الاثنين 26 صفر 1424 هـ الموافق 28 ابريل 2003 لم يسبق لمساعد رئيس اميركي ان تمتع بمثل السلطة والنفوذ الذين يتمتع بهما كارل روف في البيت الابيض الى جانب جورج بوش الابن وكان روف اقرب مستشاري بوش منذ حملته الانتخابية الاولى لتولى منصب حاكم ولاية تكساس ويقول مؤلف كتاب «عقل بوش»: كيف ادار كارل روف مسيرة جورج بوش الى الرئاسة، وهما جيمس مور وواين سليتر، انه طوال السنوات الست التي قضاها بوش حاكما لتكساس ما من شيء مهم كان يحدث من دون اذن من روف» ومع ذلك فان عمل روف هذا يجري وراء الكواليس، وهو نادرا ما يجري لقاءات تلفزيونية ومعظم نشاطاته تحدث تحت ستار من السرية، كما ان مسئولي البيت الابيض الآخرين يحجمون بقوة عن الحديث عما يفعله، فالبيت الابيض في عهد بوش اكثر انغلاقا من كل سابقيه في التاريخ المعاصر: بوش يكره الترسيبات، وهي التي يعتبرها مسئولة عن الاضرار بغرض اعادة انتخاب ابيه، وروف هو يده التي تفرض هذا السلوك على البيت الابيض. الى جانب هذه السيرة عن كارل روف التي اعدها صحافيان مخضرمان في تكساس عملا على تغطية نشاط هذا الثنائي منذ سنوات كثيرة هناك ايضا كتاب سبقه لصحافيين آخرين من تكساس هما دو دوبز وجان ريد اضافة للكاتب كارل كانون الذي يعمل لمجلة «ويكلي ستاندرو» المحافظة وجاء تحت عنوان «الفتى العبقري: كارل روف، العقل الكامن وراء الفوز السياسي المؤزر لجورج بوش». وطبعا الفتى العبقري هو اللقب الذي اطلقه بوش على روف، ويركز الكتابان على دور روف في سياسات تكساس وظهور بوش لكنهما يقطعان شوطا طيبا ايضا في مساعدتنا على فهم نجاح بوش في كسب الرئاسة. يتحدث الكتابان عن بدايات العلاقة بين بوش وروف والتي لم يلق عليها الضوء الا قليلا حتى الآن ويتابعان تطورها، ولد روف، الذي وصف نفسه بأنه «دودة كتب» ولا يحب شيئا اكثر من دراسة التاريخ السياسي وتحليل البيانات الانتخابية عام 1950 في كولورادو لعام في الجيولوجيا دأب على التنقل مع عائلته في انحاء البلاد ودرس في جامعة تكساس ثم جامعة جورج ماسون لكنه لم يحصل ابدا على اجازة جامعية وعلى العكس من ذلك فهو يتمتع بشخصية المحترف الذي قرأ كثيرا وخصوصا في التاريخ الاميركي. بدأ روف ببناء علاقاته السياسية المهمة حينما اصبح مسئولا في تجمع وطني هو «الجمعية الجمهورية» التي لها مئات الفروع في الجامعات وافرزت عددا من الناشطين السياسيين المشهورين المنتمين الى اليمين، عمل روف مع العديد منهم ومن بين هؤلاء الراحل لي اتوتر والراحل تيري دولان مؤسس اول منظمة سياسية يمينية متطورة، هي لجنة الوطنية المحافظة للعمل السياسي ورالف ريد المدير التنفيذي السابق للتحالف المسيحي والمستشار السياسي الصاعد حاليا وغروفر نوركويست مؤسس ورئيس جمعية اميركيون للاصلاح الضريبي ومنظم تحالف يضم حوالي مئة جماعة يمينية مكرسة كلها لتقليص دور الحكومة في المجتمع. عام 1973 وبمساعدة من آتوتر، نجح روف في الفوز بانتخابات رئاسة الجمعية الجمهورية، وتقول بعد المصدر ان روف يتذكر حتى اليوم من كان يؤيده ويعارضه في تلك الانتخابات ومن آتوتر الذي عمل في الكثير من انتخابات ساوث كارولينا وكان مسئولا عن معظم البربرية السافرة