الثلاثاء 27 صفر 1424 هـ الموافق 29 ابريل 2003 لم تتغير أحوال «المقاطعة» في رام الله كثيرا خلال الاشهر الاخيرة، اذ لا تشاهد سوى بعض الحمايات الجديدة للنوافذ وطبقة طلاء هنا وأعمال جزئية هناك، لكن من ناحية الجوهر، لا يزال ماثلا ذلك العنصر المؤسف الذي شاهده العالم عبر شاشات الفضائيات بعد بضعة أيام من نهاية حصار القوات الاسرائيلية لمقر الرئيس الفلسطيني، فحتى بعض الزوايا الداخلية للمبنى المدمرة لم تكنس بعد، ولم تتم ازالة الركام الرماي القابع فيها وكأنه تذكار حي لتلك المرحلة. في مكتبه المكتب نفسه دوما بدون ضوء وبدون تهوية وبدون اي مظهر من مظاهر الزينة استقبل ياسر عرفات مراسل صحيفة «إيه بي سي» والمراسلة الخاصة للتلفزيون الاسباني. الى يساره كان هناك ميجيل انخيل مواتينوس ممثل الاتحاد الاوروبي، الذي لعله عاش اقسى نهاية اسبوع منذ ان تولى هذه المسئولية قبل نحو ست سنوات. والى يمينه احمد وهو مترجم اللغة الاسبانية لدى السلطة الوطنية الفلسطينية بالاضافة الى مستشاريه المقربين نبيل ابو ردينة وصائب عريقات. على عكس ما كان متوقعا يبدو عرفات في حالة نفسية جيدة ويلوح وراضيا ايضا ولا يعطي انطباعا بأن الرجل ينتهي على الصعيد السياسي، فلا تزال قدرته على القيادة واضحة للجميع على الاقل في صباح رام الله المعزول هذا، حيث الزمن وحده الكفيل باثبات تلك الاحاسيس او نفيها. ـ كانت الأيام الاخيرة اياما تاريخية بالنسبة لفلسطين وشعبها ولقد تم أخيرا اقرار حكومة محمود عباس الجديدة. لكن بعض الجراح قد فتحت في الطريق. ما الذي يمثله تقسيم الأدوار بين ياسر عرفات وأبو مازن؟ ـ الذي حدث خلال هذه الأيام ما هو إلا دليل واضح لأولئك الذين لم يعرفوا بعد، احترام الديمقراطية في فلسطين. فلقد كانت هناك آراء متضاربة ووجهات نظر مختلفة ورؤى متباينة لكن في النهاية تم التوصل الى اتفاق يثبت ان الديمقراطية في فلسطين حية ترزق وسوف تصب في مصلحة السلام في المنطقة، وفي مصلحة شعبنا. ـ لكن ربما ما كان يمكن ان تتوفر امكانية التوصل الى ذلك الاتفاق بدون ضغوط المجتمع الدولي. ـ المجتمع الدولي لم يضغط علينا بل ساعدنا للمضي قدما في مشروعنا السياسي الجديد. فلقد تحدثت على التوالي مع كل من جاك شيراك ويوشكا فيشر ومع الوزير باباندريو والرئيس مبارك وخافيير سولانا... ولقد ساعدنا الجميع، وبمجرد ان تمت التسوية وتم الاتفاق عادوا واتصلوا مجددا لتهنئتنا ووضع انفسهم تحت تصرفنا. هوذا ميجل انخيل مواتينوس الى جانبي الذي قدم دعمه لنا دائما. ـ كذلك تلقيت مكالمات من رئيس الحكومة الاسبانية خوسيه ماريا ازنار. ـ في الواقع تحدثت مؤخرا مع رئيس الوزراء ازنار حول الفرصة التي تمثلها خارطة طريق رباعية مدريد وحول الاصلاحات في السلطة الوطنية الفلسطينية والشئون الثنائية. وانتهزت الفرصة كذلك لارسال تحياتي لملك اسبانيا. ـ مع تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة تنفتح بوابة للتفاؤل في الشرق الاوسط، هل يستشف السلام بنهاية خارطة الطريق؟ ـ ذلك هو ما ننتظره ونرغب به جميعا. ولقد انتهينا للتو من الحديث حول ذلك مع مواتينوس وقلنا انه لابد من نشر وتطبيق خارطة الطريق تلك المصممة من قبل الرباعية. ففي البداية تم ارجاؤها لما بعد اجراء الانتخابات في فلسطين الامر الذي بدا مستحيلا في ظل احتلال ارضنا ومن ثم ارجئت حتى بعد الانتخابات الاسرائيلية وفي وقت لاحق ظهرت مشكلة تشكيل الحكومة الاسرائيلية، وعندما تشكلت هذه الحكومة ارجئت الى ما بعد تشكيل الحكومة الفلسطينية.. والآن وقد وجدت حكومة فلسطينية، فيجب تطبيقها اذن. ـ قبل بضع ساعات فقط، حدث هجوم انتحاري ما الذي ستفعله الحكومة الفلسطينية الجديدة لوضع حد للعنف؟ ـ من جانبا سنفعل كما فعلنا دائما كل ما بوسعنا للقضاء على العنف. لكننا نعيش في مناطق معزولة ومفصولة بنقاط سيطرة اسرائيلية، ولقد شاهدتم بأنفسكم انه اذا اردتم الحضور لرؤيتي في رام الله من القدس. فعليكم دفع الضريبة الباهظة لسلوك ذلك الطريق نحن ندين بشكل قاطع ذلك الاعتداء الذي يعد جريمة ضد السكان المدنيين، كما ندين ايضا هجمات الجيش الاسرائيلي ضد السكان المدنيين الفلسطينيين. لكن كي نتمكن من انهاء هذا الوضع ضروري ان تحرر اسرائيل مدننا وان تنسحب من ارضنا وان تسمح بحرية الحركة للقوى الامنية التابعة لنا. يعود جهاز الهاتف للرنين من بعيد انه ملك الاردن ويعلن عرفات بكل مودة انتهاء المقابلة. وذلك ان الملك عبدالله الثاني ينتظر على الخط من اجل المساعدة، وليس من اجل الضغط. ترجمة: باسل أبو حمدة _ عن «ايه بي سي» ـ اسبانيا