الاثنين 26 صفر 1424 هـ الموافق 28 ابريل 2003 أقل من نصف سنة في بدلة مدنية كانت كافية لتعليم شاؤول موفاز بأن مفهوم «دعوا الجيش الاسرائيلي ينتصر» قد أفلس. فدعمه للامكانية السياسية ما هي الا احدى المؤشرات فقط الى أن وزير الدفاع يفهم بأن الاحتلال لا يهدد أمن مواطني نتانيا فقط، فبدوره كعضو مسئول في الحكومة، يترتب على موفاز أن ينظر الى الميزانيات الشحيحة في التربية والصحة. فوفق قسم البحث في بنك اسرائيل، يصل ثمن الانتفاضة في سنة 2002 الى 6,14-9,17 مليار شيقل. وهذا نتيجة هبوط الاستثمار المحلي الخام، الاستهلاك الشخصي والتصدير، ونتيجة لارتفاع مصاريف الأمن أيضا. هذا كاف لتفسير الصلة بين ارتفاع نسبة البطالة في جنين وبين ارتفاع نسبة البطالة في اوفكيم، بين منع التجول في نابلس وبين الاضراب في الناصرة. وبهذا فان سنة أو سنتين بعد من النزاع في المناطق لن تترك للحكومة مكانا لتقلص منه. لقد بدأ الوضع المادي يؤثر باليمين «اللين» وهذا ما لم يفعله الوضع الأمني، السياسي والأخلاقي بهم منذ عشرات السنين من «الاحتلال المتنور». فيعود أرييل شارون ويكرر ـ بالنقاشات الشخصية والعلنية ـ بأنه لا يوجد مخرج من الأزمة بدون أفق سياسي. فهو يعلم بأن الفرحة التي قوبلت بها مؤشرات واشنطن بخصوص تأخير نشر «خارطة الطرق» ما هي الى فرحة فقراء. وحتى التقديرات بأن بوش سيفضل خذلان أصدقائه من حزب العمل البريطاني على اغضاب أصدقائه من اليمين المسيحي اليهودي، لم تصدر منه تعبيرا عن الارتياح. فحين تغلي طنجرة في البيت، لا داعي لضغط خارجي لاخماد النار. ان مشكلة شارون وأصدقائه باليمين كانت وما زالت ان أفقهم السياسي لا يقترب من الأفق السياسي الفلسطيني المعتدل مثل دكتور نسيبة. وتركيبة الحكومة الحالية تمكن شارون، بصعوبة أيضا، من ادارة حوار على تعديلات في «خارطة الطرق». فحتى لو تفضلت الحكومة بالاعتراف بثلاثة تجمعات كـ «دولة مستقلة»، فان البعد من هناك وحتى التوقعات الفلسطينية الدنيا أكبر من البعد بين غزة وجنوب أفريقيا. فقد هدد وزراء المفدال بالاستقالة من الائتلاف لأن اولمرت أخرج مشرفي السبت من مراكز الشراء. وسينصرفون من الائتلاف حين تطلب الحكومة المصادقة على ادخال مراقبين أميركيين الى المناطق. وحذر الاتحاد الوطني بأن بند تجميد المستوطنات في «خارطة الطرق» سوف يعيدهم الى مقاعد المعارضة. لحسن حظ رئيس الحكومة، فان معظم أعضاء حزب العمل في الكنيست سيفرحون للانتقال الى الكراسي اللينة التابعة للوزراء افيجدور ليبرمان، بيني الون وايفي ايتام. فعمرام متسناع يبث نداءات استغاثة من مكتب رئيس الحزب في حي هتكفا، لأن الحرب لم تزود متسناع بلوحة قفز الى «حكومة طوارئ». ان «خارطة الطرق» وسلسلة «التسهيلات» الانسانية التي سترافق تقديم حكومة أبو مازن، ستكون فرصته للانضمام الى «حكومة السلام». ان مهمة تركيب الحكومة قد أظهرت بأن شارون يستجيب بشكل صائب للضغوطات المتغيرة (انظروا الى تعيين سيلفان شالوم كوزير للخارجية والغنيمة الكبيرة التي سقطت في حضن ايهود اولمرت). هذا وان الأزمة الاقتصادية ـ اجتماعية تأخذ مكان المستوطنين في خارطة الضغوطات لدى رئيس الحكومة، وتزداد معها ضرورة ايجاد شركاء جدد للتحركات السياسية. ففي اللقاءات مع شارون، قبل تركيب الحكومة، قام متسناع بخزن تعهده بأن لا يدخل حكومة ترفض الخروج من قطاع غزة. منذ ذلك الوقت سحق منصبة السياسي والشخصي، وكذلك باقي طلباته. ان السؤال الان ليس ان كان شارون سيعرض قريبا على حزب العمل العودة الى الحكومة، ولكن تحت أي شروط سياسية يمكنه أن يقبل العرض. هل سيضع حزب العمل جدول أوقات لمحادثات جدية لترتيبات انهاء الاحتلال، أم سيعود ويخضع بسهولة للشعارات الفارغة أمثال «تنازلات مؤلمة»؟. هل الحزب الذي يفخر بحمل اسم «العمل» سيتنازل ثانية عن الوزارات «الاجتماعية» لصالح وظيفة شاؤول موفاز، بعد أن بدأ وزير الدفاع باستيعاب الصلة بين الأمن والاقتصاد؟ بقلم: عكيفا الدار _ عن «هآرتس»