التي تعلم روف منها الكثير وتلك الخبرة اثبتت قيمتها البالغة في تحقيق فوز بوش الانتخابي عام 2000 كما علم آتوتر روف كيف يوظف معظم القضايا «التفريقية» مثل الوطنية والاعراف لتقسيم الجبهة المنافسة ولهذا بعد تعرض بوش لهزيمة قوية في ولاية نيوهامبشاير على يد منافسه جون ماكين، قام بوش بزيارة محسوبة لجامعة بوب جونز في ساوث كارولينا، التي تحظر على طلابها اقامة علاقات شخصية بين الاعراق ليحصل على اصوات الاصوليين. رئاسة روف للجمعية الجمهورية اواسط السبعينيات سمحت له بالتردد على مكاتب اللجنة القومية الجمهورية حينما كان يتولى رئاستها جورج بوش الاب، الذي وظفه حينها مساعدا شخصيا له. (احدى مهام روف حينها كانت اخفاء مفاتيح الاب، حينما يأتي ابنه الاكبر الى المدينة ويريد استخدام سيارة العائلة)، ثم انتقل روف لاحقا الى اوستن للعمل في الحملة الانتخابية الرئاسية لبوش الاب، وحينها رأى روف في جورج الابن، الذي كان حينها شريكا في ملكية فريق تكساس رانجرز للبيسبول رجلا واعدا سياسيا، واحس بأنه الاداة النموذجية ليحقق روف عن طريقه طموحة بالحصول على سلطة على المستوى القومي، وظل يحث جورج على الترشح لمنصب حاكم تكساس ثم الترشح للرئاسة لاحقا وهذا المستشار كما يفيد الكتابان كان اكثر طموحا بالنسبة لعميله مما كان طموح العميل لنفسه، وفي غضون ذلك اسس روف شركته الاستشارية السياسية والتجارية المربحة وقبل ذلك بوقت طويل نجح في اعادة تشكيل سياسات تكساس من العمق مما جعله يحول هذه الولاية الديمقراطية ذات مرة الى ولاية يهيمن الجمهوريون الذين يوجد مسئول منهم في كل منصب حكومي فيها، وكلهم تقريبا من عملاء روف. تبعا لما يؤكده الكتابين، كانت حياة روف كمدير سياسي تتميز منذ بدايتها بـ «الألاعيب القذرة» التي وصفها روف ذات مرة بأنها «حيل بيضاء». فقد تعلم من آتوتر على سبيل المثال، فاعلية حملات الاشاعات المغرضة ـ وهي نشر تهم دنيئة في الاذاعات او بالاتصالات الهاتفية المنظمة وايصال الاشاعات الكاذبة للناخبين عبر الهاتف تحت غطاء الحديث معهم من اجل استطلاعات الرأي او عبر التلاعب بصياغة الاسئلة، فحاكمة تكساس آن ريتشاردن التي هزمها جورج بوش عام 1994 في انتخابات الولاية قيل عنها انها سحاقية وجون ماكين اشارت له الاشاعات على انه مختل عقليا واب لطفل اسود. ماكين تبنى يتيما من بنغلاديش اما زبائن روف، وبينهم جورج بوش الابن، فكانوا دائما قادرين على البقاء نظيفين من مثل هذه التهم فيبرئون انفسهم بالقول انه ليست لهم علاقة بها، يقول مور وسليتر في «دماغ بوش»: «دائما ما كان المرشح الذي يعمل روف لصالحه قادرا على الجدل صادقا بأنه يقوم بحملة انتخابية نظيفة تركز على القضايا لان روف كان يثير الاوساخ في الجو دون ان يورط عميله في العملية فهو من كان يجري الاتصالات الهاتفية بالصحفيين ويوفر الوثائق ويضع بين ايدي اطراف ثالثة ادعاءات مسيئة للخصم وهذا السلوك الذي كان سائدا في الحملات الانتخابية المعاصرة، استطاع روف ان يهذبه ويرفع دقته اكثر. لكن روف يتخبط احيانا فلاستغراقه في دراسته للاحصائيات السياسية لم يتمكن من رؤية ان ماكين يتغلب على بوش في نيوهامبشاير