الاحد 25 صفر 1424 هـ الموافق 27 ابريل 2003 منذ حرب فيتنام ومستوى التسامح مع الخسائر البشرية في الجنود انخفض بشدة بين الاميركيين، مما وضع الولايات المتحدة في موقف دقيق، دولة مجهزة باقوى الاسلحة في العالم وافضل القوات تدريباً، لكنها تخشى ارسال اي منهم إلى خط الجبهة. وهذا احد الاسباب الذي جعل المخططين العسكريين الاميركيين منذ جيل كامل يقعون تحت هاجس تطوير وسائل قتالية جديدة لا تستطيع مجاراتها اي دولة اخرى حليفة كانت او عدوة. وقد اتى وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد إلى منصبه هذا، معلناً نفسه المبشر بهذه الافكار. والحلم الذي يضمره رامسفيلد وكبار مساعديه في البنتاغون هو خوض حروب سريعة الحسم معتمدة على التقنية المتفوقة وقليلة المخاطر. وعلى الرغم من ان احداً لا يعتقد ان هذا الحلم قابل للتحقيق بالكامل، فهو يمثل الرؤية التي تبني بها اميركا الآن قواتها المسلحة. وفي حرب العراق، دفع رامسفيلد نحو تنفيذ هذه الرؤية لأبعد مدى تسمح به التقنيات والقوات المتوفرة له. وربما يكون غزو العراق، في واقع الامر اول حرب فعلية من حروب عصر المعلومات، حيث كانت تقنيات القيادة والتحكم تسيطر على الميدان. فضبابية ارض المعركة تقلصت إلى ادنى مستوى لها حتى الآن بالنسبة لقادة القوات. حيث كانت البيانات الهائلة تتدفق في الخطوط الامامية إلى قادة العمليات بشكل مثل قفزة كبرى مقارنة بما كان يحدث في حرب الخليج السابقة مما وفر للجنرالات في قاعدة السيلية البعيدة، وحتى في البنتاغون الابعد، ادراكاً غير مسبوق في شموليته لظروف المعركة والمقاومة التي تواجه قواتهم والخسائر في قوات الخصم. وهذا ما جعل من الممكن اتخاذ القرارات من مسافات أبعد ومراقبة القادة لقواتهم بشكل اكثر قرباً واستطاعة القيادة المتوسطة الرتبة ان تقلص بفاعلية من التسلسل القيادي لتحقيق مزيد من السرعة والتأثير. واحد المؤشرات التي تدل على المدى الذي بلغته هذه الحرب في ان تكون حرباً بالتحكم عن بعد هو ان 68% من القذائف المستخدمة هي دقيقة التوجيه. غير ان تنفيذ هذه الرؤية في غزو العراق كان بعيداً عن الاتقان، فالاخطاء في القصف اظهرت، من بين اشياء اخرى، عدم دقة العلاقة بين الانسان والآلة وظهرت لحظات ساد فيها ما هو اشبه بالثورة الصغيرة بين الضباط تجاه الانطباع بأن البنتاغون لم يوفر لهذه الحرب ما يكفي من القوات على الارض. لكن منذ 12 سنة مضت على حرب الخليج السابقة التي حكمها ما يسمى بمبدأ باول القائل باستخدام «القوة الساحقة» وتعبئة 500 الف جندي اميركي لها، ظهرت فكرة جديدة تماماً عن الحرب. فقد استبعدت فكرة الحملة الجوية الاوسع والاكثر تدميراً مقابل استخدام نصف عدد القوات. وتقنية القيادة والتحكم ذاتها التي جعلت من ذلك ممكناً فتحت الباب ايضاً امام اشكال جديدة بالكامل من الاسلحة تضع صناع القرار البعيدين في موقع يعطيهم مزيداً من التحكم بالمعركة مع تخفيض الاعتماد على الجنود في الميدان. حتى اليوم، وجدت هذه الثورة اوضح تعبير لها في