الاحد 25 صفر 1424 هـ الموافق 27 ابريل 2003 بادرت «هآرتس»، مؤخراً، فنشرت مقابلة العيد التقليدية مع رئيس الوزراء حتى قبل ان يتمكن قراؤها من تطهير منازلهم ومعدات طبخهم استقبالا للعيد. ولعله لهذا السبب كانت اقوال شارون مشوشة: فمن اكتفى بالعناوين الرئيسة استنتج أن شارون مستعد لتنازلات بعيدة المدى. اما من تكبد عناء قراءة الاحرف الصغيرة فقد اكتشف أنها تشطب الاحرف الكبيرة. فلاكثر من عامين يتلوى شارون كالبهلوان على هذا الخيط الرفيع. الجمهور ينظر الى الاعلى باعجاب: ليس من الحكمة الصمود عند السير على الخيط، ولكن شارون يصمد ولا يتقدم الى اي مكان. شروط شارون للمفاوضات على التسوية هي: قيادة عربية اخرى، مكافحة (الارهاب)، سلسلة من الاصلاحات، وقف التحريض بشكل تام وحل كل منظمات العنف. هذه شروط يمكن للاغلبية الساحقة من الاسرائيليين ان يوقعوا عليها بالاصابع العشرة. ولكن المشكلة قائمة في التسوية نفسها. فمن أجل جملة البنتوستانات التي اقترحها شارون على الفلسطينيين من المشكوك ان يوجد لها زعماء يبذلون الجهد على مدى الزمن. شارون لم يعتدل في مواقفه بل تطرف فيها. فقد تراجع عن الاستعداد الذي أعرب عنه في الماضي لاقامة دولة فلسطينية في اطار تسوية انتقالية. اما الان فهو يشترط موافقته على اقامة دولة بتنازل فلسطيني عن حق العودة. فهو يقول: «هذا الشيء يجب ان يكون واضحا منذ البداية». في نظر المعتدلين بين الفلسطينيين، فان حق العودة هو ذخرهم الاساسي في المفاوضات على التسوية الشاملة (وفي نظر الاقل اعتدالا، فانه محفوظ لهم حتى الابد). وتحويل التنازل عن حق العودة الى شرط مسبق للمفاوضات هو قرص الدواء السحري لتقويض التسوية، او، على الاقل، لتقويض خريطة الطرق. شارون هو رجل مركب. جزء منه يريد التسوية حقا. ليس لان جرثومة السلام قد ألمت به، بل لانه مقتنع بان كل من يرثه هو أقل كفاءة منه، أقل تصميماً منه، وأقل معرفة منه بالمصالح الحقيقية لدولة اسرائيل. شارون يشعر، مثل الكثيرين من ابناء جيله، بانه يحتفظ بسهم المؤسسين. وعي مشابه وجه رابين نحو اوسلو. ان ما يفصل بين رابين وشارون هو المستوطنات في اعماق المناطق. شارون ليس مستعدا للتخلي عنها. وقبل ان يتحدث عن الانفصال المحتمل عن «جزء» من بيت لحم، شيلو وبيت ايل (جزء من بيت لحم ضممناه لانفسنا قبل وقت غير بعيد والاخرين لا يتصور شارون ان يخليهما)، من الاكثر معقولية ان يتحدث عن الانفصال عن آفي جيل، عسائيل، مزرعة أسف وامثالها، اكثر من مائة موقع غير قانوني، تافه، على خارطة الضفة. شارون أسير إرثه. ودليل مشوق لهذه الظاهرة طرح في محاضرة ألقاها قبل اقل من شهر في كلية سبير في سدروت. كان الموضوع العمليات المضادة للخمسينيات. شارون كرس جل حديثه للتغيير في الجسارة، في القدرة القتالية، في التمسك بالمهمة، ذاك التغيير الذي طرأ في تلك الفترة على وحدات المظليين، وبعد ذلك في الجيش كله. وهذا الانجاز المهم يعزوه هو بقدر كبير من الحق لنفسه. ولشدة الاسف فانه بقي بقدر كبير ما كان عليه: قائد كتيبة مظليين. العمليات المضادة كانت جيدة اذ اعطت الجيش الاسرائيلي نظرية قتالية. ولكنه يتجاهل الثمن الذي كلفته: حقيقة أنها دفعت مصر وسوريا الى اذرع الكتلة السوفييتية، الى صفقة السلاح المصرية ـ التشيكوسلافية وفي نهاية الامر الى الحرب. وحقيقة ان كلما ازدادت حجما، فقدت جدواها أن حتى الصقور سئموا منها. شارون لم يرب فقط بل تربى أيضا. تربى على ثقافة خرق القانون والتضليل، تلك الثقافة التي رأينا ثمارها بعد سنين، في مشروع الاستيطان الذي اقامه في المناطق. كما انه لم يغير رأيه بالعرب. فقد قال في محاضرته ان «العرب يعانون من انعدام القدرة على الوقوف في معركة وجها الى وجه». وكان هناك، بين مستمعيه في الكلية، عدد من الطلاب البدو، خريجي الجيش الاسرائيلي. وهؤلاء دفنوا رؤوسهم في التراب. بقلم: ناحوم برنياع _ عن «يديعوت أحرونوت»