الاحد 25 صفر 1424 هـ الموافق 27 ابريل 2003 فيما تعمل الولايات المتحدة على اعادة احياد صناعة انتاج النفط العراقي وبيعه، فإن كلاً من روسيا وفرنسا وحتى الأمم المتحدة تمارس تأثيرا بالغ الأهمية على انطلاق هذا الجهد. ومع انجلاء غبار وقائع الحرب في العراق، فإن ثمة بوادر لمعركة محتدمة من اجل السيطرة على ثروات العراق المعدنية الهائلة تلوح في الأفق، تقف فيها قوى التحالف في مواجهة فرنسا وروسيا تاركة العراقيين أنفسهم في موقف صعب. وهذه المعركة تدور حول الطاقة الهائلة من النفط العراقي فهناك احتياطياته الثابتة التي تأتي في المرتبة الثانية بعد السعودية في حجمها، فضلا عن انابيب النفط، التي تمتد شمالا عبر الاراضي التركية بالاضافة الى الجنوب عبر الخليج ـ وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة لعنصر التنويع. وعلى الرغم من ان الحكمة القديمة التي تعود الى مرحلة ما قبل الحرب كانت قد تنبأت بقيام القوات الأميركية الظافرة بتحويل العراق، على جناح السرعة، إلى بئر نفط هائل على نحو استثنائى يمكنه أن يسد احتياجاتها المتعطشة لاستيراد الطاقة. إلا ان الواقع بدأ يبرهن على انه الى حد ما أكثر تعقيدا، كما اصبح من الواضح ان الادارة الأميركية ستضطر الى التعاون مع المجتمع الدولي، فضلا عن العراقيين أنفسهم، في مشروع اعادة اصلاح صناعة النفط العراقي. تقول روزا هوباري، خبيرة الشرق الاوسط التي تعمل لدى مجموعة «إنيرجي انتيليجنس» ان الادارة الأميركية لا تملك شرعية البدء بتصدير النفط. حيث ان احداً لن يشتريه لان المشترين يتساءلون: تحت أي قانون يتم هذا العمل؟ وتضيف: لو أنك كنت تفرغ النفط في (ميناء جيهان التركي) ثم حدث شيء لشحنتك، فما هي الجهة التي تقاضيها وتحت أي قانون؟ لابد لذلك أن يتم من خلال الأمم المتحدة. لابد وان يكون هناك نقاش. لقد تفجرت أولى القنابل عندما طالب الرئيس بوش برفع العقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة على العراق، فعلى الرغم من ان المطالبة تبدو حميمة بما فيه الكفاية، الا انها تخفي رغبة اميركية ملحة لاطلاق اليد بتصدير النفط العراقي الخام مرة اخرى من اجل الحصول على العائدات المالية الكافية لاعادة اعمار البلاد. لقد توقفت روسيا مباشرة عند هذه الفكرة فالقلق الذي تبديه كل من موسكو وباريس ـ وكلاهما كانت لها في العراق مصالح نفطية مهمة في المرحلة السابقة للحرب ـ يكمن في انهما كليهما ستمنعان اذا قامت الولايات المتحدة باعادة احياء صناعة النفط العراقي لوحدها، مدعية السيطرة المطلقة لنفسها. كما ان وزير الخارجية السعودي عارض هذا التحرك، قائلاً ان العقوبات لا ينبغي لها ان ترفع الا في ظل تشكيل حكومة عراقية شرعية. ان اهمية النفط العراقي كانت واضحة من الطريقة التي شنت بها الحرب وقد وجه البعض الى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة اتهاماً بأنه بالمقارنة بما يفعله لحماية المواطنين العراقيين فإنه يفعل ما هو اكثر من اجل حماية حقول النفط، كما ان المبنى الذي يتوفر له الحد الاكبر من الحماية في بغداد ليس