القوات الجوية. واحدث الانظمة التجريبية التي وضعت هذه القوات هي المقاتلة بدون طيار: «بريدتور». وبريدتور هذه ليست سوى نسخة اولية من روبوط طائر هو الآن قيد التصميم والانتاج رغم انه لم يدخل حرباً حتى اليوم. «آر كيو 1 بريدتور» فأرة بسيطة الشكل. فهي ليست سوى طائرة ضعيفة المحرك لا تزيد سرعتها على سرعة السيارات الحديثة. لكن منذ عام 2000 حيث كانت السي آي ايه تراقب افغانستان، مارست ضغوطاً لانتاج نسخة هجومية مسلحة منها. وفي النصف الثاني في عام 2001 تم تسليحها بصواريخ هيلفاير لتتحول طائرة الاستطلاع الخفيفة إلى قاذفة بدون طيار. وخلال غزو العراق كانت بريدتور تشن الهجمات على الرادارات والمضادات الجوية العراقية فيما مشغلوها بعيدون قابعين في امان. تقنية الطائرات بدون طيار المنخفضة نسبياً هذه تمثل مرحلة انتقالية لما يمكن ان يكون تغييراً مستقبلياً شاملاً عالي التقنية للقوات المسلحة الاميركية. وقد يدخل الجيل الاول من المقاتلات النفاثة بدون طيار الخدمة في غضون عقد من الآن. وهذه المقاتلات الذاتية الحركة بالكامل وغير المرئية للرادارات والقادرة على المناورة ضد قوى الجاذبية التي يمكن لها ان تنهك البشر من المقاتلات التقليدية بالغة التكلفة، ستتمكن من التحويم فوق ميدان المعركة وتحديد وتدمير اعداد كبيرة من الاهداف باستخدام اسلحة الطاقة الموجهة ثم العودة إلى قواعدها وكل ذلك لا يحتاج سوى للضغط على الازرار من قبل مشغليها البعيدين. يقول كورت ولدن، الذي كان حتى وقت قريب يشرف على مشتريات عسكرية سنوية بقيمة 100 مليار دولار في مكانه في لجنة المشتريات العسكرية في مجلس الشيوخ: «نيتنا تصب ان يكون ثلث ترسانتنا من الطائرات القاذفة هي طائرات بدون طيار في غضون 10 سنوات من الآن». لكن ان تقوم برامج الكمبيوتر بمهمات انظمة الدعم والطيارات بدون طيار بالتقاط الصور للاستطلاع او نقل البيانات الاستخبارية والعمل اكثر قليلاً من مجرد اقمار صناعية منخفضة المدار كما كانت معظم مهامها في العراق هو شيء، وان يرسل القادة الروبوطات إلى القتال لتخوض الحرب بنفسها نيابة عن الجند هو شيء آخر مختلف تماماً. والطيارات المقاتلة بدون طيار هي اول مؤشر ملموس على هذا المستقبل الحربي الروبوطي. واذا ما نجحت المقاتلات بدون طيار فقد تؤدي بدورها إلى جيش روبوطي بالكامل في الميدان تخوض القتال فيه غواصات اوتوماتيكية تطلق صواريخ كروز وفرق عسكرية من العربات البرية التي توجه من بعد لتتوجه إلى مواقع العدو. وتتقدم هذه الفرق مروحيات روبوطية تحلق على ارتفاعات منخفضة لتحدد الاهداف وتطلق نحو طيارات صغيرة تخوض قتالاً قريباً معها. يقول الكولونيل ديفيد برانهام من القوات الجوية الاميركية «هذا ممكن نعم، في المستقبل القريب سنخوض حرباً دون ان نغادر الولايات المتحدة الاميركية». هذه الرؤية التقنية لسلاح المستقبل تقدم للعسكريين والسياسيين على السواء آفاقاً غير محدودة، تنظيم الاثر الاستراتيجي للحرب إلى اكبر قدر ممكن وتقليص تعرض الجنود الاميركيين