الاحد 25 صفر 1424 هـ الموافق 27 ابريل 2003 في عالم ما بعد الحرب الباردة الذي تتضاعف تحت سقفه الصراعات «الثانوية» والدامية في الوقت ذاته هناك منطقة شاسعة مكونة أساساً من العالم العربي الإسلامي باتت اليوم مثار الكثير من القلق والانشغال. وتمتد هذه المنطقة التي تتخذ حسب تعبير جيرار شاليان شكل «كرة الرجبي» من الشمال إلى الجنوب من البلقان إلى إفريقيا الشرقية ومن الغرب إلى الشرق من ضفاف الصحراء الأطلسية إلى جنوب شرق آسيا، وتضم المغرب والشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى والجنوبية، أي معظم النقاط الساخنة الحالية على الساحة الدولية. فمنذ العام 1992 والجزائر غارقة في حرب أهلية كلفت البلاد أكثر من مئة ألف قتيل. ولا أحد يعرف اليوم على عكس تعليقات بعض المراقبين المجاملة أو المتملقة للقادة الجزائريين الحاليين كيف يمكن أن تفضي هذه الحرب في يوم ما عن شيء آخر غير وصول المتشددين الأكثر تطرفاً إلى الحكم بمفردهم أو كما حدث في السودان برفقة جزء من الجيش فعلى الرغم من الواجهة المؤسسية التقديرية التي فصلها تفصيلاً ضباط رفيعو الرتبة في الجيش بالتعاون مع أصحاب الامتيازات والنفوذ من النظام (وهم الأشخاص أنفسهم في غالب الأحيان، فإن خطوط الخروج من هذه الأزمة عن طريق التشاور والتحاور الديمقراطي على نحو ما تصوره المشاركون (بما فيهم ممثلو الجبهة الإسلامية للإنقاذ وجبهة التحرير الوطني سابقاً) في لقاءات سانت ايجيديو الرومانية في يناير 1990 تبدو ضعيفة للغاية طالما أن الجماعات الإسلامية المسلحة ومثلهم الضباط رفيعو الرتبة يعترضون على ذلك التصور اعتراضا مطلقا لا مجال للتراجع فيه بأي حال من الاحوال على ذلك التصور اعتراضاً مطلقاً لا مجال للتراجع فيه بأي حال من الأحوال. ما يراه المراقبون يكون لوصول المتشدد إلى السلطة في الجزائر بشكل أو بآخر عواقب لا يستهان بها ولا شك أن جزءاً من أوروبا ولا سيما فرنسا سوف تتأثر بموجة التأثير هذه. والوضع في مصر أقل تدهوراً مما هو عليه في الجزائر ويشير المراقبون الى ان الوضع في ظل رئاسة حسني مبارك مختلف عما كان عليه ايام السادات. وهم يعيدون الى الذاكرة انه بفضل انتخابات السابع من نوفمبر 1990 ولأول مرة منذ السبعينيات أقصيت المعارضة من البرلمان المصري إقصاءً فعلياً بحيث لم يعد لها وقتها سوى 14 نائباً من بين 444 مقابل 430 للحزب الوطني الديمقراطي وهي التشكيلة الحكومية للرئيس مبارك آنذاك. فبنائب واحد أصبح الإخوان المسلمون الضحية الرئيسية لسياسة العودة شبه الكلية لنظام الحزب الواحد والتي أقصت أيضاً المعارضة الأكثر اعتدالاً المتمثلة في «الوفد» الحزب الوطني البرجوازي القديم الذي لم يعد له سوى ستة نواب، بالإضافة إلى التشكيلات الصغيرة لليسار الماركسي والناصري التي لم يبق لها مجتمعة سوى ست مقاعد هي الأخرى، في تلك التشكيلة البرلمانية آنذاك. هذه النتائج، بالطبع، لم يتم الحصول عليها بالمصادفة ولا اتفاقا، وانما هي نتيجة سياسة يرى المراقبون انها تعتبر مناقضة للسياسة الممارسة بنجاح في الأردن والمغرب، وتدير ظهرها لخمسة عشر عاماً من الاندماج المشروط والتدريجي للإسلاميين في النظام. ولذلك فلا مفر من أن تفضي هذه السياسة إلى مشكلات في علاقات القوى السياسية. وإذا كانت ليبيا القذافي في شمال مصر قد تعقّلت وترزنت خلال السنوات الأخيرة على الرغم من أن الوضع فيها يظل قابلاً لكل الاحتمالات فإن السودان يظل جنوباً تحت حكم العسكر وان كانوا يسعون للتهدئة الآن ويبحثون عن سبل للتوصل الى الحرب الناشبة في الجنوب. وفي سياق آخر مختلف عن هذا السياق السائد في مصر أو في الجزائر ولأسباب أخرى، دخلت العربية السعودية في مرحلة مختلفة. يبدو من أول وهلة أن اختيار الأمير عبد الله بن عبد العزيز وليا للعهد هو اختيار صائب وحكيم. فهو يبلغ من العمر أربعة وسبعين عاماً، وهو الأخ الشقيق للملك فهد والابن الثالث عشر لمؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز بن سعود فهو يتولى منذ العام 1962 رئاسة الحرس الوطني (77000 رجل) وهي هيئة تؤمن بوجه خاص حماية الحقول البترولية. وبهذه الصفة كان منذ أزيد من