الاثنين 26 صفر 1424 هـ الموافق 28 ابريل 2003 لم يكن تاريخ انعتاق الجزائر واستقلالها منذ بداية القرن العشرين سوى سلسلة من الفرص الضائعة، لأن مطالب الشعب الجزائري التي لم تكن تلبّى في كل الحالات الا بعد فوات الأوان. ما فتئت تتخذ عبر الأيام طابع الترسخ والتطرف. لقد ظلت مطالب «الفتيان الجزائريين» الأولى بالاصلاحات (الغاء عدم المساواة في الضرائب وتوسيع التمثيل السياسي للجزائريين) تصطدم يومياً بمعارضة المستعمرين الأوروبيين. وقد عرفت السياسية «الليبرالية» للحاكم الفرنسي العام فيوليت ما بين عامي 1925 و 1927 المصير نفسه، مثلما عرفه بعد ذلك بعشر سنوات مشروع ادماج نحو 20 ألف فرنسي مسلم في الهيئة الانتخابية الخاصة بالفرنسيين ذوي الأصل الأوروبي، الذي تبنته بلا جدوى حكومة الجبهة الشعبية. فما ان وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها حتى راحت فرنسا المتحررة من الاحتلال النازي تقمع، في مايو 1945 بسطيف، عصياناً شعبياً في منطقة قسنطينة، وكان ذلك القمع الدموي مذبحة حقيقية قادتها حكومة الجنرال ديغول واشتركت فيها كل الأحزاب السياسية المنبثقة عن المقاومة الفرنسية (ضد الاحتلال النازي) بما فيها الحزب الشيوعي بقيادة موريس توريز، وقد ظل قادة الجمهورية الرابعة يتغافلون عن نداءات فرحات عباس الذي لم تقم دعواه السياسية الاّ على المطالبة بالمساواة في الحقوق السياسية لكل سكان الجزائر، أي بـ «الجزائر الفرنسية» غير ان «صيدلي سطيف» الذي نجح في الحصول على مقعد في البرلمان الفرنسي سرعان ما جرد نهائياً من أهليته لهذا المنصب شأن مصالي الحاج نفسه الذي تخطته شخصيات وأحزاب أكثر راديكالية، حيث أنشأت مجموعة من الشبان ابتداءً من العام 1947 المنظمة السرية التي فجرت بعد ذلك التاريخ بسبع سنوات ثورة مسلحة تحت راية جبهة التحرير الوطني. وبعد ثماني سنوات أخرى من الحرب الدامية لم تأت اتفاقيات ايفيان في العام 1962 التي لم يجد الجنرال ديغول العائد الى الحكم بعد الزوبعة التي جرفت الجمهورية الرابعة بداً من الانقياد اليها، الاّ في وقت متأخر جداً. وبعد ان أصبحت الجزائر دولة مستقلة في سياق من العنف، وليس بعد تطور سلمي تدريجي، مثلما حدث مع المستعمرات الفرنسية القديمة في افريقيا السوداء، دخلت بقيادة الرئيسين بن بيللا ثم بومدين في ثورة اقتصادية واجتماعية جذرية وشاملة كادت تضمحل فيها كل المصالح الفرنسية، حيث لم يبق أمام «ذوي الأقدام السود» الذين ظلوا على مدى عقود طويلة يعارضون كل التنازلات سوى الاختيار ما بين «الرحيل أو الموت». على الرغم من بقائها طويلاً مكللةً بهالة المجد لكفاحها البطولي من أجل الاستقلال ما فتئت جبهة التحرير الوطني التي تولت مهام الحكم منذ البداية ان أصبحت حزب الدولة البوليسي الذي يهيمن عليه الضباط ذوو الرتب الرفيعة في الجيش، الآمرون الموزّعون للنصائح لكل الناس. عواقب وخيمة لقد قامت سياسة جبهة التحرير منذ البداية على اختيارات استراتيجية للتنمية الاقتصادية مستوحاة