بنكاً او متحفاً وانما هو وزارة النفط. ان مشكلات الاختلاف تواجه من يرغبون في تصدير نفط العراق وعلى الرغم من ان المشكلة الاولى مادية حيث ان عدداً قليلاً من الآبار كان قد احرق اثناء الحرب، الا ان البنية الأساسية قد تعرضت للنهب، ومحطات وأنابيب تصدير النفط ستحتاج الى الفحص لتحديد الاضرار، وبخاصة الحقول الشمالية الضخمة، وهو ما سيستغرق اسابيع حسبما يقول المسئولون. يقول مسئولون عسكريون انه على الرغم من وصول العربات في مدينة كركوك الشمالية ـ احياناً تكون عربات الاطفاء الرسمية ـ الى حقول النفط تحت ستار البحث عن الماء في مكان قريب، الا انها بدأت فيما بعد بسرقة النفط، وهي الخطة التي يحاول الجيش ايقافها. وحيث ان كركوك هي المعقل الرئيسي لصناعة تصدير النفط، فإن الاصلاحات ستكون لها الاولوية وعلى الرغم من ان خدمات الكهرباء والغاز كانت قد توقفت اثناء سقوطها، الا ان الاتحاد الوطني الكردستاني يدعي انها عادت مرة اخرى. يقول الخبراء ان اعادة اصلاح صناعة تصدير النفط العراقي ستتطلب المزيد من التعاون العراقي. يقول مارتن برفيز، خبير الطاقة لدى شركة ود ميكتري للاستشارات الدولية «هذه الصناعة كانت تديرها لسنوات ميزانية غير كافية، ولو ان هناك اناساً يعرفون كيفية القيام بها فسيكونون العراقيون انفسهم. يضيف: «لو انك ارسلت متعاقدين في الاساس، فإنك ستواجه مشكلات لم يعرفها هؤلاء من قبل، مثل الكثير من المشكلات التكنولوجية وقواعد المعلومات واشكال التدفق والكمبيوتر وهذا النوع من المشكلات. ثانياً، ان نظام التصدير قد اقفلته السلطة في بغداد. وعلى الرغم من ان ملايين البراميل المحملة بالنفط العراقي الموجودة في تركيا تنتظر دورها للبيع، الا ان احداً لن يقدم على شرائها ما لم يتمكن اي كيان معترف به دولياً من بيعها قانونياً. وبالتالي فإن الولايات المتحدة لن يكون امامها في النهاية خيار سوى العودة الى الامم المتحدة من اجل الحصول على الشرعية اللازمة للحكومة العراقية المؤقتة ـ وهذا هو المكان الذي ستبدأ منه المفاوضات. ويبدو ان المناظرة ستشهد فرنسا وروسيا وهما تصران على اتباع اسلوب اكثر تعددية من اجل التعامل مع ثروة العراق النفطية. فكلا البلدين كانت لهما مع نظام صدام حسين تعاملات متعلقة بأنابيب النفط، كما ان مسئولي النفط الروس كانوا يشجبون بعنف وعلى نحو منذر باتخاذ اجراءات قانونية اقدام الادارة الاميركية على اتخاذ اي قرار لا يعني رفع الادارة الجديدة يدها عن حقوقهم في حقول النفط العراقية. المشكلة الرئيسية الكبرى التي تواجهها قوى التحالف هي كيفية التأكيد على ان ثروة العراق النفطية ستعود لكي تصب في النهاية في جيب الشعب العراقي. فعلى الرغم من ان بوش وحليفه الرئيسي، رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، كانا قد اكدا لأكثر من مرة على ان ابناء الشعب العراقي سيستفيدون من نفط بلادهم، الا ان ذلك يبدو صعباً من الناحية العملية، اضافة الى انه سيعتمد في النهاية على نوعية الادارة التي ستتولى الامور في بغداد. ان السيناريو الاقليمي، يبدو على الرغم من ذلك غير