للخطر إلى ادنى مستوى ممكن وتحقيق الاستفادة القصوة من مكانة القوة العظمى لأميركا. غير ان اولئك الذين يفترض بهم ان يقودوا هذه القوات على الارض هم من بين الاقل تحمساً لها. فبالنسبة لهؤلاء لا تمثل فكرة الحرب بالتحكم عن بعد سوى خرافة تحظى بالشعبية السياسية دون ان تكون اكثر من مضيعة للوقت والموارد وربما تثبت انها اكثر خطراً على الاميركيين مما تنقذ منهم. وتتمحور اعتراضاتهم عليها حول تكلفتها الباهظة وعتادها غير المعتاد وعدم وجود الدافع لهم للثقة بها والقناعة بأن الحرب لا يمكن حسمها دون ارسال الجند إلى خط الجبهة. تمثل المقاتلة بدون طيار «إكس 45 أي» اول نظام سلاح ينتج بالكامل وفق هذه التغير في الرؤية وقد انتج منها طائرتان تجريبيتان بتكلفة 256 مليون دولار. إكس 45 أي من بوينج لا تهدف فقط لاخراج الطيارين من حجرة القيادة بالغاء دورهم فيها. بل انها تبعد البشر نهائياً تقريباً عن كل العملية، فلا داعي لاحد ان يمسك مقبض قيادة لتوجيهها فهي مبرمجة لتحلق تلقائياً. وكل ما يطلب من المسئول عن تشغيلها فعله هو تزويدها بالبرنامج وخطة المهمة والضغط على زر التشغيل ليبدأ الكمبيوتر بالقيادة. طبعاً، ربما يكون المفهوم ثورياً، لكن التقنية ليست كذلك. فالطائرات قد شهدت مسبقاً هذا القدر من الأتمتة لحد يجعل من الطيار مجرد رفيق رحلة فقط. يقول مسئول في البنتاغون : «هل تعرفون كم من الوقت يقوم فيه الطيارون بالتشغيل الفعلي للقاذفة الشبح بي 2 في المهمة؟ من اصل 34 ساعة كانت تستخدمها الطلعة الجوية من ميسوري إلى بغداد والعودة؟ حوالي دقيقتين فقط. اما باقي الوقت فهم يمضونه بلعب الورق او الاكل او النوم». وحتى في الطيران المدني اصبح الكمبيوتر يقوم بمعظم العمل. فالجيل الاخير من طائرات ايرباص على سبيل المثال مزود بأنظمة ملاحة تستطيع السيطرة على الطائرة في حالة الطواريء وان تهبط بل وربما الاقلاع من نيويورك إلى لندن دون وجود احد في حجرة القيادة. وقد فعلت طيارة الاستطلاع بدون طيار غلوبال هوك ذات التحليق العالي من انتاج نورثروب غرومان فعل الشيء نفسه مؤخراً حينما اقلعت من استراليا إلى الشرق الاوسط وهبطت على مسافة لا تبعد سوى اقل من متر ونصف عن محور مدرج الهبوط. وقد قررت نورثروب غرومان، وهي المنافس الرئيسي لبوينج في هذا المجال، انتاج مقاتلتها بدون طيار «إكس 47 آي» المصممة للهبوط على حاملات الطائرات وهو الامر الاصعب بالنظر إلى هامش المناورة والخطأ الصغيرين وكون حاملة الطائرات نفسها مطار متحرك بسرعة 20 عقدة. وإكس 74 أي مزودة بحاضنات داخلية للأسلحة لتحقيق ميزة الشبح. احد اهم مزايا المقاتلات بدون طيار هي انها لا تحتاج لمستوى الاشباع الهجومي ومتطلبات السلامة العالميين لعدم وجود طيارين عليها. وهذا يجعلها اقل تكلفة. اذ يتوقع ان تتراوح تكلفة الطائرة إكس 45 أي حين البدء بانتاجها بين 15 و20 مليون دولار وهو ما بين نصف إلى ثلث سعر المقاتلة إف 18 مثلاً. والصيانة هي عامل آخر مهم في صالحها، فالمقاتلة بدون طيار ستكون مصممة