الثلاثاء 27 صفر 1424 هـ الموافق 29 ابريل 2003 ما ان فاز اليمين الإسرائيلي وقائده بنيامين نتانياهو زعيم الليكود في انتخابات 29 مايو 1996 حتى ظهر التغيير الراديكالي الذي فرضه الناخبون اليهود على سياسة تل أبيب في الشرق الأوسط واضحاً جلياً خلف التصريحات الواهية حول ارادة السلطات الجديدة في استئناف عملية السلام التي بدأها سلفها من اليسار مع المسئولين الفلسطينيين. لم يفز اسحاق رابين في انتخابات 1992 الا لأنه قدم نفسه كرجل يمين والحال أن انتصار حزب العمل هذا لم يكن سوى حلقة في مسلسل. فلم يكن لهذه الفرصة من حظ في أن تتكرّر على المدى المنظور، فالشعب الإسرائيلي في جوهره شعب يميني، ولهذا كان على الحكومة العمالية أن تستفيد من هذه الفرصة الوحيدة للانطلاق في دبلوماسية مجدّدة ومبدعة حتى توجد واقعاً جديداً في الشرق الأوسط وتترك اتفاقيات وحلولاً سلمية مع جيرانها العرب. وقبل هذا وخلال سنواته الخمسة عشرة في الحكم كان الليكود قد أنشأ مستوطنات يهودية في كل مكان من الأراضي المحتلة حتى يوجد وضعاً ثابتاً دائماً، ومن ثم الحيلولة دون تقسيم البلاد الى سيادتين واحدة إسرائيلية وأخرى فلسطينية. «لقد حاولنا نحنُ حزب العمل تجاوز العقبات والحواجز التي نصبها الليكود، وبناء سياسة مختلفة قوية ومستقرة أساسها السلام» على هذا النحو كان يوسي بيلين الوزير المكلف بمفاوضات السلام لدى شيمون بيريز يحلل غداة هزيمة معسكره الانتخابية، الصراع ما بين البطلين الأساسيين على الساحة السياسية في إسرائيل منذ التوقيع على اتفاقيات أوسلو في سبتمبر من العام 1993. شرق أوسط جديد أما بيريز فإنه يرى مع اسحاق رابين ذلك الجندي العجوز الذي اعتنق بكثير من التحفظ ولكن بصدق وشرف رؤية بيريز بأن إسرائيل لا يمكن أن تعيش في أمن وسلام ما لم يقر جيرانها العرب بوجودها على أرض فلسطين، في اطار وفاق أمميّ شرق أوسطي جديد، أي في اطار شرق أوسط جديد. ولا بد من أن يمر قبول العرب بإسرائيل بالضرورة باتفاق مسبق مع الفلسطينيين، وهو الاتفاق لا بد أن يفضي حتماً الى تقسيم فلسطين القديمة ما بين الشعبين اللذين يطالبان بها ويدعي كل منهما أحقيته المطلقة فيها لأسباب تاريخية مختلفة. ولذلك كان لا مفر من التنازل عن الأرض مقابل السلام. ألم يكن ذلك هو ما فعله في 1979 مناحيم بيغن نفسه زعيم الليكود عندما قبل، مقابل علاقات طبيعية مع مصر، برد سيناء اليها، تلك الأرض التي سلم فيها الرب لموسى ألواح الوصايا العشر. تلك هي الرؤية التي بلورت سياسة حزب العمل تجاه الفلسطينيين منذ وصوله الى الحكم، فعندما، بعد ثلاث سنوات ونصف، انتقل الحكم الى خصومهم كانت عملية السلام التي شرعوا فيها مع منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات قد وصلت الى منتصف الطريق، حيث كانت السلطة التي نصبها هذا الأخير على أراضي غزة وأريحا أولاً قد بدأت تمارس مهامها بعد التوقيع على اتفاقات أوسلو، ثم بعد ذلك على ست مدن أخرى في الضفة الغربية (جنين، وطولكرم، ونابلس، وقلقيلية ورام الله وبيت لحم) في ديسمبر