من النموذج السوفييتي، اختيارات كانت عواقبها وخيمة جرّت الجزائر الى أزمة اقتصادية ومالية عميقة على الرغم من ثرواتها البترولية والغازية. فباستثناء فئة قليلة من ذوي الامتياز والانتفاعيين فقد غرق الشعب الجزائري الذي ينمو بوتيرة سريعة تزيد على 3% سنوياً (يبلغ عدد سكان الجزائر اليوم 27 مليون نسمة مقابل 10 ملايين فقط عند الاستقلال) في بؤس تتفاقم آثاره يوماً بعد يوم، أما الشباب (ثلثا الجزائريين تقل أعمارهم عن ثلاثين عاماً) فقد فرضت عليه البطالة فرضاً وليس له من أمل في الخروج منها بعد ان سدّت أمامه كل الآفاق، ولم يزده التعظيم اللانهائي لمفاخر ومآثر آبائه الا احباطاً ويأساً، وهو ان لم يجد أي استجابة لطموحاته الاستهلاكية وفقاً للنموذج الغربي لشمال المتوسط القريب جداً منه، فإنه لم يجد بداً بعد ما أصابه من حيرة وبأس واضطراب سوى الانخراط في التيارات المتشددة التي رفع رايتها بعض من اخوته الكبار ممّن لم يستوعبهم النظام. فعلى هذه الأرضية، وفي حدود نهاية الثمانينيات، وتحت قيادة الرئيس الشاذلي بن جديد الذي خلف بومدين، انطلقت وحلقت الجبهة الاسلامية للانقاذ بقيادة عباسي مدني وعلي بن حاج. فلقد نصبت هذه الجبهة بعد اعتمادها في شهر سبتمبر 1989، نفسها كأقوى حزب مضاد للحكم مستفيدة من ذلك من قيام التعدّدية الحزبية في البلاد التي انقاد لها الرئيس بن جديد طوعاً أو كرهاً في شهر يوليو من العام نفسه، بعد ان حاول عبثاً قبل ذلك بسنة ان يغرق الحركة في حمام من الدم، بمناسبة هيجان شعبي كانت شرطته وراء اثارته. فبعد ان بشرت بقيام دولة اسلامية وشيكة تمثل عودة للعصر الذهبي لمجتمع أخوي متعاضد وفاضل لا يحكمه سوى شرع الله، لم تتوان الجبهة الاسلامية للانقاذ في دعم خطابها السياسي بعمل يومي حثيث تكفل به مناضلوها في خدمة أكثر فئات الشعب عوزاً، ومن يعانون البطالة والمرضى والأميين، مضاعفةً، بالاعتماد على المساعدات المالية لدول اسلامية صديقة، وعلى رأسها لأمد طويل المملكة العربية السعودية - المراكز الثقافية والجمعيات الخيرية بالاضافة الى تحكمها في مراقبة آلاف المساجد عبر أنحاء البلاد. وسرعان ما أضحت هذه السياسة الميدانية عملية رابحة. ففي يونيو 1990 استولت الجبهة الاسلامية للانقاذ على مئات البلديات ومنها بلدية الجزائر العاصمة. وفي يوم 26 ديسمبر فازت بالدور الأول في أولى انتخابات تشريعية حرة من نوعها منذ الاستقلال، حيث حصل مرشحوها على 44%من الأصوات المعبر عنها، ساعدها في ذلك التصويت بالأغلبية (التصويت بالأغلبية الذي راوغت جبهة التحرير الوطني في وضعه متوقعة الاستفادة منه وكان مسعى غير موفق) على انتزاع 188 مقعداً منذ البداية مقابل أقل من 24% من الأصوات و 16 نائباً فقط للحزب الوحيد القديم. وبذلك لم يصبح الدور الثاني من الانتخابات التشريعية بالنسبة الجبهة الاسلامية للانقاذ سوى اجراء شكلي حيث بات الحكم في متناول يدها. وفي 11 يناير 1992 وبمباركة من كل الذين أصبحوا مهددين بفقد منافعهم وامتيازاتهم