الثلاثاء 27 صفر 1424 هـ الموافق 29 ابريل 2003 في اليوم نفسه الذي قذف فيه عمران أبو حمدية نحو حتفه من سيارة عسكرية مسرعة، فقد محمد الرجبي عينه اليسرى. هذا الامر حدث في الثلاثين من ديسمبر الماضي حيث كان يوما شتويا شديد البرودة، وكان سكان الخليل المئة وخمسين ألفا يخضعون لحظر التجول المتقطع منذ أكثر من شهر إثر قتل 12 مصليا يهوديا وجنديا على الطريق المؤدي الى الحرم الابراهيمي المجاور لكريات اربع. المواطنون في الخليل أصبحوا عصبيين وتجولوا في باحات المنازل مثل السجناء في فترة «الفورة». وعندما كان الحظر يرفع كل مدة لعدة ساعات لم يسارع الناس للخروج، فقد انتشرت في المدينة اشاعة مفادها ان حرس الحدود يتجولون في المدينة مثل الصيادين محاولين ايجاد فريسة للانتقام لمقتل رفاقهم في تلك العملية. فايزة، أم محمد الصغير، تقول انها حرصت على منع أولادها من الخروج في وقت حظر التجول للعب في الزقاق الضيق قبالة المنزل اذ خشيت عليهم من رجال حرس الحدود «الذين يعرف الجميع في المدينة انهم الأكثر خطورة». محمد توسل لأمه في ذلك اليوم حتى تعطيه شيكل لشراء بعض الحلوى من البقالة المقابلة. الوقت كان ظهرا، فنظرت الأم الى الشارع للتأكد ومن ثم سمحت له بالتوجه الى هناك بسرعة. محمد الصغير أمسك بالشيكل في يده وجرى مسرعا. وفجأة شاهد سيارة جيب في نهاية الشارع فاختبأ معتقدا انهم سيغادرون بعد ثوان. بعد برهة أخرج رأسه ليطل فسمع صوت رصاصة وسقط على ظهره حيث بدأت الدماء تنزف من وجهه. الأم فايزة سمعت صوت الرصاصة في الأسفل ففتحت باب المنزل وشاهدت ابنها يتلوى من الألم والدم يغطي وجهه، فما كان منها الا ان ركضت نحوه فهددها الجنود باطلاق النار عليها، فأخذت تنتحب هي وأطفالها الصغار وعادت أدراجها خشية ان يطلقوا النار عليها. وبعد ثوان غادرت السيارة العسكرية فحمله ابن عمه عدنان وأخذه الى أقرب عيادة طبية فكانت مغلقة فواصل الركض نحو مستشفى الهلال المجاور حيث تبين ان الرصاصة البلاستيكية قد أصابت العين من دون ان تدخل الى الرأس. في تلك الايام كان موسى أبو هشهش، المحقق الميداني في منظمة «بتسيلم» قد تلقى شهادات كثيرة من سكان منطقة جبل جوهر المجاورة لحي أبونا ابراهيم حول تحرشات وتنكيل جنود حرس الحدود بهم. كل هذه الأحداث كانت قد جرت بعد عملية طريق الحرم الابراهيمي وأصبح واضحا لأهل الخليل من هذه الاعتداءات ان جنود حرس الحدود يشنون حملة انتقامية للثأر لرفاقهم الاربعة الذين قتلوا فيها. أبو هشهش انتظر رفع حظر التجول لجمع الأدلة والشهادات من الضحايا، وسرعان ما هرول اليه عشرات الشبان الذين تحدثوا عن الضرب الذي تعرضوا له. أبو هشهش جلس ساعات طوال وهو يتلقى شهادات كل واحد من هؤلاء الشبان الذين رووا كيف قام جنود حرس الحدود باعتقالهم وتوجيه الضرب لهم. في اطار استخلاص العبر من عملية طريق الحرم الابراهيمي قررت القيادة اخراج السرية التي كانت تخدم في الخليل ونقلتها الى بلدة ترقوميا غربي المدينة. الانتقال جرى خلال شهر ديسمبر الماضي، الشهر الذي تزامنت فيه كل أحداث العنف. وديع أبو حمدية، 26 سنة، وزياد بنات، 16 سنة