من العام 1995، والتي سرعان ما أضيف اليها الجزء الأكبر من مدينة الخليل. فقد انسحب الجيش الإسرائيلي من كل هذه الأراضي ومن غزة أيضاً. غير أن مدينة القدس في المقابل لم تخضع يوماً للتفاوض ما بين الطرفين ولم تجر في شأنها سوى نقاشات ومشاورات سرية وغير رسمية، وقد كان على الطرفين على الخصوص أن يشرعا أيضاً ابتداءً من نهاية ذلك العام في المفاوضات التي نصت عليها اتفاقات أوسلو والتي كان المقرر انهاؤها بعد ثلاث سنوات من بدء تلك المفاوضات، حول مستقبل كافة الأراضي المحتلة ووضعها القانوني النهائي، أي حول استقلال فلسطين المرتقب. وفضلاً عن ذلك فقد انطلقت تحت اشراف الولايات المتحدة جولة من المباحثات ما بين الإسرائيليين والسوريين حول مستقبل الجولان ومصير العلاقات ما بين القدس ودمشق. وفي المقابل علقت معظم البلدان العربية الاسلامية، فعلياً اجراءات ضغوطها الاقتصادية على إسرائيل التي استأنفت معها معظم دول العالم الثالث ولا سيما بلدان افريقيا علاقاتها الدبلوماسية المعلقة جميعها تقريباً منذ نحو عشرين عاماً. وقد ضمت القائمة ثماني دول من بين أعضاء جامعة الدول العربية، أي 21 دولة، وأخيراً وكنتيجة لهذه الخطوات السلمية بدأت الاستثمارات الأجنبية تنمو بوتيرة سريعة وصلت الى 7%، وعلى هذا النحو بدأت رؤية شيمون بيريز تتحول الى واقع رغم العداء السافر لايران والعراق والعربية السعودية وسوريا، وكذلك المنظمات الفلسطينية أو التنظيمات المؤيدة لها الأكثر تشدداً، مثل حزب الله الذي لا تنقطع هجوماته على الجليل الأعلى انطلاقاً من قواعده في لبنان وحماس المسئولة على الخصوص عن العمليات الانتحارية الدامية على مدى السنوات الأخيرة. سياسة نتانياهو منذ فوزه في 29 مايو عام 1996 انتهج نتانياهو سياسة متطرفة اختلفت اختلافاً جوهرياً عن نهج سلفه، استوحاها من مبادئ دينية بحتة، حيث قال زعيم الليكود هذا عشية انتخابه: «هذا هو البلد الذي أعطانا الله اياه، وهو يمتد من البحر الى نهر الأردن» انها سياسة توسعية اذن تقوم على الاعتقاد بأن الكيفية الوحيدة التي تخلد بها إسرائيل وجودها في المنطقة هي أن تدعم هذا الوجود أولاً في الضفة الغربية، وقد أدى هذا الموقف المتطرف الجديد الى عودة التوتر الى علاقات إسرائيل بجيرانها العرب، وظل الوضع على هذه الحال لبعض الوقت الى أن رضخ هؤلاء الجيران للأمر الواقع مثل الفلسطينيين الذي قبلوا في الأخير بحكم ذاتي محدود جغرافياً ومؤسساتياً أيضاً لاحق لهم فيه في أن يقيموا دولة ذات سيادة. ولم يكن هذا الرضوخ بالنسبة للفلسطينيين تحديداً سوى العودة الى العمل بسياسة اتفاقات كامب ديفيد الموقعة في العام 1978 باشراف الرئيس كارتر ما بين مناحيم بيغن وأنور السادات، والتي ظلوا يرفضونها حتى تلك اللحظة، ولكن بالنسبة للحكومة الإسرائيلية آنذاك فإن ذلك يعني: «الأرض أولاً، أما السلام فسننظر فيه فيما بعد». ومن ثم اللاءات الثلاث التي ما فتئ نتانياهو يردّدها بقوة منذ حملته الانتخابية وحتى بعد انتخابه وزيراً أولاً: لا لقيام دولة فلسطينية، لا