاً. لقد ظل المجتمع التركي يتطور تطوراً عميقاً ولا سيما تحت تأثير نمو ديموغرافي هائل ونمو اقتصادي قوي مع ما يترتب على هاتين الظاهرتين عادة من نتائج الهجرات الريفية الزاحفة، نحو المناطق الحضرية بوتيرة سريعة وعشوائية، تفاقم الفوارق الاجتماعية وانتشار الفقر في قطاعات عديدة من السكان. فلم يعد ورثة مؤسسي الكمالية (نسبة الى كمال أتاتورك) يملكون من ناحية أخرى لا الخصال الصارمة لسلفهم ولا قوة أفكارهم، فقد أصبحوا مجرد سياسيين عاديين تقسم بينهم خلافات شخصية تافهة، وفاسدين مرتشين في أحيان كثيرة، وقد انحرف معظمهم نحو اليمين واضعين بذاك حداً للاقتصاد الموجه. وبعد ان أصبح تحت الهيمنة الأميركية في سياق الحرب الباردة التي جعلت من تركيا على مدى أربعين عاماً القاعدة العسكرية الأكثر تقدماً في الناتو على الجانب الجنوبي من الاتحاد السوفييتي. ظل الجيش نفسه، الحارس اليقظ للمؤسسات التي تركها أتاتورك ولكن الحامي للدولة أكثر منه حامٍ للجمهورية ـ يبدي أحياناً اشارات متناقضة ازاء عودة الظاهرة الدينية، ووراء صدق الكثيرين ونزاهتهم دقت ساعة «المتصيدين في المياه العكرة» ودقت ساعة نجم الدين أربكان الذي أصبح رئيس الوزراء في يوليو 1996. البحث عن هوية نجم الدين أربكان ـ العجوز الحليم الممتلئ الخدّين وابن أحد قضاة سينوب في موطن ديوجين على ضفاف البحر الأسود، والذي تلقى تربية دينية صارمة ـ اسلامي ملتزم يتقن فن الخطابة الملتهبة والبيان، ولكنه في الوقت ذاته واحد من أقطاب السياسة التركية، يدعوه أتباعه ـ احتراماً واجلالاً ـ بـ «الخوجة» (أي السيد أو الحكيم) ولا يتردد خصومه في وصفه بالديماغوجي بينما يتفق معظم المراقبين على اعتباره رجلاً براغماتياً. اقتحم ميدان السياسة في الستينيات من القرن الماضي، بعد ان درس الهندسة في ألمانيا وفي اكس لاشابيل بفرنسا. انتخب نائباً في 1970 بعد ان أنشأ حزباً اسلامياً صغيراً، هو حزب النظام الوطني الذي حلّ بعد ذلك بقليل اثر انقلاب عام 1971 والذي ما فتئ ان أعاد تأسيسه تحت اسم حزب الانقاذ الوطني والذي دخل باسمه عام 1974 الحكومة لأول مرة كنائب لرئيس الوزراء ضمن تحالف اليسار الوسط بقيادة أحد الكماليين العلمانيين بولنت أجاويد. وقد شارك أربكان بعد ذلك في حكومتين تم على اثرهما اقصاؤه لمدة سبع سنوات كغيره من السياسيين بفعل انقلاب عسكري عام 1980. لكنه عاد للظهور من جديد عام 1987 على رأس تشكيلة سياسية جديدة هي نفسها ولكن تحت تسمية جديدة ألا وهي حزب الرفاه الذي استعاد به هذه المرة حتى النصر مسيرته الطويلة نحو الحكم حتى استولى بشكل منهجي على البلديات ثم الادارات رافعاً شعار الدفاع عن أكثر الفئات الشعبية حرماناً. وفي شهر مارس 1994 حقق الرفاه انتصاراً ساحقاً في الانتخابات البلدية باستيلائه على الخصوص على بلديات اسطنبول وأنقره، وفي ديسمبر 1995 استطاع ان يحتل المركز الأول في الانتخابات التشريعية بحصوله على 32,21% من الأصوات حيث احتلّ 158 مقعداً برلمانيا من بين المقاعد الـ 550 التي تتكون منها الجمعية الوطنية المعروفة بانقساماتها العميقة. وبعد مرور ستة أشهر على حكومة الائتلاف الهشة التي