ونصف، لم يعرفا ان حرس الحدود يقومون بالانتقال من مدينة الخليل. في الثامن عشر من ديسمبر خرج الصديقان في ساعات الصباح الباكر لتعبئة بالون الغاز في المنطقة الصناعية ولشراء الطعام لعائلتيهما. المكان كان خاضعا لحظر التجول في ذلك الوقت الا انهما قررا المخاطرة والخروج. وما ان وصل الاثنان الى نقطة تعبئة الغاز حتى شاهدا على الشارع اربعة جنود من حرس الحدود بجانب سيارة جيب عسكرية، أحدهم صوب سلاحه نحوهما وكان عصبيا حيث وجه لهما الأوامر بالخروج من السيارة وإبراز بطاقات الهوية. جنود حرس الحدود بدأوا بتوجيه الشتائم لهما مباشرة وأوقفوهما ووجههما نحو الحائط، اثنان من جنود حرس الحدود بدءا برشقهما بالحجارة ومن ثم قام أحدهم بإمساك أبو حمدية من شعره ودق رأسه ببوابة الجدار الحديدية أكثر من عشر مرات. ثم قام جندي آخر بركله بقوة في بطنه فسقط على الارض من الألم، الا ان جنديا آخر قام بإمساكه من شعره وضرب رأسه بالجدار مرة اخرى. الشيء نفسه حصل مع زميله، حيث تواصل الضرب والركل الى ان أخذا ينزفان دما. بنات استغل فرصة سنحت له وهرب من المكان، فصرخ عليه أحد الجنود للتوقف وضربه بحجر أصابه في ظهره، الا انه واصل الهروب مثل المجنون. المحقق أبو هشهش جمع 24 شكوى حول حوادث اعتداء وتنكيل مختلفة، الا ان السيناريو واحد في كل هذه الحالات. يوم الثلاثين من ديسمبر كان اليوم الأكثر ازدحاما في هذه الأحداث، في ظهيرة ذلك اليوم فقد الطفل محمد الرجبي عينه وبعد ذلك بساعة ونصف أوقفت سيارة لحرس الحدود علاء سنقرط وشقيقه الأكبر باسم وهما يخرجان من مصنع للحجارة في المنطقة الصناعية عائدين الى منزلهما. الجنود أمروا الأخ الأكبر ان يستقل سيارته ويغادر واحتجزوا علاء الأصغر لديهم. وهنا تكرر السيناريو السابق حيث شرعوا بضربه بشدة وأخذ الدم ينزف من وجهه وجسده الى ان بدأوا يسمعوا صرخات «الله أكبر» تتعالى من حولهم، الامر الذي ضغطهم ودفعهم الى مغادرة المكان على عجل. وبعد ساعات من ذلك الحادث، في تمام الساعة السادسة والنصف مساء، خرج حمزة الرجبي من منزله للصلاة في مسجد ابن زياد، الذي يقع على مسافة 400 متر من الحرم الابراهيمي. وبعد فترة قصيرة وجد أمامه سيارة جيب عسكرية حيث أمره الجنود مثل سنقرط بأن يصعد الى السيارة ويجلس في الخلف وانطلقوا نحو المنطقة الصناعية وانهالوا عليه بالضرب. وبعد عشر دقائق ألقوا به الى الشارع وهو ينزف دما وغادروا المكان بسرعة. فما كان منه الا ان بدأ يزحف خلال عشرين دقيقة الى ان وجده بعض المارة ونقلوه الى المستشفى. الرجبي يقول ان جنود حرس الحدود سرقوا منه مئة وخمسين شيكل كانت بحوزته وكان أحدهم يوثق عملية الضرب بكاميرا فيديو تماما مثلما حدث مع علاء سنقرط الذي قال ايضا بدوره ان جنود حرس الحدود كانوا قد طلبوا منه ان يخرج ما بحوزته من مال وهاتف نقال. عمران أبو حمدية، أنهى ذلك اليوم في ثلاجة الموتى في مستشفى عالية. عمره كان سبعة عشر سنة ونصف، حيث يعمل بعد المدرسة في محطة وقود لمساعدة عائلته. في الساعة الثامنة مساء وقف خارج منزله في شارع طارق بن زياد في جبل جوهر ليتبادل أطراف الحديث مع