للانتظار في حاويات مكيفة حتى 20 عاماً إلى حين الحاجة اليها مع عدم الحاجة سوءا لاجراء اختبارات جاهزية على انظمتها الالكترونية تتم اوتوماتيكياً. وطبعاً عدم حاجتها للطيار يعني عدم الحاجة لوجود طيارين دائمين يتدربون حتى في وقت السلم وهو ما يتكلف ميزانيات باهظة. وفي عهد المقاتلات بدون طيار يفترض بيد واحدة بعيدة ان تستطيع تشغيل حتى اربع طائرات في وقت واحد، وهو ما سيؤدي عملياً لوجود قوة جوية من رجل واحد. لكن حتى في وقت تشهد فيه المؤسسة العسكرية الاميركية قيادة مسيطرة بقبضة حديدية كالتي يمارسها رامسفيلد فلا يمكن اعطاء احتكار الحرب لفرع منها دون غيره. وخلال الحرب يجب لكل فرع ان يحصل على دور له. وبالنسبة لهيئة الاركان العامة المشتركة، فإن تخطيط الحرب يركز على تحقيق التوازن بين المصالح المتنافسة داخل هذه القوات بقدر ما يركز على المعطيات الاستراتيجية. وفي مثل هذه البيئة فإن برامج تسلحية مثل المقاتلات بدون طيار تثير حساسيات عميقة. واصبحت التوترات القديمة بين المنظرين والميدانيين تخرج إلى السطح مباشرة. اليوم معظم القادة الكبار للقوات المسلحة هم اناس عينهم رامسفيلد بنفسه، وهذا يجعلهم يؤيدون رؤيته المستقبلية للحرب، سواء كانوا صادقين في ذلك ام لا. لكن ضمن تسلسل القيادة العسكرية هناك جيوب مقاومة قوية لهذه الرؤية. فالضباط قد امضوا حياتهم العسكرية وهم يثقون بالتقنيات التي اعتادوا على استخدامها وهم يتشككون بالاشياء التي تفرض عليهم من قبل مسئولي المشتريات العسكرية. كما ان هناك انحيازاً تاريخياً نحو عدم الثقة هذه. وعلى سبيل المثال اثبتت صواريخ باتريوت خلال حرب الخليج 1990 انها عديمة الفاعلية نهائياً تقريباً نتيجة التسرع في ادخالها الخدمة. يقول تشون سبيني الذي عمل في البنتاغون 26 عاماً: «المسئولون يطلقون للعسكريين كل هذه الوعود دون ان يكون لديهم في الحقيقة اي دليل مادي على انها ستفلح». والتقنيات الروبوتية تمثل تخوفاً اكثر عمقاً. ويشير سبين إلى ان هذه المشكلة ناجمة في وجه منها عن الجنود يدربون على التركيز على العدو في الحرب: «اما التقنيات مثل المقاتلات بدون طيار فتشتت انتباهم للتركيز على صلة الوصل بين الانسان والآلة. وهذا قد يكون خطراً جداً في المعركة. اضف لذلك ان تقنية المقاتلات بدون طيار تعتمد بكثافة على التشبيه الكمبيوتري والتعرف على النماذج لتحديد العدو وتوقع تحركاته وما يفترضه هذا مسبقاً هو ان العدو يفتقر إلى اي عامل ابداعي». وداخل القوات الجوية، فإن المعارضة الطبيعية الاقوى للمقاتلات بدون طيار تأتي من اصحاب اقوى الاصوات فيها وهم الطيارون. يقول بيل سويتمان الكاتب المتخصص في برامج الاسلحة: «كل قوة جوية في العالم تقوم اساساً على الطيارين. وبالتالي لن تستطيع ان تقنعهم بهذه الانظمة التي تلغي دورهم». وهذا يعني ان برامج الروبوطات الجوية لا تحظى بشعبية ابداً بين ضباط القوات الجوية. وعلى سبيل المثال كانت المشكلة كبيرة بعد تجهيز السرب الاول من بريدايتور هي العثور على طيارين