تقاسمها الحزبان العلمانيان لليمين الوسط بقيادة زعماء متصارعين، وهما حزب طريق الوسط بزعامة رئيسة الوزراء المعروفة بتأثيرها التلفزيوني القوي تانسو تشيلر، وحزب الوطن الأم بزعامة الرجل العبوس مسعود يلماظ، استطاع أربكان ان يحتفل مع الأولى (تانسو) وتحت الأعين المتيقظة لرئيس الجمهورية سليمان ديميريل وقادة الجيش على الخصوص الذين كانوا قد فرضوا شروطهم، ان يعقد تحالفاً جديداً شبيهاً بذلك الذي كان قد عقده قبل خمسة عشر عاماً مع بولنت أجاويد اللهم الا أنه دخل المباراة السياسية هذه المرة في ملعب اليمين وليس ملعب اليسار، كما كان شأنه في المرة الأولى ـ فلأول مرة منذ سبعين عاماً يستطيع زعيم اسلامي ان يقود حكومة تركية. لكن من البديهي ان أربكان ليس زعيماً دينياً بقدر ما هو سياسي ذكي وماهر. والحاصل ان «تجربة جيلين من التغريب والعلمانية في تركيا والبون الشاسع الذي ظل يفصل ما بين التصور التركي والتصور العربي أو الايراني» كما قاله الأستاذ ستيفن بيراسموس أحد أفضل الأخصائيين في الشئون التركية في عدد صادر عام 1994 من مجلة «أوتنمنت» خصص لهذه الشئون تحديداً كافياً لوصف ما يحدث اجمالاً على هذا الجانب من البحر الأبيض المتوسط بالخطر الحقيقي. وفي هذا رأي هذا المحلل ان النزوع الى التشدد كان لا بد ان يصطدم بحدود اللعبة البرلمانية التي تدور كيفما اتفق وتصطدم أيضاً بمقاومة ثلاثة أجيال مشبعة بالعلمانية ولا تملك أي استعداد للتضحية بمكتسباتها. «في الواقع ـ كما يقول أيضاً ستيفن بيراسموس ـ كل هذا باختصار هو البحث عن هوية في هذا المجال الفاصل ما بين الشرق والغرب الذي قدم اليه الأتراك قبل تسعة قرون واستقروا فيه». الحمد لله على اسلامي! ولكن كم يسعدني ان أكون تركياً! هذه التوفيقية (أو التلفيقية) ما بين الشرق والغرب التي تغوص أعمق جذورها في تاريخ تركيا والتي يمكن ان تعرف منها هذه الأخيرة يوماً قوتها في القيام بدورها كمتلق ثقافي واستراتيجي ما بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى يجعل منها في الوقت الحالي بلداً ممزقاً دبلوماسياً بل قل ان وحدتها القومية نفسها مهدّدة بسبب المسألة الكردية التي عجز قادتها حتى الآن على ايجاد حل ناجع لها. دبلوماسية مشلولة لقد بات الأتراك المنجذبون الى أوروبا التي يرغبون في العودة اليها والانصهار فيها والتي لم يجدوا فيها الصدر الرحب، والذين صارت تستهويهم لأول مرة ومنذ زمن بعيد القوقاز وآسيا الوسطى التي قدموا منها لأول مرة والتي لا ترغب روسيا على الرغم من الوهن الذي أصابها في ان يعودوا اليها من جديد، وهم يذكرون أنهم ظلوا حتى بداية القرن الماضي يبسطون تسلطهم عليها حتى حدود ايران وشبه الجزيرة العربية، بعد ان فرضوا سيادتهم المطلقة على مصر، والسودان حتى تخوم تشاد وعلى المغرب التونسي والجزائري، قلت لقد باتوا يواجهون اليوم مصاعب جمة داخل حدودهم ذاتها مما يجعلهم عاجزين عن التطلع الى ما وراءها. ولا شك ان هذه الوضعية لا ترضي أوروبا ولا تخدم مصالحها، ولا سيما فرنسا التي لا تذكر بما فيه الكفاية ان الامبراطورية العثمانية كانت منذ القرن السادس عشر «حليفها الخلفي» المميز