الا بعد ان اصبح الوقت متأخرا جدا على فعل شيء تفوق عليه ماكين بثماني عشرة نقطة، ثم اتت معركة ساوث كارولينا للثأر، غير ان روف كان واثقا دوما في ان بوش يهزم ماكين الاقل تمويلا وتنظيما وحينما اتى وقت الانتخابات العامة، ارتكب روف خطأ آخر، حينما توقع ان بوش سيهزم غور بست نقاط ولزيادة ثقته بالنفس في الاسابيع الاخيرة سمح لبوش بأن يقوم بحملة انتخابية ترفيهية في كاليفورنيا ضيع فيها وقتا وموارد مرشحة على الرغم من انه ليست له اي فرص في الفوز هناك. وبعد الانتخابات عام 2000 لم يصبح روف مستشارا سياسيا للبيت الابيض فحسب بل قد تزعم اللجنة القومية الجمهورية واستطاع هو وبوش ان يفرضا مرشحهما المفضل رئيسا لها وهو حاكم مونتانا السابق مارك راشيكوت، الذي ساعد بوش كثيرا في عمليات اعادة فرز اصوات فلوريدا، وظهر مرات عديدة على التلفزيون ليدافع عن قضية بوش، والاطاحة برئيسها السابق جيمس غيلمور حاكم فيرجينيا السابق الذي اعتبراه غير كفء لهذا المنصب، غير ان روف في الحقيقة هو من يدير الجمعية القومية الجمهورية عبر نائب رئيسها جاك اوليفر الموالي القديم لعائلة بوش. وقبل حوالي عام من انتخابات 2000 تحالف روف مع غروفر نوركويست، السياسي الضاغط ضد الضرائب والشخصية الاكثر نفوذا في تنظيم اليمين الاميركي والذي بدونه ما كان لبوش ان يفوز بالانتخابات الرئاسية وربما لن يكون له ان يحتفظ برئاسته في انتخابات 2004 وعبر نوركويست لم يتمكن روف من الوصول الى اليمين فحسب وهو قاعدة الحزب الجمهوري، انما يحاول ايضاً ان يزيد من قاعدة بوش الانتحارية.. فكلا الرجلين خبير في بناء التحالفات ويحاولان معاً تجميع تحالف يضمن هيمنة جمهوري محافظة على السياسة الاميركية. ويمضي الاثنان لتحقيق ذلك في عدة سبل. فبينما تحابي التخفيضات الضريبية التي ينادي بها بوش، ونوركويست، الاغنياء جداً، فإن روف ونوركويست كانا يركزان ايضاً على استقطاب الشركات الصغيرة، التي تحتفظ بأحدى اقوى مجموعات الضغط في واشنطن والتي دائماً ما اراد اصحابها الغاء ضرائب العقارات (التي وصفها نوركويست بأنها ضريبة الموت). وهذا الهدف تحقق في اول قانون ضريبي لبوش، كما ان الشركات الصغيرة تجند تشريعه الضريبي الجديد. ويعمل روف ونوركويست بناء على فرضيته ان حملة الاسهم، الذين يمثلون حالياً حوالي 50 في المئة من العائلات الاميركية و 70 في المئة من الناخبين (الذين يمنحهم نوركويست «الطبقة المستثمرة») سيفضلون مقترحات بوش لالغاء الضريبة على العوائد الموزعة على حملة الاسهم. كما يتعاون الاثنان ايضاً لدفع مزيد من الجماعات العرقية على التصويت للجمهوريين، وليس الهسبان فحسب بل والمهاجرين المسلمين من الهند وباكستان ـ الذين يمتلك عدد كبير منهم، كما يلاحظ نوركويست، شركات صغيرة. وكان روف يتبع بحرص جهود نوركويست لتوسيع نفوذ تحالفه من جماعات اليمين بتأسيس فروع لها في مزيد من الولايات. وحينما يجتمع الاثنان، وهو ما يفعلانه كثيراً، يظهر نوركويست لروف خريطة توضح اماكن تواجد مجموعات تحالفه، وهناك الان ثلاثون منها، وقد حثه روف على تأسيس منظمات في وست فيرجينيا، وميسوري ونورث كارولينا وهي كلها ولايات مهمة لحملة