الثلاثاء 27 صفر 1424 هـ الموافق 29 ابريل 2003 منذ زمن بعيد لم يبد منتصر ما قلقا بهذا القدر. فعلى مدى السنين تحدد أبو مازن وريثا مضمونا لعرفات، بصفته الرجل الثاني، كمن سيحصل على الارث ما ان تأتي ساعته. اما مؤخراً فقد أتت: «فزعة، مفروضة ومدفوعة. إرث عرفات سقط في حضن ابو مازن بشكل ملتوٍ ورافض. فـ «المرحوم» لا يزال حياً يرزق، يتمسك بقرون المقاطعة، يتلوى وينازع، فيما ان عالما كاملا يحفر للبث الحي والمباشر قبره السياسي ويعلن عن تغييره. ابو مازن انتصر، للوهلة الاولى، ولكن هذه ليست سوى المرحلة الاولى في حرب طويلة. مستوى التأييد له في الحضيض، اما المشكلات فتحلق عالياً. عرفات يواصل السيطرة على غير قليل من الاجهزة الامنية (المخابرات العامة في غزة وفي الضفة وعلى الامن الوطني) وكذا على المفاوضات السياسية. ومن أجل ان ينجح، يحتاج ابو مازن ليس فقط الى تأييد اميركي واوروبي، بل وايضا وبالاساس الى تأييد من شارعه. وعصر أمس بدا هذا التأييد أبعد مما كان في اي وقت مضى. فجماهير الشعب الفلسطيني محاصرون في قراهم ومدنهم ومخيمات اللاجئين خاصتهم، ينظرون لما يجري بين الغرفتين البائستين في المقاطعة والاروقة السياسية حولهما، في قيادة نظام حكم القلة المميزة الفلسطينية التي تتصارع على كعكة السلطة البائسة وعلى الحق في الوقوف قبالة ارييل شارون في مفاوضات سياسية لا يبدي أي محلل سياسي سوى الاستعداد لضمان نتائجها. واذا كان هذا نصرا، اذن فالويل للمنتصر. ومن جهة اخرى، ويوجد أيضا جهة اخرى - عرفات خسر. صحيح انه عاد لربع ساعة تاريخية الى مركز الامور، ولكن عملية التراجع البطيئة والثابتة لديه مستمرة. والان كل شيء منوط بابو مازن. اذا ما نجح في تحقيق الطاقة الكامنة في الامر، وشق النفق، واضاءة ضوء في نهايته وتجنيد العالم في صالحه - سيكون هذا بداية النهاية لسلطة عرفات. ابو مازن يحتاج الى الكثير جدا من المساعدة العالمية، والاسرائيلية ايضا، والكثير من الحظ ايضا. الظروف في غير صالحه: انه يركض في صعود، ضد الريح، بيدين مرتبطتين خلف الظهر وعينين حجبت عنهما الرؤية. ولكنه لا يزال مع ذلك يركض. على خلفية الاحداث، يبرز صمت أرييل شارون. فرئيس الوزراء ينطوي على نفسه بمشاعر مختلطة. من جهة، خلافا للكثيرين من اسلافه، يحظى برؤية سقوط عرفات ودق مسمار آخر في نعشه. ومن جهة اخرى، ابو مازن يمكنه ان يصبح خللا خطيرا بالنسبة لشارون: اذا ما اثبت جدية بالفعل، اذا ما اظهر على الاقل محاولة لمكافحة الارهاب ـ فمن شأن ابو مازن ان يقلب الامور في العالم رأساً على عقب ويضع شارون في الزاوية التي وضع فيها شارون عرفات حتى الآن. ان نجاح ابو مازن، فشل عرفات، يقدمان خريطة الطرق نحو طاولة شارون، وشارون نفسه نحو المفترق الاكبر للقرارات الاهم التي يخشاها جدا. الطرفان يسيران نحو الانطواء على نفسيهما، والخيارات تنفد، وفي الافق يكمن توني بلير وجورج بوش. ويتعين على أحد ما ان يعالج كل ذلك في وقت ما. أيام كبيرة، مجنونة ومهمة تنتظرنا. أمل طفيف، هش، في أن يحصل لنا شيء جيد بدأ يبرز، ومثلما في كل مرة يحصل هذا - فان صاروخ قسام واحد اطلق مؤخراً نحو سدروت، كي يذكر الجميع بان المشكلة الاساسية لابو مازن ولنا ليست شخصية وزير الزراعة الفلسطيني التالي بل ما يجري في مخيمات اللاجئين في قطاع غزة. بقلم: بن كسبيت _ عن « معاريف »