والتي لا تدرك الى الآن ان تركيا تظل واحداً من بلدان العالم التي تمتلك فيها أكبر قدر من الأوراق الرابحة (كوجود نخبة مهمة من الفرانكوفون والفرنكوفيل على الخصوص) وبأنها تشكل في المستقبل وفي أي حال من الأحوال شريكها الذي لا غنى عنه في البلقان وفي الشرق الأوسط. ولا شك ان عجز القادة الأتراك الدائم عن ايجاد حل سياسي بل وعسكري أيضاً لمسألة الأكراد منذ اندلاع الكفاح المسلح في أغسطس عام 1984 في جنوب شرق الأناضول على يد انفصاليي حزب العمال الكردستاني بزعامة عبد الله أوجلان تشل الدبلوماسية التركية في الاتجاهات الكبرى الثلاثة التي تطمح في ان تمتد اليها وتؤثر فيها. تعود ارادة الأكراد الخمسة والعشرون مليوناً تقريباً في انشاء دولة/أمة معترف بها عالمياً الى منتصف القرن التاسع عشر، وقد شملت هذه الارادة منذ تفكيك الامبراطورية العثمانية (بموجب معاهدة سيفر عام 1920) ايران أيضاً التي وصل عددهم فيها الى نحو ستة ملايين والتي لم ينجوا فيها من اضطهاد الشاه، ثم العراق التي بلغ عددهم فيها نحو أربعة ملايين والتي ظلوا فيها منذ حرب الخليج يتمتعون بحكم ذاتي هش تحميه بشكل مؤقت قوة متعددة الجنسيات بقيادة أميركية وتعكره في الوقت ذاته حروب أهلية دامية بين أنصار البرزاني مع الطلباني، ثم سوريا التي توجد بها قواعدهم الخلفية والتي يعيش بها في سلام نحو مليون ونصف منهم، دون ان ننسى الاتحاد السوفييتي سابقاً حيث يعيش خمسمائة ألف آخرون مشتتين في جنوب القوقاز والذين كثيراً ما كانت موسكو تحركهم ضد أنقرة وطهران، لكن نصف الأكراد يقيمون في تركيا حيث يبلغ عددهم أزيد من اثني عشر مليون فرد تجمعهم لغة وثقافة غير معترف بها (تصر تركيا على وصفهم بـ «أتراك الجبال» بينما يشكلون نحو 20% من مجموع سكان البلاد ويستقرون بجنوب شرق هضبة الأناضول ان لم يهاجروا هروباً من المعارك والبؤس الى ضواحي مدن تركيا الرئيسية ولا سيما اسطنبول. فمنذ نحو عشرين عاماً يخوض نحو اثني عشر ألفاً من مقاتلي حزب العمال الكردستاني قتالاً ضد نصف قوات الجيش التركي، وقد أودت هذه الحرب الأهلية الشرسة بحياة ما لا يقل عن عشرين ألف شخص، ولا سيما من المدنيين، وقد تكثفت هذه الحرب على الخصوص منذ ان وصل الى الحكم في ربيع عام 1993 بعد الوفاة المفاجئة للرئيس تورغوت أوزال، الرئيسان سليمان ديميريل على رأس الدولة التركية وتانسو تشيلر على رأس الحكومة (أول امرأة في تاريخ تركيا تتقلد مثل هذا المنصب)، اللذان أصبحا أكثر تأثراً من سلفهما بضباط الجيش رفيعي الرتب من فرط خوفهما من تعرض الوطن التركي لتفكك جديد. فلم يجد هؤلاء الضباط من حل للصراع غير القمع العسكري والبوليسي الذي لا هوادة فيه رافضين كل حوار مع النخب الكردية المعتدلة على الرغم من ان مثل هذه النخب كانت في عهد الامبراطورية العثمانية وحتى تاريخ حديث مندمجة في جهاز الدولة التركية وفي دوائر البلاد الاقتصادية. بل على العكس من ذلك أقدم هؤلاء الضباط خلال السنوات الأخيرة على الحكم على معظم النواب القلائل الممثلين لهذه النخب في البرلمان بعقوبة السجن بعد ان حظروا حزبهم، حزب العمال الديمقراطي، بل ولقد لقي المتعاطفون