اعادة انتخاب بوش. يقول عنه نوركويست «انه لا يكف عن الدفع في هذا الاتجاه». (اعتقد روف ان بوش قد يستطيع الفوز بأصوات وست فيرجينيا وهي الولاية الديمقراطية عادة، وبعد جهود مكثفة لم تقتصر على الاعلانات التلفزيونية فحسب، بل وثلاث زيارات للولاية قام بها المرشح واثنتان قام بها ديك تشيني وزيارة والدي بوش لها اضافة لشارلتون هستون الذي لقي فيها استقبال الابطال، فاز بوش بأصوات الولاية. يقول مور وسليتر: «لا قرار اخر اتخذه روف في حملة الانتخابات العامة عام 2000 يشرح بوضوح اكثر عبقريته السياسية») ويحضر روف 4 مرات سنوياً لقاءات نوركويست الاسبوعية صباحات الاربعاء مع حلفائه في واشنطن كما ادار حملات جمع تبرعات لمجموعة نوركويست. حملة بوش الانتخابية بالكاد تكون اول حملة خداع، لكن مستوى المكر فيها كان مدهشاً. فبعد ان فاز بترشيح الحزب له بمساعدة القاعدة المحافظة للحزب الجمهوري، ولادراكه بأن الانتخابات في الولايات المتحدة يفوز بها من يستطيع جذب من هم ليسوا ليبراليين متشددين ولا محافظين متشددين من الناخبين، بدأ بوش يزلق نفسه نحو الوسط، خصوصاً امام المصورين، مثل صورة العديد من الاطفال السود على سبيل المثال. واذكر انني حين ألمحت لنوركويست خلال حملة 2000 الانتخابية بأن بوش «يتحرك نحو الوسط» على نحو واضح، اسرع بتقويم تفكيري قائلاً ان بوش انما يفعل بالضبط ما يريده اليمين: دعم الخفض الضريبي والدفاع الصاروخي وخصخصة الضمان الاجتماعي و«الحق بالحياة». والقيود على تعويضات الاضرار (او «اصلاح القانون المدني») ومعارضة الحد من حرية حمل السلاح. روف كان يروج لاصلاح القانون المدني منذ سنين، ويرى في ذلك سلاحاً سياسياً فاعلاً. وحينما اقنع بوش بأن يتبناه في حملته الانتخابية الاولى للفوز بمنصب حاكم تكساس، كانت شركة فيليب موريس للتبغ احد زبائن شركته الاستشارية. فقد ادرك روف ان محامي قضايا التعويضات لا يدعمون الحزب الديمقراطي فحسب، بل يستطيعون ايضاً بعد ربحهم لاتعاب عالية من هذه الدعاوى ان يقدموا اسهامات مالية كبيرة لمرشحيهم المفضلين. وسيكون من مصلحة الجمهوريين القضاء على هذه الاتعاب التي يربحها المحامون الذين يترافعون ضد الشركات. وقد اصبح اصلاح القانون المدني الان قضية قومية للجمهوريين ايضاً. يقول نوركويست: «اذا كنت حزباً يدعم الشركات فسترغب في تقليص التعويضات الجزائية». وفي انتخابات منتصف المدة عام 2002، كان روف الاكثر نشاطاً بين كل المستشارين للبيت الابيض في تاريخه. فلم يكن فاعلاً في اختيار المرشحين لمجلس الشيوخ فحسب، بل كما في حالة اليزابيث دول في نورث كارولاينا، في اقناع الاخرين بعدم الترشيح. وفعل الشيء نفسه في تكساس. ومن مخيلة روف الخصبة، وقبل انتخابات 2002 التي كانت السيطرة على مجلس الشيوخ على المحك فيها بشهور، اتت فكرة توظيف معارضة الديمقراطيين لجزء من قانون تأسيس وزارة الامن الداخلي الذي يحرم موظفيها من اجراءات الحماية التقليدية لموظفي السلك الحكومي. وهذا الجزء كان ينظر له على انه طريقة لكسر قوة نقابة الموظفين الحكوميين التي تدعم الديمقراطيين. ونوركويست يرى في هذه النقابة قوة تدعم توسيع الحكومة. وقد