اربعة من جيرانه. فجأة توقفت سيارة جيب لحرس الحدود أمامهم حيث قاموا بفحص هوياتهم وأمروهم بالرحيل باستثناء عمران الذي أُمر بالبقاء، أحدهم سأل الجنود لماذا يحتجزون عمران، فقالوا له انه لا يوجد سبب للقلق وان كل ما يريدونه هو التأكد من رشقه للحجارة في المنطقة. الجنود طلبوا من عمران ان يصعد الى السيارة فساور القلق جيرانه من ذلك. ولذلك أمروا أحد الاولاد في سن الثالثة عشرة للركض خلف الجيب لمعرفة وجهتهم. وبعد فترة قصيرة عاد الصبي وقال ان الجيب توجه نحو شارع الفحص في المنطقة الصناعية. فلاح وجار آخر توجها الى المكان، الشارع كان مظلما جدا، وسرعان ما شاهدا شخصا ملقيا على الارض بجانب محطة الوقود وما ان اقتربا منه حتى وجدا عمران ملقيا على الارض والدم ينزف من فمه وأنفه ورأسه. أحدهما وضع رأسه بجانب قلبه فلم يسمع نبضاته. فقام بوضعه في السيارة على عجل ونقلاه الى مستشفى المحتسب حيث أكد الاطباء وفاته. وفي صبيحة اليوم التالي تناقلت وسائل الاعلام الاسرائيلية هذا الحادث، وبعد ذلك بأسابيع تم اخراج جثة أبو حمدية من القبر بتدخل منظمة «بتسيلم» وبعض رجال الدين الذين أقنعوا عائلته بضرورة تشريح الجثة لمعرفة ملابسات الحادث. وهنا دخل قسم التحقيق مع الشرطة الى الصورة وقام بجمع الأدلة والشهادات من الجيران وأجرى تحقيقات مع الجنود. حرس الحدود ادعى ان جنوده لم يتجولوا في حي جبل جوهر والمنطقة الصناعية في ذلك اليوم. أبو هشهش واصل جمع الشهادات والأدلة حيث تبين له ان عمليات سرقة وابتزاز من قبل جنود حرس الحدود قد تكررت في شهر فبراير الماضي من أصحاب المحلات التجارية في المدينة. أبو هشهش أصر على اصطحاب كل واحد من ضحايا السرقات لتقديم شكوى في الشرطة، وفي نهاية شهر فبراير الماضي، قررت الشرطة وقسم التحقيقات مع الشرطة، فحص هذه الشكاوى بعد ان أدركت ان هناك مشكلة في الأمر. وفي يوم الخميس قام قسم التحقيقات باعتقال اربعة جنود من حرس الحدود من نفس السرية التي كانت تخدم في الخليل ونقلت الى ترقوميا، وهم باسم وهبة ويناي لالزا ودنيس الحزوب وشاحر بوتبيكر. وهم متهمون بقتل أبو حمدية. الجنود الاربعة ينتمون الى طاقم اداري كان قد بقي في الخليل لاستكمال اجراءات وشؤون السرية التي نقلت الى ترقوميا. وهبة الدرزي قرر عشية العيد الاعتراف أمام قادته، حسب الشبهات أمر أفراد الطاقم الاربعة عمران أبو حمدية بأن يقفز من الجيب وهو مسرعا. وعندما رفض دفعوه الى الخارج، كما ان التحقيق يجري مع هؤلاء الاربعة في أحداث ضرب اخرى. قسم التحقيقات في الشرطة يدعي ان جنود السرية أرادوا الانتقام لمقتل رفاقهم وخرجوا في حملة انتقامية في أرجاء المدينة. في يوم الاحد استدعي للتحقيق ثمانية جنود آخرين وتم احتجاز اربعة منهم، حيث يشتبه بأن لهم ضلعا في عمليات السرقة التي جرت في شهر فبراير وباعتدائهم على سيارات المواطنين هناك. قسم التحقيقات في الشرطة يشتبه بأن طاقم الجنود خرج في حملة عقاب للمواطنين الفلسطينيين بعد العملية، وفي اطار ذلك جرت عمليات الاعتداء وسرقة الاموال والممتلكات بعلم القائد. بقلم: عوديد شالوم _ عن «يديعوت احرونوت»