معهم من الأتراك صحافيين وكتاباً المصير نفسه. وظل الصراع متأرجحاً ما بين عمليات ارهابية وحملات تأديبية لكنه ينتهي في كل مرة الى طريق مسدود، ولن يستطيع أحد الخروج منتصراً من المواجهة التي اتسعت دائرتها بشكل يثير القلق والانشغال، لكن تركيا على الأرجح ستخسر من جزاء هذا الوضع أكثر مما يخسره المعترضون عليه بقوة السلاح بعد ان يئسوا من التوصل الى حل وسط مشرّف معها من النوع الفدرالي مثلاً، ان كانت لا تزال أمام الطرفين فرصة لمثل هذا الحل. التمزق الدبلوماسي لم يغير وصول نجم الدين أربكان الى الحكم أي شيء من هذا الوضع، ولم يكن من المؤكد ان هذا السياسي القديم سيقترح حلاً تقدمياً لهذه المشكلة التي استعصت عى الجميع، ففي جنوب شرق الأناضول وفي اسطنبول بوجه خاص استفاد حزب الرفاه بالفعل في الانتخابات البلدية عام 1994 وفي الانتخابات التشريعية عام 1996 من أصوات جزء مهم من الأكراد الذين أغواهم بخطابه الشعبوي، لكن من البديهي أنه قد أوفى في هذه القضية بالالتزامات الأساسية التي فرضها عليها العسكريون مقابل حصوله على الضوء الأخضر للصعود الى رأس الحكومة. وعلى الصعيد الداخلي فقد أدت نفقات الحرب الى تفاقم الأزمة المالية الناتجة أولاً عن سوء الادارة والتي لم يكن من السهل تجاوزها بالرغم مما سجله المنتوج القومي الداخلي الخام من نمو قوي خلال السنو ات الأخيرة (بمعدل 7 ألى 8% سنوياً) فقد وصل معدل العجز المالي خلال السنوات الأخيرة الى ما يقارب 20% من المنتوج القومي الداخلي الخام، أما التضخم السنوي فقد ارتفع الى حدود 80% بينما بلغ حجم الديون الخارجية نحو 75 مليار دولار. ونتيجة لهذا أصبح الوضع الاجتماعي أكثر فأكثر توتراً ولا سيما في المدن الكبرى وعلى رأسها اسطنبول التي تتكدس فيها مئات الآلاف من الأسر البائسة مع ما يترتب على ذلك من ارتفاع في نسب الجريمة، فمن هذا الوحل من البؤس واليأس انطلق المد الاسلامي الذي أضر بالقيم العلمانية الموروثة عن الكمالية (نسبة الى كمال أتاتورك) مثلما بات القمع المسلط على الأكراد و ما يصاحبه من ابتزاز بوليسي يهدّد المكتسبات الديمقراطية للسنوات الماضية. فقد تضررت حرية الصحافة وازدحمت السجون التي سادتها حالة من الهيجان المستمر. وقد شوهت هذه الوضعية المتفاقمة الكثير من صورة تركيا على الصعيد الدولي وصارت تربك أكثر فأكثر نشاطها الدبلوماسي. وما فتئت منظمةالعفو الدولية تشجب أكثر فأكثر «الاختراقات المكثفة لحقوق الانسان باسم أمن الدولة» وتندّد بالاعدامات التي تنفذ من دون أحكام قضائية اضافة الى قضية المفقودين. لقد تعبت تركياً كثيراً في الحصول من برلمان ستراسبورغ على التصديق على اتفاق الاتحاد الجمركي الذي كانت قد نجحت في ابرامه في السنوات السابقة مع الاتحاد الأوروبي، ولم يدخل هذا الاتفاق حيّز التنفيذ في أول يناير 1996 الا في ظروف سيئة للغاية. فبموجب هذا الاتفاق الذي يعتبر أول اتفاق من نوعه يبرمه الاتحاد الأوروبي مع بلد خارج الاتحاد، أصبحت تركيا المرتبطة أصلاً باتفاقية التبادل الحر مع هذا الأخير منذ عام 1963 عضواً في السوق الأوروبية الموحدة، وقد أبقى هذا الاتفاق على القيود المقننة