وصف الديمقراطيون الذين عارضوا المواد المضادة للنقابة في القانون بأنهم «غير وطنيين». في البداية، كان الامر يبدو سخيفاً بناء حملة انتخابية حساسة جداً على قضية تأسيس وزارة جديدة. غير ان بوش كان مستعداً لذلك واثبتت العملية عبقرية روف السوداء بعد نجاح الاستراتيجيا. ففي خطاب القاه روف امام اللجنة القومية الجمهورية في يناير 2002، حث الجمهوريون على الانتفاع السياسي في حرب بوش على الارهاب مجادلاً بأن العامة يثقون بالجمهوريين اكثر حيال الدفاع القومي. وهناك اسباب تجعلنا نشك بأن اتخاذ القرار بتخويل بوش شن حرب على العراق كان مؤقتاً بشكل متعمد من جانب روف وبوش ليأتي مباشرة قبيل انتخابات نصف المدة 2002. وتهمة فقدان الوطنية هذه ساعدت في هزيمة عضو مجلس الشيوخ ماكس كليلاند الذي كان قد فقد ساقيه وذراعه في حرب فيتنام. طبعاً كان شيئاً تجديفياً اتهام كليلاند بالافتقار للوطنية، غير انه ليس من السهل ان يشعر روف وبوش بشيء من الاحراج. فبوش رغم ما يقول عن طباعة اللينة، ليس خصماً اكثر رحمة من معلمه فقد ظهر كليلاند في اعلان تلفزيوني وهو يتوسط صوراً لابن لادن وصدام حسين. وعضو مجلس الشيوخ تشوك هاجل وهو جندي سابق في حرب فيتنام الذي احس بالغضب الشديد من الاعلان هدد بأن يشن حملة اعلانية خاصة تمتدح كليلاند مالم يلغ ذلك الاعلان. وقد الغي بعد احتجاج هاجل الغاضب، لكن بعد وقوع الهجوم. الاعلان نفسه من الناحية الموضوعية تعرض ايضاً للديمقراطي تيم جونسون في مجلس الشيوخ الذي يخدم ابنه في القوات المسلحة في افغانستان ثم حالياً في العراق. ومع ان جونسون فاز، لكن بالكاد. هذا الى جانب اعلانات غيرها. ويؤكد مؤلفو «عبقري الولد» ان روف كان يعرف مسبقاً بأمر كل هذه الاعلانات قبل بثها وربما شارك في تصميمها. وقد فاز الجمهوريون في الاغلبية في مجلس الشيوخ في نوفمبر 2002. يرسم «عقل بوش» لروف صورة الحقود الذي لا يسامح ويرى العالم باللونين الابيض والاسود. وفي مذكرة ارسلها لاحد عملائه في تكساس ذات مرة وصف استراتيجيته في الحملة بأنها «هاجم. هاجم. هاجم!» وتبعا لموروسليتر فإن روف ينظر الى خصمه السياسي او المستشار المنافس على انه شخص تجب معاقبته واذا ما كانت ذلك ممكناً تدميره. (يقول المؤلفان ان روف شخص مهووس. بالمنافسة، حتى ان زوجته اخبرتهما بأنه «حتى خلال لعب الكريكيت معي في الاجازات، فإنه يضرب كرتي بقوة بعيداً جداً لدرجة تجعلني ابكي سخطاً»). وعلى الرغم من ان جون ماكين دعم بقوة حربي بوش في افغانستان والعراق وبعض القضايا الاخرى ايضاً، فإنه لايزال على قائمة الاعداء. ووجد المستشارون السياسيون وجماعات الضغط الذين دعموا ماكين في انتخابات 2000 ان عليهم المناورة على رؤوس اصابعهم اذا ما ارادوا الحصول على مدخل لحاشية بوش، وقليل منهم استطاع ذلك فعلاً. والكثيرون من انصار ماكين رغم كفاءاتهم العالية حرموا من المناصب في ادارة بوش. ومن الصفات المربكة لعلاقة العمل الوثيقة التي تجمع بوش وروف هو ان كلاً منهما رجل حقود قادر على الاحتفاظ بالكراهية طويلاً وعميقاً. فاليوم نجد ان كارين هوغز، وهو الرجل الاخر في البيت الابيض الذي كان مقرباً من بوش بقدر