لتقسيم القدس التي يجب أن تظل عاصمة موحدة وأبدية، لا للانسحاب من الجولان السوري الذي يرى الليكود أن الاستمرار في احتلاله أمر استراتيجي لدعم مشروع إسرائيل الكبرى، الهدف الأول لقادة الدولة اليهودية الجدد. «إسرائيل الكبرى» أولاً وأخيراً ! وعن هذا التصور المتعارض كلياً مع رؤية شيمون بيريز نتجت كل القرارات الجديدة المتخذة منذ وصول نتانياهو الى الحكم سواء ازاء السلطة الفلسطينية أو جيران إسرائيل العرب، أو تجاه شركائها الأجانب بوجه عام. رمزياً، انتظر رئيس الوزراء الإسرائيلي منذ وصوله الى السلطة، أكثر من ثلاثة أشهر قبل أن يلتقي لأول مرة بياسر عرفات الذي لم يتصل به حتى تلك اللحظة الا من خلال وزيره للشئون الخارجية ديفيد ليفي الذي كان قد أوفده اليه في زيارة جد شكلية، أو لأسباب عملية من خلال بعض مستشاريه، حتى يسجل منذ البداية نوعاً من «الاهانة الدبلوماسية» لذلك الذي أصبح على العكس المتحدث الأول باسم سلفه. ومن ناحية أخرى فسرعان ما أصبحت منظمة التحرير الفلسطينية تحت تهديد العواقب الاقتصادية والاجتماعية الوخيمة نتيجة الاستمرار في فرض الحصار على غزة الذي فرض بعد عمليات فبراير 1996 الانتحارية، والذي لم يرفع عنها منذ ذلك الوقت الا بشكل متقطع بحسب هوى إسرائيل ونزواتها. غير أن المماطلات التي شهدتها المفاوضات حول الانسحاب الجزئي من الخليل من قبل الجيش الإسرائيلي الذي نصت عليه اتفاقات أوسلو أيضاً والذي ما فتئت تعارضه حفنة من المستوطنين اليهود المتزمتين، التي لم تفض الى نتائج الا في بداية شهر يناير 1977، ثم على الخصوص قرار استئناف سياسة توسيع المستوطنات في الضفة الغربية (يهودا والسامرة) هي التي كشفت عن النوايا الحقيقية لنتانياهو وحكومته. فمن الأهداف المعلنة لاستئناف سياسة الاستيطان هذه التي عهد بها من قبل لزعيم المتطرفين القوميين من دعاة الاستيطان، أرييل شارون الذي أثبت بطولته فيها قبل 1992، توفير الشروط الملائمة لتوطين ثلاث مئة ألف مستوطن جديد في الأراضي المحتلة حيث يقيم أكثر من 150 ألف إسرائيلي على أراض انتزعت أصلاً من الفلسطينيين. فمنذ أن أصبح وزيراً للبنية التحتية الوطنية شرع أرييل شارون في انجاز مشروع واسع من الطرقات والطرق السريعة الجديدة المخصصة لربط هذه المستوطنات بعضها بالبعض الآخر، ومن هنا بتر شارون الضفة الغربية العربية بتراً حتى لا يفكر أحد في جعلها يوماً قاعدة اقليمية لأي دولة فلسطينية مستقلة محتملة. تقويض أوسلو في اطار هذه السياسة الراديكالية المعارضة لكل الطموحات الوطنية الفلسطينية جاء القراران المستفزان اللذان لا يخلوان من عواقب وخيمة ليقوضا عملية أوسلو برمتها: لقد أمر نتانياهو في سبتمبر عام 1976، في سعي منه لمنح «تعويضات» للجناح المتشدد في حكومة عن الانسحاب الجزئي من الخليل، باعادة فتح نفق يهودي قديم تحت ساحة المساجد في الحي العربي القديم من مدينة القدس مما أدى الى انفجار أعمال عنف دامية، ثم بعد ذلك بستة أشهر في مارس عام 1977، ببناء حي يهودي جديد يضم 6500 مسكن على تل أبو غنيم (هارحوما بالعبرية) في الجنوب الشرقي من المدينة المقدسة، وهو ما سينهي الاقفال الكامل للقدس العربية التي يسعى نتانياهو بكل الكيفيات المتاحة له لافراغها من سكانها الفلسطينيين المقيمين فيها منذ قرون طويلة. وأثناء ذلك تسربت الى الصحافة الإسرائيلية أنباء دقيقة ومنذرة بالخطر مفادها أن الدولة اليهودية لا يسعها أن تعيد الى الكيان الفلسطيني يوم يقبل هذا الأخير بذلك، في الحال أو بعد حين، سوى 40% من أراضي الضفة الغربية المحتلة منذ 1967، وهو ما لا يتعارض مع اتفاقات أوسلو فحسب بل أيضاً مع جميع قرارات هيئة الأمم المتحدة الصادرة في هذا الشأن. وأكثر من ذلك فلم يتحدث نتانياهو منذ توليه الحكم سوى عن نسبة مئوية أقل بذلك بكثير. هذا فضلاً عما تثيره من حين لآخر «اشاعات» أخرى من خشية لدى الفلسطينيين من أن يعيد الجيش الإسرائيلي احتلاله لمدن الضفة الغربية المعادة اليهم. وعلى أية حال فلا أحد يعنى في القدس بالرأي العام العالمي في هذا الشأن، حيث يراهن الإسرائيليون على انقسامات الدول العربية المجاورة وعلى مصاعبها الداخلية حتى لا تعارض هذه السياسة أبعد من بعض التصريحات المبدئية، فقد صارت إسرائيل أكثر من أي وقت مضى توزّع البسمات على الملك حسين ملك الأردن الذي كان دوماً يحذر الفلسطينيين الذين يمثلون الأغلبية في بلده، ولم تبخل إسرائيل بالوعود الكاذبة على الرئيس مبارك الذي تشغله هموم أخرى والذي يتمنى في الوقت نفسه فرض المزيد من الثقل السياسي في محيطه. لكن أمل إسرائيل في الوصول الى أهدافها التوسعية، يظل كما نعلّم، معلقاً على الأميركيين أولاً وأخيراً. لكن على الرغم من الازعاج الذي يسببه لهم عناد إسرائيل وتصلبها تظل مناورات الايرانيين والعراقيين هو أكثر ما يشغلهم ويكدر صفوهم. وفوق ذلك فقد ساعد تعيين مادلين أولبرايت على رأس الخارجية الأميركية خلفاً لوارين كريستوفر على تغيير سياستهم تغييراً عميقاً حيث تبنوا موقفاً أكثر سلبية يتعارض مع التزاماتهم السابقة، فبينما كان سلفها يتردّد على المنطقة في كل آنٍ وبكل صدر رحب فلم تتوجه أولبرايت التي حكمت على اتفاقات أوسلو بالبوار أو الموت، الى منطقة الشرق الأوسط الذي بات أكثر انفجاراً وتأزماً على اثر عمليات يوليو 1997 الانتحارية، وبعد كثير من التردّد الاّ في شهر سبتمبر 1997 أي بعد مرور أكثر من عام على تعيينها. الجعجعة والطحن أما الأوروبيون الذين يفضلون الجعجعة على الطحين فلا أحد يحمل أقوالهم على محمل من الجد، وكذلك الأمر بالنسبة للروس الذين حكمت عليهم عواقب وضعهم الداخلي المشؤوم بالشلل الى أمد غير محدود، فصاروا لا يبالون بمصير اليهود والفلسطينيين حتى وان ظل ممثلوهم في الأمم المتحدة يدّعون عكس ذلك. وبالاختصار فقد صار نتانياهو الذي دخل باصرار وتصميم في سباق مع الزمن حتى يخلق وضعاً لا رجعة فيه، يماطل ويسوّف الجميع بوعود عابثة في انتظار حصوله على مبتغاه والفوز على الجميع. ولكن ألا يهدّد نتانياهو الذي أباح لنفسه كل المحظورات باثارة العاصفة؟ عاصفة قد تبتلعه وتطويه في جوفها؟ ألم يعد يلعب بنارٍ قد يعجز عن اخمادها؟ لا تحشر قطّاً في زاوية !» هكذا يقول مثل انجليزي، لأن القط لن يجد من ملاذ سوى الهجوم عليك بعد أن يخرج كل مخالبه. فالتاريخ المعاصر حافل بالانتفاضات الغاضبة لشعوب مستعمرة مقهورة مذلولة، ثارت وهي لا تكاد تملك في يدها شيئاً الى أن حققت النصر النهائي. لقد كان لعودة القائد الروحي لحماس، الشيخ أحمد ياسين الى غزة يوم 6 أكتوبر عام 1977 وقع سيئ على إسرائيل التي باتت تخشى أجراس الانذار والتحذير التي بات يقرعها. فبعد أن أطلق سراحه من السجون الإسرائيلية بطلب ملح من الملك حسين الذي اشترط هذا العتق كتعويض على عملية فاشلة من الموساد الإسرائيلي في عمان محاولة اغتيال مسئول آخر في حماس هو خالد مشعل، لم يبق أمام أحمد ياسين الا أن يعرض على منافسه القديم عرفات، مزايدة تحمل ما بين طياتها الكثير من المخاطر وتستمر المسيرة الصعبة. في اسطنبول منذ أعوام، وفي قلب اسطنبول التاريخي، على ساحة تسكيم (الخزان) الكبرى، عند نهاية شارع الاستقلال، الشريان الأكثر ازدحاماً في مدينة قسطنطين العتيقة والذي يربط هذه الساحة بحي غالاتا القديم، على القرن الذهبي المنتفخ بـ «مياه أوروبا الصافية» عند مصب البوسفور، قلت منذ أعوام وفي هذا المكان كان من المتوقع أن يقام مسجد عملاق جديد قبالة نصب مصطفى أتاتورك (أب الأتراك) أكبر ملتقى التجمعات اليسارية العلمانية منذ وفاة مؤسس تركيا الحديثة عام 1938، لكن الانقلاب الذي أسقط في يونيو 1997 الحكومة ذات التوجه الاسلامي التي قادت البلاد لفترة قصيرة لم تتعدّ العام الواحد وقاده الجيش حامي المؤسسات الجمهورية التي لم تنج مع ذلك من اساءاته المتكررة هو الذي أهمل ذلك المشروع الذي رأى فيه تحدياً لشرعيته التاريخية واستفزازاً لمهابته. ولكن ألا يأتي من يعيد الاعتبار يوماً للمشروع ويأخذ بناء المسجد على عاتقه من جديد؟ ساحة تسكيم الواقعة في بيوغلو أو بيرا القديمة المتكونة من مزيج من الضواحي والشوارع والأحياء هي عبارة عن مركز جامع لأجناس مختلفة ورئة ثقافية لعاصمة العثمانيين القديمة حامية المضايق ابتداءً من جبل توبكابي (باب القانون) والمزدحمة اليوم بأكثر من 15 مليون نسمة قدموا من شرق الأناضول وغزوا الاسطنبوليين الأصليين وأخيراً أوصلوا عام 1994 الاسلامي المتشدد الطيب آردوغان الى سدة الحكم على رأس بلدية هذه العاصمة العملاقة، ثم الى ما يتجاوزها لاحقاً، غير أنه على الرغم من هذا الانتصار فقد كانت بيوغلو تضم قبل هذا الانقلاب من المكتبات والمراكز الثقافية الحديثة أكثر مما هو موجود في باقي أحياء المدينة. وكانت الكنائس المسيحية الكاثوليكية أو الأرثوذكسية وحتى المعابد اليهودية لا تقل فيها كمّاً عن المساجد الاسلامية، وكان فيها من الفنادق العالمية ومن الخمارات والمطاعم والحانات الليلية ما يضاهي المراكز القرآنية. وتكتفي النساء المتحجبات اللواتي اختلطن بفتيات الميني جيب بالاطراق وغض الطرف كلما اضطررن لقطع شارع الزهور المزدحم بالعشاق وهم يتناولون لكوكوريس (كرش الخروف) المسقي بـ «الراكي». ففي هذه الطرقات لا تزال تنتصب القصور الفخمة التي كانت تأوي سفارات دول أوروبا القديمة وقد تحولت الى قنصليات جد واسعة منذ انتقال العاصمة الى أنقرة. كما يوجد أيضاً ثانوية «جالاتاساراي» الفرنكوتركية التي مرّ على بنائها أكثر من قرن والتي لا تزال الى اليوم تخرّج جزءاً هاماً من نخبة المستقبل في البلاد، ولكن الى متى سيظل هذان العالمان المختلفان يتعايشان في سلام؟ والى متى سيظل جامع سانت صوفيا مغلقاً في وجه دين محمد بعد أن حوّل الى متحف منذ أكثر من سبعين عاماً؟ منذ بضع سنوات طفت على السطح تركيا جديدة ومضطربة باتت ترفض كل مبادئ الدولة العلمانية الكبرى التي استند اليها مصطفى كمال غداة الحرب العالمية الأولى في اعادة بناء البلاد على أنقاض الامبراطورية العثمانية المنهارة، وفي ذلك الوقت وبعد سنوات طويلة من الانطواء والعزلة صارت تركيا اليوم تنظر في اتجاه أوروبا ولا سيما ناحية البلقان، ونحو آسيا وبخاصة نحو القوقاز وتركستان القيصرية القديمة، وأخيراً نحو الشرق الأوسط دون أن تستعيد في سبيل ذلك الوسائل الهائلة التي كانت تمتلكها أيام أوجها وعزها رغم ما حققته منذ خمسين عاماً من تطور وعصرنة. فقد أفضى هذا التطور الى سياسة داخلية جائرة ومضطربة وسياسة خارجية أكثر طموحاً، غير أن هاتين السياستين الجديدتين لا ينبغي أن يغرب عن بالنا في السياق الاستراتيجي الجديد المتولد عن انتهاء الحرب الباردة أن تركيا قد باتت بحكم موقعها الجغرافي واحداً من أكبر ملتقيات التاريخ في عصرنا الحالي. فمنذ نهاية القرن الثامن عشر الذي كان يشهد بداية انحطاط التاريخ شرع الأتراك تدريجياً في محاولة منهم لتجاوز عواقب هذا الانحطاط من «غوربة» بلادهم (أي في اعتناق وتبني قيم الغرب السياسية والفكرية وغيرها وتفضيلها على قيم الشرق) (علماً بأن المصطلح من اشتقاقهم). وقد انطوى هذا التحول بالضرورة على تطبيق المبادئ العلمانية والتخلي عن الهيمنة الجوهرية للاسلام، حتى قبل أن يقروا بتركيتهم. «هل أنت مسلم؟ الحمد لله أنني مسلم !» هذه العبارة كانت في كل مدن الامبراطورية هي التحية الشائعة التي يتبادلها الناس في بداية القرن الماضي (العشرين) بينما كانت كلمة «تركي» لا تطلق الا على رجل الريف الغليظ الفظ. فعلى الرغم من ارادته الحقيقية في الاصلاحات التي شهدت أبهى فتراتها في منتصف القرن التاسع عشر لم يسع الباب العالي يوماً أن يخرج من هذه التناقضات. فقد كانت الامبراطورية العثمانية ليلة قيام الحرب العالمية الأولى وأكثر من أي وقت آخر «رجل أوروبا المريض» الذي شلته تقاليده القديمة برغم جهود جيل الشباب من الأتراك الذين فرضوا أنفسهم على السلطان ضد «أصحاب العمائم الكبار» ابتداء من العام 1908 أي في وقت متأخر جداً. على أنقاض امبراطورية لقد أدت الهزيمة التي منيت بها الامبراطوريات الوسطى الألمانية والنمساوية الهنغارية التي ساندتها الامبراطورية العثمانية ـ ووصول مصطفى كمال الى سدة الحكم الى تغيير مجرى الأمور تغييراً جذرياً. ففي سنوات وجيزة استطاع هذا الضابط العصراني