لتشغيلها. وبعد رفض الكثيرين لهذه المهمة تم العثور على ملاح للقيام بهذه المهمة التي قبلها لمجرد انها لا تتضمن وجود طيارين ضباط يكون مرؤوساً لهم». كما ان اداء هذه الطائرات لم يكن طيباً. فالمستوى الاحصائي لتحطم المقاتلات التقليدية هو حادثان في كل 100 الف ساعة طيران، اما غلوبال هوك فبلغ مستوى حوادثها 167 حادثاً في كل 100 الف ساعة طيران ولم تكن برايدايتور افضل حالاً بكثير حيث حققت 43 تحطماً في كل 100 الف ساعة. لكنها على الاقل اخطأت مرة واحدة في افغانستان حينما افترض مشغلها ان «رجلاً طويلاً» حددته اجهزة التصوير فيها بانه ابن لادن فقصفه ليتبين لاحقاً انه ليس سوى افغاني غير مقاتل يبحث بين الخردة عن شيء يباع ليقتله هو واثنين معه. كما ان النجاح الذي حققته الطائرات بدون طيار في العراق يعود اساساً لعدم وجود مقاومة جوية ذات شأن لها. فالعراق خسر معظم قوته الجوية في الحرب السابقة، ولو كان يستطيع اخراج مقاتلة ميغ 29 في طلعات دفاعية على سبيل المثال لما كانت هذه الطائرات اكثر من اهداف تدريبية لها. وهناك مشكلة اخرى تواجه البنتاغون، فيما يتعلق بالاتصالات. فالموجات الكهرومغناطيسية فوق ميدان المعركة اصبحت كثيفة جداً. وفي حرب الخليج عام 1991 كانت الكمبيوترات المتصلة بالشبكات على سبيل المثال تدفق معلومات بمعدل 192 الف كلمة في الدقيقة. وقريباً سيضخ العسكر حوالي 5,1 تريليون كلمة في الدقيقة كما يقول بروس ستورك مدير العمليات التجريبية السابق في القوات الجوية الاميركية. والمقاتلات بدون طيار قدراً هائلاً من طاقة الاتصالات مما سيقود ربما إلى اعطال فيها بنسب غير مسبوقة. الطلعة الهجومية الجوية المعتادة تقسم إلى واجبات تأخذ ساعات او دقائق او ثواني. يقول كورت سبيني من معهد القوات الجوية للتقنية: «نريد ان تقوم الكمبيوترات بالواجبات التي تأخذ ساعات او ثواني. فالآلة تبقى اقدر من البشر على تجزي الثانية والقيام بردود افعال باجزاء من الثانية او تنفيذ وظائف تكرارية تأخذ ساعات. غير ان الواجبات التي تستغرق دقائق تحتاج للتفكير واتخاذ قرار. وهنا نقطة ضعف المقاتلات بدون طيار». ففي بيئة غير مهيكلة بانتظام مثلما هو الحال في ميدان المعركة الفوضوي، قد يتطلب الامر في المقاتلات بدون طيار اتخاذ قرارات تميز بين العدو والصديق واعادة التعرف على الاهداف المتحركة وحتى الغاء المهمة من اصلها والعودة. ولهذا السبب يقول معظم المخططين العسكريين ان الاصبع البشري، على الاقل في المستقبل القريب، يجب ان يبقى هو على الزناد وحتى لو كان هذا الاصبع يضغط الزناد من على بعد مئات او آلاف الاميال عن الطائرة. وتبقى التحفظات مزمنة على المقاتلات بدون طيار في المكاتب العسكرية البيروقراطية. حيث يقول لورين تومبسون في معهد لكزنفتون للبحوث العسكرية في واشنطن انه تحدث مع كبار المسئولين في القوات الجوية حولها واكد له هؤلاء انهم لا يعرفون ما يفعلون بهذه التقنية رغم اعجابهم بها. والمشكلة ليست افتقاد هؤلاء للخيال، بل ربما جموح خيال من