روف، قد غادر الى تكساس ولا يأتي الى واشنطن الى بين حين واخر، دون ان يكون هناك من يستطيع ان يعمل على انهاء هذه الكراهية بين الاثنين. وحقد بوش لا يقتصر على العلاقات بالخصوم السياسيين فحسب، بل وتطال بلاداً بأكملها ايضاً وليس فرنسا والمانيا فحسب بل وتركيا. (مستشار سابق لكلينتون يسميها «سياسة الوقيعة»). ودائماً يؤكد روف لمن هم خارج الحاشية بأنه لا يشارك في السياسة الخارجية لأنه يعرف ان ذلك سيبدو شيئاً مستغرباً بالنسبة لمستشار سياسي. غير انه في الحقيقة يشارك في اتخاذ قرارات تتعلق بالسياسة الخارجية من منظور ما يتفق وما لا يتفق مع مصالح الرئيس الانتخابية. وهذا هو اكثر نشاطاته سرية. فقد تحدثت التقارير الصحافية عن حثه لبوش على دفع سياسته في الشرق الاوسط نحو مزيد من الانحياز لأرييل شارون بذريعة ان ذلك سيعزز موقفه عند اليمين المسيحي الذي يقف بقوة وراء فكرة اسرائيل الكبرى وزيادة حصة بوش من اصوات اليهود عام 2004. وطبعاً روف ليس الوحيد الذي يدفع بهذا الاتجاه بل معه مجموعة من المحافظين والمحافظين الجدد مثل ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وبول ولفويتز الذين يرون في اسرائيل الحليف الحقيقي الوحيد في الشرق الاوسط. ومالم يلق عليه ما يكفي من الاضواء هو تدخل روف في عمل البعثات التي يرسلها الرئيس شخصياً للسعي وراء احلال سلام في السودان. حيث يحث المفاوضين الاميركيين على ايجاد حلول تحابي مصالح المسيحيين في الجنوب الذين يساندهم اليمين المسيحي على حساب مصالح المسلمين في الشمال. وربما تكون اقوى مؤشرات نفوذ روف في السياسة الخارجية قد ظهرت في المؤتمر الصحافي الذي عقده بوش في 6 مارس وهو لايزال يحاول الحصول على قرار من مجلس الامن بشن حرب على العراق وقال فيه ان على اعضاء مجلس الامن ان يصوتوا حتى لو لم يحصل القرار على ما يكفي من الاصوات وذلك «حتى يكشف الجميع اوراقهم» وهذا يعكس حادثة من حياة روف العملية حينما كان لايزال مستشاراً في تكساس ومضى قدماً في معركة يعرف انها خاسرة امام لجنة شيوخ الولاية الديمقراطي المعادي له بخصوص تعيينه رئيس مجلس ادارة جامعة ايست تكساس. وقال لاحقاً انه اراد المواجهة مع اللجنة على الرغم من معرفته بأنها سترفضه وذلك «لأنني اردتهم ان يفعلوا ذلك». وتعهد بوش بمواصلة الدفع نحو التصويت على قرار كان تصرفاً أخرق، توجب عليه لاحقاً ان يتراجع عنه. كما يؤكد المطلعون على ان تأكيد وزير الخارجية امام مجلس الامن في 6 فبراير على وجود علاقة بين الحكومة العراقية والقاعدة جاء باصرار من البيت الابيض على الرغم من عدم اقتناعه به. وكان هذا حينها هو اضعف جزء من قضية باول امام المجلس حينها. مور وسيلتر يعتقدان ان روف رجل خطير، غير ان كتابهما ليس منحازاً ضده. وهما يشعران بالقلق من وجود شخص مهووس الى هذا الحد بالنجاح السياسي لمن يوظفه في البيت الابيض ويتمتع بوصول فوري لاجهزة السلطة. ومن الصعب العثور على سابقة لهذا الوضع في التاريخ الاميركي باستثناء قائمة الاعداد التي وضعت في البيت الابيض برئاسة نكسون للتنصت عليها. بقلم: اليزابيث درو _ ترجمة: جلال الخليل عن «نيويورك ريفيو اوف بوكس»