للتنقل الحر للأشخاص. وعلى الرغم من وعيها العميق بالمصاعب التي قد تعترض العديد من مؤسساتها التي تصبح بحكم هذا الاتفاق خاضعة لمنافسة أوروبية شديدة فهي تتوقع من ذلك الاتفاق نمواً قوياً في مبادلاتها التجارية مع الدول الخمسة عشرة ومن ثم تحديثاً ونمواً أسرع لاقتصادها. لكن العديد من البرلمانيين الأوروبيين الذين كانوا يعارضون التصديق على الاتفاق لم «يرموا السلاح». فلا يزالون يولون آذانهم الصاغية لزملائهم اليونانيين الذين يدافعون بقوة عن موقف أثينا في الخلافات القائمة ما بين اليونان وتركيا فيما يتعلق بالمنطقة البحرية لجزر اليونان الصغيرة في بحر ايجة وبخصوص احتلال ثلث قبرص من قبل الجيش التركي منذ ما يقرب من ربع قرن. فالبرلمان الأوروبي ساخط على وجه الخصوص بسبب القمع التركي في كردستان وبسبب انتهاكات حقوق الانسان الناتجة الى حد كبير عن وجود هذا الصراع في داخل تركيا نفسها، ففي 19 سبتمبر 1996 وكرد على أحداث جديدة عديدة في منطقة الأكراد وفي قبرص صوتت أغلبية ساحقة (319 صوتاً مقابل 23 صوتاً رافضاً و 20 صوتاً أحجم عن التصويت) لصالح الغاء الافراج عن أموال المساعدة الأوروبية (نحو 4,2 مليار فرنك فرنسي موزعة على خمس سنوات) في اطار الاجراءات المرافقة لفتح السوق التركي على منتجات الاتحاد. وبديهي أيضاً ان تورط الدبلوماسية التركية في القوقاز وفي آسيا الوسطى لم يأت ولو الى حد من الحدود الا لنفس الأسباب تقريباً. فمع تفكك الاتحاد السوفييتي ظن الكثير ان تركيا سوف تستعيد في النهاية مجالها «الطوراني» (أي مناطق الشعوب التركية لروسيا الجنوبيةوتركستان التي سبقت الى هذه الأصقاع الشعوب الهند أوروبية) الذي أقصيت منه منذ زمن بعيد على يد القياصرة ومن بعدهم على يد خلفهم البلشفيين. كان الأتراك سيأخذون ثأراً تاريخياً من السلافيين، وكانت بلادهم القلعة الغربية المتقدمة ستصبح معبراً هائلاً في اتجاه البلدان التي أصبحت مستقلة في هذه المنطقة الشاسعة بل وأبعد من ذلك لغاية سيبيريا. في العام 1990 أقامت أنقرة علاقات تجارية وثقافية مع عواصم هذه الجمهوريات الخمس الجديدة (أذربيجان، تركمانستان وكازاخستان والأوزباكستان والقيرغيزستان) قبل ان تشرع معها في وضع هيئة للتشاور والتعاون المميز وهي ما أطلق عليه مجموعة السبعة. وقد انعقدت في هذا الاطار قمتان لممثلي البلدان التركية الست في اسطنبول عام 1992. لكن الظل الروسي ظل يحوم على هذه الجلسات ولذلك لم تخرج هذه الأخيرة بأي نتائج ملموسة. وعلى الرغم من أملها في الاحتفاظ بهامش من المناورة بالنسبة لموسكو فلا ترغب هذه الجمهوريات التركوفية الخمس المنبثقة عن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية الخروج من اتحاد الجمهوريات المستقلة الذي تستمر في داخله في تعهد علاقات جد حيوية مع روسيا ولم تقل تركمانستان وأذربيجان كلمتهما الأخيرة لا سيما فيما يتعلق بنقل بترولهما عبر الأراضي التركية بدلاً من الأراضي الروسية. ففي صراعات جد حساسة كصراعات كاراباخ العليا أو الشيشان لم يتمكن القادة الأتراك على الرغم من الضغط الرأي العام عليهم من اتخاذ ما يرونه مناسباً من مواقف لصالح