قرّر أكثر قادة الجيش تشدداً وأهم المستفيدين على مدى ثلاثين عاماً من النظام الذي بات مهدداً بالانهيار، الاطاحة برفيقهم القديم الشاذلي بن جديد، المذنب في رأيهم - في حق البلاد بقبوله فتح باب الليبرالية السياسية، وأوقفوا المسار الانتخابي كليا باسم «القيم الديمقراطية الحقة» التي نصبوا أنفسهم حماةً لها بالقوة ومطلق الحق. وفي خضم هذه الأحداث المتسارعة أعلنوا حل الجبهة الاسلامية الانقاذ والبلديات الواقعة تحت سيطرتها، وأقدموا على اعتقال معظم قادتها وعدد كبير من مناضليها (رئيساها عباس مدني وعلي بن الحاج كان قد تم ايقافهما في 30 يونيو 1991 أي قبل ذلك بنحو ستة أشهر). وهكذا انطلقوا في عملية قمعية لا هوادة فيها ما فتئت تتكثف منذ ذلك الوقت، وبذلك لم يبق أمام الجبهة الاسلامية للانقاذ من خيار آخر سوى اللجوء الى العصيان والعمل السري والعنف. ونحن نعرف بقية هذا الانقلاب الذي حرّكه هؤلاء الانسانيون من ذوي الرتب العالية الساعون منذ ذلك الانقلاب الى اكتساب الشرعية في داخل بلادهم وفي خارجها والذين مع ذلك لا يرضون بأن يخاطروا بالتنازل عن الحكم بأي حال من الأحوال ولا حتى بمقاسمته مع أيّ كان، وكانت النتيجة ان صار عدد القتلى الذين بذمتهم لا يقل عن عدد خصومهم الاسلاميين. لأول وهلة تنفّس كل المثقفين الذين أنجبتهم الجزائر الصعداء بعد ان استنفدت كل الوسائل وضاقت كل السبل (ولم لا ! أليست القشة آخر وسيلة يتشبث بها الغريق ؟) وهلّل المثقفون في أنحاء كثيرة من العالم الغربي لهذا الانقلاب وباركوا، فباسم فرنسا انتقل وزير الشئون الخارجية، رولان دوما، الى عين المكان بعد الانقلاب بستة أشهر ليعلن عن رضا فرنسا الرسمي بالانقلاب العسكري، بينما قام آلان غوبيه الذي لم يكن قد نصب بعد بالكي دورسي (وزارة الخارجية)، بزيارة مماثلة الى الجزائر ليؤكد هو الآخر دعمه الكامل للعسكريين في كفاحهم ضد الحركة الاسلامية، يا له من اجماع رائع ! ويا لها من سياسة مفلسة وقصيرة النظر! غياب بوضياف الغامض ولم يجد العسكريون لمواجهة الموقف بداً من استدعاء محمد بوضياف وهو واحد من آخر الزعماء التاريخيين الأحياء، من منفاه الطويل في المغرب الأقصى الذي أنقذه يوماً من جبهة التحرير الوطني التي زالت حظوته في عينها، ليضعه منذ 26 يناير 1992 على رأس المجلس الأعلى للدولة الذي شكلوه لتأمين السلطة مؤقتاً اعتقاداً منهم انه سيخرجهم في النهاية من المأزق الذي وضعوا أنفسهم فيه. ولكن بوضياف الذي لم يقع يوماً في أحابيلهم وفي اتجارهم بالنفوذ لم يخضع لتلاعباتهم. لذلك فقد شرع بعد ان أصر على تقويم البلاد أخلاقياً وسياسياً واقتصادياً في الكشف بشجاعة نادرة عن الرشوة المستفحلة في أعلى مستويات النفوذ في الدولة، معلناً عن نيته في انشاء حركة سياسية لدعم مشروعه كانت مؤهلة لأن تصبح قوة شعبية فعالة، ولم يطق المستهدفون ذلك الحمل الذي بات يربكهم ويقض مضاجعهم. ولذلك وبعد أقل من ستة أشهر اغتيل بوضياف في مدينة عنابة في ظروف غامضة وعوض بشخصية أكثر