العنيد الذي ولد في سالونيك وهي لا تزال تحت الاحتلال التركي وبعد أن أصبح البطل المنتصر في مقاومة التفكيك النهائي للامبراطورية القديمة، أن يخلع في خضم الأحداث السلطان ثم الخليفة ويعلن عن قيام الجمهورية التي أصبح أول رئيس لها عام 1923. وبذلك استطاع أن يفرض على الأتراك ثورة راديكالية لا تقل من أوجه عديدة عن تلك التي كان البلشفيون يجرون روسيا اليها في ذات الوقت. فلم تكتف الثورة «الكمالية» (نسبة الى كمال أتاتورك) بالفعل بالغاء السلطان، وبكسر النظام الاقتصادي للدين، أي هيمنة رأس المال الأجنبي، بل ولقد غيرت أيضاً الأبجدية العربية وجزءاً من اللغة والتقويم والأوزان والقياسات، والقانون المدني وكذلك العادات والتقاليد التي ألغت على الخصوص تعدّد الزوجات، وقد فرضت طريقة جديدة للملبس ذات طابع عصري شعبي، كما ألغت الكوزموبوليتانية «أي الطابع العالمي» (وهي الطريقة العالمية في تفكير المواطن وسلوكه) مثلما ألغيت العادات الاسلامية في ذات الوقت، حيث لا حجاب ولا نقاب ولا طربوش ولا عمامة ! فلم تكن تلك الثورة ثورة سياسية واقتصادية وحسب بل ثورة ثقافية جذرية ذهبت على الخصوص أبعد بكثير مما ذهبت اليه نظيرتها الثورة الروسية في اهدار الدين ومحاولة القضاء عليه. فقد بنى مصطفى كمال على أنقاض الامبراطورية العثمانية القديمة دولة الأمة التركية العصرية العلمانية (ففي ذهنه لم يكن يمكن فصل هذه عن تلك). فبعد أن قبل بتراجع جغرافي تدريجي فرضته على مدى قرنين أو ثلاثة كل من النمسا وهنغاريا وانجلترا وفرنسا وروسيا، باستثناء ممرّ أوروبي عند تخوم اليونان وبلغاريا، وبفقده لكل ممتلكات القسطنطينية القديمة الشرق أوسطية، فقد أقام مصطفى كمال دولته الفتية من جديد على هضبة الأناضول الواسعة ـ التي ظل الأتراك يهيمنون عليها على مدى تسعة قرون ـ وعلى محيطها المباشر، بعد أن طرد منها الاغريق دون هوادة وأباد الأرمن وأذل الأكراد حتى لا يترك مجالاً للحكم لغير العنصر التركي. وبعد أن تنازل أيضاً وعن طواعية عن العلم الطوراني لِ «الشبان الأتراك» الموجه نحو آسيا الوسطى الأصلية، فقد اختار تركيا ضمن البلد الواحد في ذات الوقت الذي اختار فيه لينين وستالين بناء «الاشتراكية في بلد واحد» غير أنه بينما ظلت بلاد السوفييت بلاداً متعددة القوميات بعد أن أخذت على عاتقها الارث القيصري فقد اختارت تركيا أن تكون تركية خالصة ولا شيء غير ذلك. وبانشائه للرجل التركي الحديث المعتز الفخور بهويته أنشأ مصطفى كمال الذي أصبح «أب الأتراك» تركيا الحديثة. كم يسعدني أن أكون تركياً ! هو الشعار الذي غطى واجهات المباني العامة للبلاد في ذلك الوقت وتغنى به أطفال المدارس الصغار. وعند وفاته عام 1938 قضى عليه وهو لا يزال في متوسط العمر (ثمانية وخمسون عاماً) داء الاستقرار (مرض يتلف الكبد) الذي يشهد على قوة غوربته (أي تطبيقه للقيم الغربية) ترك أتاتورك وراءه آثاراً هائلة بدت قادرة على الصمود عبر الزمن وواصلها من بعده حتى عام 1950 أكثر المخلصين اليه من الضباط الكبار الملازم عصمت اينونو.