السكان المسلمين الأتراك المعنيين في مواجهة نظرائهم السوفييت المستعدين لتذكيرهم بسياستهم ازاء الأكراد كما فعلوا بالاتفاق مع الصرب ازاء الأزمة البوسنية، ولا بد من الاشارة أيضاً الى التقارب الذي بادرت به روسيا مع أثينا ومع نيقوسيا على خلفية من الأرثوذكسية والمافيا، في مواجهة التذبذب التركي في باقي البلقان ولا سيما في ألبانيا (فمشروع أوتوستراد اسطنبول ـ تيرانا عبر بلغاريا ومقدونيا لا يبدو أنه سيرى النور قريباً). في النهاية يلاحظ ان تكثيف علاقات أنقرة مع العواصم التركية في القوقاز وآسيا الوسطى لا يتعدى قط في الوقت الحالي المجالات الثقافية (ارسال أساتذة وتأمين منح جامعية)، والتجارية، (عبر جهود بناء عدد من المؤسسات التركية في هذه المستعمرات الروسية القديمة) علماً بأن الدبلوماسية التركية لا تعمل الا في الحدود التي تسمح بها امكانياتها الفعلية. التعقيد المستمر أخيراً لا شك ان المسألة الكردية تعقّد كثيراً علاقات تركيا مع جيرانها في الشرق الأوسط، سوريا والعراق وايران. وهنا أيضاً وعلى الرغم من بعض مبادراته الأكثر جرأة من الماضي لم يتمكن نجم الدين أربكان المراقب دوماً من قيادات الجيش من ان يستثمر نهجه السياسي الاسلامي من أجل العمل على تحريك الأمور وتطويرها نحو الأفضل في منطقة الكلُّ فيها يمسك بالكل وحيث الأميركيون مصرون على الاستمرار في التحكم في الكل. ما ان صدر قانون أماتو ـ كندي الذي وضع العقوبات الأميركية الأحادية الجانب ضد الشركات الأجنبية التي تستثمر أموالها في قطاع المحروقات في كل من ايران وليبيا، ووقع عليه بيل كلنتون حتى طار أربكان فور تنصيبه في وظائفه الجديدة الى طهران على رأس وفد مهم للتوقيع على عقد غازي مهم (بقيمة 23 مليار دولار) مع المسئولين الايرانيين. وفي خضم هذه التطورات توجه وفد آخر الى بغداد عند «صديق كبير» آخر للولايات المتحدة من أجل التحدث والتشاور في موضوع الأعمال أيضاً بمناسبة الرفع الجزئي للحظر المفروض على العراق منذ عام 1991 (اتفاق النفط مقابل الغذاء). وقد تم بعد ذلك بقليل لقاء ثنائي ما بين الزعيمين القذافي وأربكان ولكنه لم يحقق الشيء الكثير. غير ان هذه المبادرات التحررية الساعية الى التخلص من الوصاية الأميركية رغم ما كلفته من جهود مضنية لم تؤد بالقادة الايرانيين والعراقيين الى الوقوف الى جانب الأتراك في كفاحهم ضد الحزب الكردي الكردستاني حتى بعد استعادة كردستان العراقية التي ينطلق منها معظم الثوار، من قبل صدام حسين في نهاية 1996. وأما حافظ الأسد السياسي العنيد الذي لا يعرف التنازلات فلم يتردّد هذه المرة في ان يطلب من قائد الحزب الكردي الكردستاني الذي يأويه في دمشق منذ سنوات بأن يغادر البلاد، وبالتأكيد ليس اتفاق التسهيلات العسكرية الذي أبرمه سلف أربكان مع الاسرائيليين الحريصين على مباغتة سوريا من الخلف وجعل قواتهم الجوية أقرب لضرب العراق وايران، والذي لم يشجبه الخوجة بأي حال من الأحوال، قلت ليس هذا الاتفاق هو الذي دفع رئيس دولة سوريا الى تغيير موقفه، ولا أيضاً مشاريع تركيا المهمة في تحويل جزء كبير من مياه الفرات لصالح استصلاح اقليم جنوب شرق الأناضول. فما