مرونة ألا وهو علي كافي، قبل ان يقرر الجيش اللعب أكثر على المكشوف ويحل المجلس الأعلى للدولة ويستبدل هذه الرئاسة الجماعية بعنصر من عناصره ألا وهو الامين زروال الذي انتخب بعد ذلك رئيساً للدولة في كانون الثاني من العام 1994. ولكن الامين زروال ، بعد ذلك بأربع سنوات لم يتمكن لا من اخراج الجزائر من جدلية العنف والقمع المأساوية التي غرقت فيها ولا من ان يربط ما بين أطراف المأساة الرئيسيين الخيوط الأولى لحوار لا غنى له عنه يمهد به لعملية العودة الى السلم المدني. ولكن زروال سرعان ما وجد نفسه طوعاً أو كرهاً رهينة محيطه المصرّ على «استئصال» خصومه المتشددين استئصالاً كاملاً لا رجعة فيه. ولذلك فلم يسعه ان يقدم حدّاً من الضمانات حتى لأكثر هؤلاء الآخرين اعتدالاً والذين كانوا هم أنفسهم تحت طغيان مزايدة الراديكاليين منهم المصمّمين على الاستيلاء على الحكم بأي ثمن كان، على السلطة برمتها من دون التنازل عن أي جزء منها، مما عزّز تصلب العسكريين وتصلبهم والعكس بالعكس. ولذلك فقد نشأت الى جانب الجبهة الاسلامية للانقاذ جماعات اسلامية مسلحة، جماعات مستقلة بعضها عن البعض الآخر لا نعرف سوى القليل عن قادتها الحقيقيين ولكننا نعرف أنها المدبرة لمعظم عمليات العنف شبه اليومية المرتكبة منذ قيام الصراع، بينما تبدو بقية العمليات من صنع الجيش الاسلامي للانقاذ الذي ينتسب الى الجبهة الاسلامية للانقاذ والذي لا نعرف عنه الكثير هو الآخر اللهم الا انه أقل ضراوة وفظاعة وشراسة من بقية الجماعات المسلحة. كان الجنرال زروال في خريف عام 1994 قد أخرج من السجن لبضعة أشهر قبل ان يضعهما تحت الاقامة الجبرية، كلاً من عباس مدني وعلي بن حاج اللذين كان نجمهما قد بدأ في الأفول لدى الكثير من أنصارهما مما لم يشجع المعنيين على محاولة الدخول في حوار معهما. ولكن القضية ظلت تراوح مكانها بلا نتيجة، وبعد ذلك ببضعة أشهر في يناير 1995 بادر ممثلو الأحزاب السياسية الجزائرية الرئيسية بما فيها الجبهة الاسلامية للانقاذ باعداد برنامج سياسي في روما تضمن جملة من الاقتراحات «من أجل ايجاد مخرج سلمي وديمقراطي» للأزمة، تحت اشراف مجمع سانت «أجيديو». ولكن السلطة رفضت المبادرة في الحال وراحت في المقابل تروج لفكرة تنظيم انتخابات رئاسية قبل نهاية العام نفسه. لكن هذه المرة كان الموقعون على اتفاق روما هم أول من عارض هذا الاقتراح وقرروا مقاطعة التصويت: جبهة التحرير الوطني التي كانت تسعى الى استعادة صحتها بالابتعاد أكثر فأكثر عن الجيش، وجبهة القوى الاشتراكية التي لم تكن دوماً سوى التشكيلة السياسية الرئيسية لمنطقة القبائل، وبالطبع الجبهة الاسلامية للانقاذ، لكن ذلك لم يحل دون الانتخابات التي جرت بالفعل يوم 16 نوفمبر 1995، وصار فيها زروال رئيساً منتخباً للجمهورية الجزائرية بعد ان كان حتى ذلك التاريخ رئيساً مفوضاً من السلطة. لكن هذه الانتخابات لم تبرّئ الرئيس الجزائري من خطيئته الأصلية التي أوصلته الى الحكم بالقوة، وظل الجنرالات «الاستئصاليون» أكثر من أي وقت مضى سادة البلاد، ولم توفر صراعاتهم الداخلية لرئيس الدولة أي حد أدنى من هامش المناورة لفتح المجال أمام المعارضة، فيما بين هذه المعارضة على اختلاف منظماتها المشروعة وغير المشروعة وجهاز الدولة العسكري البوليسي ظلت الأزمة متفاقمة وسبل الخروج منها شبه مسدودة، ولا أحد من البطلين يبدو مؤهلاً لأن يفوز على الآخر في مستقبل منظور، وهكذا أسبوعاً بعد أسبوع ويوماً بعد يوم يضاف أموات الى الأموات (يقدر عدد ضحايا عمليات العنف والقمع في سبع سنوات بنحو 100 ألف). وتحقيقاً لمزيد من الدعم لسلطة الامين زروال نظمت السلطة استفتاءً دستورياً ثم انتخابات تشريعية في ديسمبر 1996 ويونيو 1997 في ظروف أكثر غموضاً والتباساً، حيث سجلت عمليات عديدة للتزوير، واستمرار فرض الحظر على الجبهة الاسلامية للانقاذ التي أثارت السلطة ضدها أحزاباً اسلامية «معتدلة» وحزب جبهة التحرير الوطني العائد في الآخر الى صفوفها، وحزب الرئيس التي فصلته تفصيلاً على مقاسها ليلة الانتخابات ولكن كل ذلك لم يخرج السلطة من مأزقها. فلا تزال الحرب الأهلية في الجزائر متواصلة في ظروف أكثر بشاعة حيث لا تزال النساء والأطفال الذين يذبحون يومياً بأبشع الطرق أهم ضحايا المقاتلين من الجماعة الاسلامية المسلحة (الجيا). وما فتئ هذا الوضع المأساوي يثير قلق واضطراب فرنسا (ما يقرب من نصف الأجانب الذين قتلوا منذ بداية الحرب الأهلية فرنسيون)، لكن لا حول ولا قوة لفرنسا حيال تصاعد العنف الذي باتت حدوده غير معروفة ونهايته غير متوقعة. فلا يخفى ان فرنسا بحكم وضعها التقليدي كقوة استعمارية قديمة، والمتهمة مهما دافعت عن نفسها بالتدخل في الشئون الداخلية لمقاطعاتها القديمة تجد نفسها اليوم غير قادرة على رسم سياسة جزائرية في مستوى الوضع القائم في الجزائر، أياً كان الذين يقودونها، اليوم أو غداً. فإن هي التزمت الصمت اتهمت بلا تحفظ بوقوفها الى جانب العسكريين المقتنعين بأن لا حل سوى السحق الكامل لنزعة التشدد. وان هي نادت بالحوار اتهمت بمسايرة أو مجاملة المتشددين، والواقع ان فرنسا بقدر من الفطنة والتحفظ والاحتراس ما فتئت تتأرجح في الوقت نفسه ما بين السلوكين معاً، مع منحها الأفضلية في الأخير للسلطة القائمة ولا سيما مما تقدمه لها من دعم مالي لأن ثقل التاريخ وقوة مصالحها الحتمية حاضراً ومستقبلاً يمنعانها من ان تحدّد موقفها بوضوح، أما شركاؤها في الوحدة الأوروبية الذين يريدون ان يفهموا شعوب جنوب آسيا بأنهم يمثلون قوة سياسية في طور التكوين فقد فضلت لأسباب أخرى وفي مقدمتها عدم الاهتمام المفرط، البقاء على الحياد بعيداً عن الوحل الجزائري (ارسال بعثة وزارية الى الجزائر العاصمة ليوم واحد فقط لأهداف غامضة ومشتبه بها). ويمكننا ان نقول الشيء نفسه تقريباً عن الولايات المتحدة في الظرف الحالي - ولكن يبدو ان البترول والغاز اللذين يثيران شهيتها قد جعلاها تميل الآن لصالح اتفاق من نوع ما في تصور تظل ملامحه جد غامضة في الوقت الحالي.