مشجع. فالاجراءات المعروفة المتبعة لدى القوى الشرق أوسطية المتحكمة في الطاقة ليست بالسيناريو المثالي. يقول ايوان كريك رئيس التحرير الاداري بدار بتروليوم آرجوس للنشر «تلك هي لعنة النفط. عندما يعتمد الاقتصاد كلية على النفط فإنه سيهييء للفساد والانقسامات الحادة في الثروة ولكن انظروا الى النرويج فعلى الرغم من ان لديها ثروة هائلة من النفط الا انها تعتبر واحدة من اقل الدول معاناة من الفساد ان لديهم هناك رصيدا نفطيا تخصص الكثير من عائداته لصالح الاجيال القادمة يمكنكم ان تفعلوا ذلك للعراق». ثم ان هناك مشكلة الملكية الاجمالية فالحلفاء مصممون على ان الحرب التي خرجوا منها للتو لا تهدف الى جعل ثروة العراق النفطية تذهب الى نظام جديد مشابه للنظام المتصلب العنيد السابق. بعض الخبراء ومن بينهم وزير النفط العراقي السابق فاضل الجلبي ابن عم احمد الجلبي الشخصية الطموحة التي تدعمها الولايات المتحدة ـ يؤيدون الخصخصة السريعة، الوسيلة التي يمكن بواسطتها اخضاع صناعة النفط للاشراف الدولي وافساح المجال امام عمالقة النفط لكي يقولوا كلمتهم. الا ان التجارب السابقة على الرغم من ذلك ـ وأهمها تجربة روسيا ـ تثبت ان الخصخصة كثيرا ما يمكنها ان تجلب وببساطة مصادر يسيرة للثروة تحتكرها زمرة من النبلاء الذين تربطهم شبكة اتصالات محكمة، تاركين لأفراد الشعب سهما ضئيلا من ثروتهم المعدنية. يقول الحصري متنبئا «ان شركات النفط المملوكة للدولة ستظل في ايدي الحكومات. ان هذا هو الوضع في الشرق الاوسط، لأن الحكومات في دول الخليج المنتجة تعتمد 90% على العوائد النفطية». ان قرار الخصخصة، ربما كان يقع، من جهة في يد فاضل عثمان. هذا الرجل امضى اكثر من 20 عاما في منصبه كأكبر مسئول نفط عراقي، وتشير التقارير الى ان الادارة الاميركية قدمت اقتراحا يقضي بإدارته وزارة النفط العراقية الجديدة. كما يعتقد بترشيح فيليب كارول الرئيس السابق لشركة رويال دوتش شل في الولايات المتحدة لمنصب مدير مساعد ضمن الهيئة الاستشارية الاميركية للاشراف على سياسة النفط العراقية. وعلى اية حال، فان تدخلا خارجيا من اي نوع سيكون اساسيا من اجل احياء صناعة انتاج النفط. ان العراق يحتاج الى 6 مليارات دولار للاستثمار من اجل عودة الانتاج الى المستوى الذي كان عليه قبل سنة 1991 وهو 5,3 ملايين برميل يوميا كما يحتاج الى عشرات المليارات من اجل تحديث وتطوير صناعة اتلفتها سنوات الحصار الطويلة وسلسلة من الحروب المتتالية. رأس المال هذا ببساطة لا يمكن الحصول عليه من داخل العراق. وعلى الرغم من ذلك فان حجم الاستجابة التي يبديها المستثمرون الاجانب الذين يدخلون في مثل هذه المغامرات سيعتمد على ثلاثة عوامل: الاوضاع الامنية، الشرعية الدولية التي ستحظى بها السلطات العراقية، وشروط الاستثمار. يقول بعض الخبراء ان التأسيس للصناعة اللازمة على المدى الطويل بالتالي يلزم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة بضمان توفير الدعم الدولي الواسع للادارة الجديدة في بغداد. ترجمة: مريم جمعة فرج _ عن «كريستيان ساينس مونيتور»