أعجبها كيفية تستخدمها أنقرة في التقرب من العرب! لقد ظلت السياسة الخارجية التركية التي تهيمن عليها المسألة الكردية شبه مستقرة أي عاجزة، في عهد أربكان ومن قبله على السواء، بينما لم تكن المخاوف التي أثارها الزعيم الاسلامي القديم في نفوس المجتمع المدني العصري سوى مخاوف وهمية. وكانت هذه المخاوف التي لم تبررها أسس قوية هي الورقة التي لعبها الجيش المحبط دوماً أمام الحزب الكردي الكردستاني، لاسقاط حكومة أربكان ـ شيلر في يونيو عام 1977 غداة حملة جديدة مضنية لم تقل كلفة عن سابقاتها في كردستان العراقية وعلى اثر ضغوطات عديدة ظلت ممتدة لشهور طويلة. ولا شك ان الأميركيين والاسرائيليين الذين لم يرغبوا في قيام دولة اسلامية قوية قد حرضوا الجيش على ان يسبق الأحداث تحسباً لكل الاحتمالات. الهروب الى الأمام لكن هل ان عودة العسكر هذه الى اللعبة السياسية، حتى وان كانوا على خلاف عما حدث في 1960 و1971 و1980 لم يذهبوا هذه المرة الى حد مسك زمام الحكم بأنفسهم، هل تملك حظوظاً ما في اخراج تركيا من طريقها المسدود أم أنها ليست شيئاً آخر غير الهروب الى الأمام نحو مستقبل غامض لا أفق فيه ؟ ان وضع البلاد السياسي مختل منذ استقالة أربكان ولم تتمكن أية أغلبية منسجمة وقوية من ان تفرض نفسها بقوة حول مسعود يلماظ ـ الذي اضطر للتحالف مع زعيم اليسار القديم بولاند آجاويد بعد ان تعذر عليه ذلك التحالف مع تانسو شيلر التي صارت عدوته الحميمة ـ بل على الأرجح ان شيئاً من ذلك لن يتحقق. لا سيما وأن الاسلاميين المستميتين في الدفاع عن شبكتهم التعليمية السرية المهددة من قبل التحالف الجديد، والذين حلّ حزبهم بقرار من القضاء بتهمة «المساس بعلمانية الدولة» فلم ينسحبوا من السباق السياسي. بل ولقد حظر كل نشاط سياسي على أربكان وخمسة من كوادره لمدة خمس سنوات لكن ذلك كان دافعاً لنشوء تشكيلة أخرى نذرت نفسها لخلافة حزبي الرفاه ولا سيما في حال انعقاد أي انتخابات تشريعية مسبقة، ألا وهي «حزب الفضيلة». وفي انتظار ما يجيء به المستقبل، يخشى ان تفضي هذه الأوضاع المعقدة الى حالة من المزايدات القومية. لقد شدّدت أنقرة لهجتها ازاء الاتحاد الأوروبي الذي وصف بأنه ـ «نادي المسيحيين» المعادين للمسلمين الذين ما فتئت كل الصحافة التركية تندّد بهم وتحقرهم. بل ولقد ذهب العديد من أعضاء حكومة يلماظ بمن فيهم بولنت أجاويد نائب الرئيس الى حد المطالبة باعادة النظر في اتفاق الوحدة الجمركية ما بين أوروبا وتركيا! فبعد ان أرهقتهم عشرون سنة من المناقشات المملة التي لم تؤد الى أي مخرج مع قبرص اليونانية، صار القادة الأتراك بما فيهم زعماء كافة الأحزاب السياسية أكثر فأكثر عزماً واصرارا من أي وقت مضى على «ضمّ» ـ بلا قيد ولا شرط ـ جمهورية قبرص التركية المعلن عن قيامها ذاتياً عام 1983. ولم يزد قرار البلدان الأوروبية الخمسة عشرة في قمة لوكمسبورغ يومي 13 و14 ديسمبر 1997 بتأجيل انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي لأجل غير مسمى في الوقت الذي انضمت فيه بلدان أوروبا الشرقية القديمة الخمس ومعها قبرص الى هذا الاتحاد، غضب أنقرة إلا حدة وتفاقماً.