وضع هذه الرؤى المستقبلية. يقول تومبسون ان هناك اوقات تسبق فيها التقنية الثقافة السائدة ولكن هناك اوقات تتخلف فيها المعرفة التقنية عن هذه الثقافة. ربما يكون اصحاب هذه الرؤى محقين بالقول ان الطائرات بدون طيار ستكون افضل من الطائرات بطيار في غضون 20 إلى 25 عاماً مقبلة، لكن ماذا عن الآن؟. في الوقت الراهن، لا يستطيع احد ان يزعم بان المقاتلات بدون طيار المتوفرة حالياً تستطيع حتى مجاراة المقاتلات التي اصبح عمرها بين 20 و30 عاماً. ويضيف قائلاً ان الاسطول الجوي الاميركي اصبح يحتاج الآن لتحديث شامل. والسؤال هو هل نستثمر مستقبلياً في تقنيات لم تثبت جدارتها فعلياً حتى الآن ام نوجه هذه الموارد إلى تطوير الانظمة الموجودة التي اثبتت قدرتها؟ ان لظهور المقاتلات بدون طيار عواقب تكتيكية وسياسية واخلاقية ستصبح اكثر ظهوراً مع تطور التقنية. فإلى جانب المقاتلات هناك الآن عدة مشاريع غيرها تجاوزت مرحلة التصميم. اذ يعمل المهندسون في الشركات الآن على الوفاء بمتطلبات الجيش في مروحية هجومية بدون طيار تستطيع التحليق على ارتفاع 15 قدماً عن الارض بسعة 100 عقدة مع الاحتفاظ بقدرتها على تجنب العوائق ونيران العدو. كما كشف اوائل هذا العام عن نموذجين اوليين لعربات قتال برية غير مأهولة. والنموذجان يمكن انزالهما جواً قبل ان يبادرا بالعمل على الارض باستخدام تقنية الشبح لتجنب كشفها. ويقول المراقبون ان العربة سنيبر التي انتجتها بوينغ وتزن سبعة اطنان والعربة ريتاريوس التي بنتها لوكهيد مارتن وتزن سبعة اطنان ايضاً، هما «خلدان» مصممان لتدمير المعدات في اكثر البيئات عداءً. وكذلك توجد لدى مشاة البحرية المروحية اي 601 همنغبيرد بدون طيار القادرة على حمل الصواريخ بعيداً حتى 2500 ميل. وقد اجرت اي 601 اول اختبار طيران لها في يناير ويمكن ان تصبح جاهزة للخدمة قبل نهاية هذا العقد. اما اكثر هذه البرامج طموحاً فهو «الطائرة العضوية» ذاتية الحركة تماماً ولا يزيد قطرها على تسع بوصات. ويفترض بها ان تكون قادرة على الهبوط فوق المباني والشركات وتستخدم انظمة الاستشعار فيها للتعرف على الاهداف عبر الثغرات في العوائق الطبيعية والتمويهية. لكن مثل هذه التقنيات سيكون اثرها الاول هو دفع العدو للمزيد من التمترس تحت الارض. او دفعه نحو ان يصبح اقل واقل شبهاً بالعسكرية التقليدية كاستخدام العربات المدنية لتجنب هذه الاسلحة. ومواجهة هذه التكتيكات الدفاعية سيحتاج بدوره إلى جيل جديد من التقنيات التالية. كما ان الخصوم سيطورون بالتأكيد وسائل دفاعية جديدة مبتكرة، لمواجهة هذه الانظمة الهجومية، واكثر هذه الوسائل ترجيحا، هي دفاعات جوية افضل، ليس للقضاء على الطائرات بدون طيار فحسب بل والاقمار الصناعية التي تتصل عبرها ايضاً مما يجعل عملها مستحيلاً. وتدور في الاوساط الاستخبارية الآن، على سبيل المثال، تقارير عن عمل الروس على تطوير صاروخ ارض جو إس 500 المصمم خصيصاً للقضاء على المقاتلات بدون طيار. ترجمة: جلال الخليل عن «نيويورك تايمز مجازين»