الاثنين 26 صفر 1424 هـ الموافق 28 ابريل 2003 منذ الايام الأولى في الحرب العراقية لعبت المحطات الفضائية العربية دور البطولة في رسم صورة بغداد للعالم، كما منحت العالم العربي لأول مرة تغطية خاصة لأحداث صراع إقليمي، وحظيت بالاستحسان والتقدير لتغطياتها الجسورة. يبدو ان محطات التلفزة الفضائية العربية الجديدة، التي تألقت في حرب العراق، تمنح المنطقة نسخة حديثة في احد المقومات الاساسية للديمقراطية، ألا وهو الصحافة الحرة التي لم يعرفها العالم العربي عملياً إلا من خلال تلك المحطات. لكن ما الدور الذي ستلعبه تلك القنوات الفضائية بعد ان انتهت الحرب، وغدت مضطرة الى توجيه تغطياتها الى القضايا المحلية المثيرة للجدال؟ التقليد الشرق أوسطي في اخضاع وسائل الاعلام لسيطرة حكومية صارمة كسر لأول مرة في أوائل التسعينيات، عندما جلبت أطباق التقاط اشارت الأقمار الصناعية بث محطات التلفزة الاجنبية إلى البيوت العربية. وفي عام 1996 اسست حكومة قطر أول محطة عربية فضائية أخبارية متخصصة، وهي «الجزيرة». وكانت قضية تأسيس إعلام أكثر استقلالية وامتداداً على المستوى الاقليمي عنصراً حاسما في الحملة التي قادها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير قطر، لتحويل بلده الى ديمقراطية عصرية. وكان من اول المراسيم التي اصدرها بعد توليه السلطة في عام 1995، اصدار قرار تأسيس «الجزيرة» وفي الوقت ذاته الغاء وزارة الاعلام القطرية. ومنذ ذلك الحين انفقت قطر على المحطة الفضائية مبلغ 150 مليون دولار، ولايزال أمير قطر يدفع تكاليف تشغيلها السنوية التي تبلغ 30 مليون دولار أو أكثر. كشفت الجماهيرية الكبيرة التي حظيت بها «الجزيرة» فور اطلاقها عن مدى تعطش العالم العربي للمعلومات البعيدة عن قبضة الرقابة، وخلال سبعة اعوام نمت المحطة لتجتذب اكثر من نصف اجمالي جمهور الاخبار التلفزيونية في المنطقة. وحتى قبل ارتفاع معدلات المتابعة الجماهيرية للمحطة في الحملة الاميركية على افغانستان عام 2001، كانت الجزيرة تجتذب 35 مليون مشاهد في الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وأماكن اخرى في العالم. ومعظم تلك المحطات لا تعمل بحافز تحقيق الربح التجاري ـ وهو ضئيل جدا ـ بل هي مدعومة من حكومات ترى مصالح لسياساتها الخارجية في بث منظورها المحدد في الاخبار. والسبب الرئيسي وراء نجاح «الجزيرة» هو ان مقاربتها للتغطيات الاخبارية تمنحها مصداقية لدى المشاهدين العرب، بحيث لن يستطيع المنافسون الاقليميون مضاهاتها طالما انهم مجبرون على العمل تحت سقف الرقابة الحكومية. وثقافة الرقابة تلك لاتزال متأصلة في العالم العربي ففي تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة العام الماضي، حل العالم العربي في الترتيب الأخير فيما يتعلق بالاستقلال الاعلامي. وحتى محطة الجزيرة ذاتها فبرغم انها تستطيع بث تغطيات غير مقيدة عن أفعال الحكومات المجاورة، فهي تواجه رقابة في تغطية القضايا السياسية القطرية. وعلى الارجح ، فإن القطاع الخاص لن يكون عوناً كبيراً في الميدان الاعلامي على اعتبار انه خاضع الى حد كبير لسيطرة اعتبارات الربح والخسارة. ومن ناحية اخرى فإن تكاليف انشاء مؤسسات اعلامية كبيرة تعد باهظة جداً، ونفور المعلنين في المواد المثيرة للجدل سوف يجعل من الصعب ادخال عائدات مالية مبكرة. اضف الى ذلك ان اصحاب المشاريع المستقلين قد يواجهون صعوبات في اقناع البنوك التي ترعاها الحكومات بتمويل انشاء محطات فضائية على نسق الجزيرة. وكذلك فانه من غير المحتمل استقطاب استثمارات من خارج الشرق الاوسط، لأن المنطقة فاشلة منذ زمن بعيد في اجتذاب المستثمرين الاجانب، باستثناء، قطاعي النفط والغاز. وربما تستطيع قنوات اخبارية مستقلة صغيرة، على غرار محطة «إيه تي في» التي انشئت مؤخراً في لندن، لكن صغرها سوف يحد من تأثيرها السياسي. لكن على الرغم من كل ما قيل، فإن هناك ما يدعو للتفاؤل بالنسبة لاي جهة مستعدة للاستثمار على المدى الطويل في هذا الميدان الشائك. فالتغيرات الديموغرافية التي تغذي عملية التحرر، ستؤدي بالنتيجة الى ازدياد الطلب على المعلومات المتحررة من سلطة الرقابة. ويوجد في بلدان الشرق الاوسط بعض اعلى معدلات النمو السكاني في العالم ـ اكثر من ثلث العرب هم دون سن الرابعة عشرة وهذا الجيل الجديد فتحت امامه مصادر معلومات اعرض نطاقاً من كل مصادر المعلومات، التي اتيحت لسلفة. وبطبيعة الحال فإن هذا الجيل سيكون اكثر نفوراً من قبول آراء الصحافة الخاضعة للرقابة. وعلاوة على ذلك فان هؤلاء العرب اليافعين مؤهلون للبحث عن الاخبار فيما وراء حدوث التلفزيون. فبوجود الانترنت كساحة جديدة للتنافس بين وسائل الاعلام، تشعر حتى المحطات المملوكة للدولة. بضغوط متزايدة لتقديم تغطياتها بأسلوب غير متميز، وإلا فانها معرضة لخطر التجاهل اذا لم تفعل ذلك. وسواء اكانت خاصة أم حكومية أم مزيجا بين الاثنين فإن أول محطات تفهم رسالة «قل الحقيقة وإلا فلن يصغي إليك أحد» ستجد جمهوراً متحمساً. ترجمة: علي محمد _ خدمة «نيويورك تايمز» خاص لـ «البيان»