ربع قرن واحداً من أهم أعمدة النظام إلى جانب اثنين من إخوته الآخرين، هما الأمير سلطان (ويأتي بعده مباشرة في نظام الخلافة) والأمير نايف. ويشغل الأول منصب وزير الدفاع بينما يشغل الثاني منصب وزير الداخلية. وعلى خلاف هذين الأميرين اشتهر الأمير عبد الله بمنحه امتيازاً خاصاً للصداقات العربية مع بلاده وبعدائه القوى للصهيونية . فضلاً عما يعرف به من تقشف ومن قرب وتعاطف مع القبائل التي ورث عنها بساطة الحديث والعادات، ويمكن القول باختصار أنه على الرغم من تقدم سنه فهو يتمتع بصورة إيجابية أياً كانت المبررات التي عليها في سياق الأوضاع السائدة حالياً في شبه الجزيرة العربية. فمنذ حوالي عامين ألى ثلاثة أعوام، تجتاز العربية السعودية بالفعل منعطفا يجتذب اهتمام المراقبين فقد شهدت الساحة السعودية بعد سلسلة من الحوادث ذات الأثر المحدود ما وصف بهجمة ضد مقر مستشاري الحرس الوطني الأميركيين في الرياض أدت في 13 نوفمبر 1990 ما ادى الى مقتل سبعة أشخاص، من بينهم خمسة أميركيين، ونحو خمسين من الجرحى. وقد أعقبت هذه الحادثة حادثة أخرى من النوع ذاته يوم 25 يونيو 1997 في القاعدة العسكرية التي تديرها الولايات المتحدة في الظهران ليس بعيداً عن الحدود الكويتية، حيث أدى انفجار شاحنة ملغومة إلى مقتل تسعة عشر أميركياً. وعلى الرغم من أن مصدر هذا الاعتداء لم يتضح وضوحاً تاماً فقد وجهت أصابع الاتهام بشكل عام الى عناصر متشددة ذات صلات خارجية. ويلاحظ المراقبون انه في هذا البلد الواسع الثراء المنتج والمصدّر العالمي للبترول (يصل الإنتاج الحالي إلى 8 ملايين برميل يومياً ويمكن أن «يضخ» لمئة عام مقبلة) والمسيّر في ذات الوقت تسييراً صار معه العجز في المالية العمومية مزمناً. ولا يزال هذا العجز يتفاقم يوماً بعد يوم محدثاً زيادات فادحة في الأسعار على السكان الذين عاشوا طويلاً بعيدين عن الضغوط، ومن ناحية أخرى فقد ضربت البطالة أكثر من 000,50 من الشباب السعودي المتعلم ومنهم 60% من الحاملين لشهادات في الدراسات العليا. وباختصار يمكن القول انه من المتوقع انه سوف تبدأ مرحلة انتقالية بالغة الدقة لا سيما وأن القادة في الرياض قد أبدوا استعدادا للسير في نهج تكييف المؤسسات السياسية البالية في البلاد مع المعطيات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة المتولدة عن الثراء البترولي وما أفرزه من تناقضات عديدة. ففي بؤرة الإشعاع الإسلامي العالمي هذا والذي يشكل المركز الرئيسي للمصالح البترولية والاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، لا يمكن الا ان يتابع المراقبون ما يجري باهتمام شديد. وما دمنا سنتناول الوضع السائد في إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة من ناحية والوضع في تركيا من ناحية أخرى تناولاً موضحاً في فصول أخرى من هذا الكتاب، وبشكل مختصر وضع المسلمين في البوسنة ووضع سكان البلقان الألبان فإننا لا نرى داعياً لأن نتوسع أكثر في هذا المقام . العجرفة الاميركية غير أنه من الجدير ذكره في هذا السياق أيضاً الوقوف عند طابع المغامرة المليء بالمخاطر الذي يطبع السياسة الاسرائيلية ربما منذ حكومة بنيامين نتانياهو فقد اعتقد إسحاق رابين وشيمون بيريز بإمكانية وجود دولة يهودية في الشرق الأوسط العربي الإسلامي مقبولة بموجب مبدأ «السلام مقابل الأرض» - قطاع غزة والضفة الغربية والجولان السورية وحدود لبنان الجنوبية وربما القدس أيضاً - لكن نتانياهو فضل على عكس الآخرين فرض الوجود الإسرائيلي بالقوة على الفلسطينيين وعلى جيرانه. فقد ألغى تقريباً على مدى سنتين بعد أن أدار ظهره كلياً لسياسة سلفيه، عملية أوسلو إلغاءً تاماً من دون الوصول إلى إيقاف العمليات الفلسطينية التي تستهدف بانتظام الكثير من مواطنيه. وبذلك تتعرض إسرائيل يوماً بعد يوم لمزيد من العزلة دبلوماسياً وتجارياً، بينما يجد ياسر عرفات المرهق صحياً نفسه في وضع سياسي ضعيف إزاء المعارضة في الجهاد الإسلامي وفي حزب الله وفي حماس بوجه خاص. فبعد الفشل الذريع الذي تكبدته الموساد في عمان، لم يجد نتانياهو في بداية أكتوبر 1997 بدّاً من قبول خروج القائد الروحي لحماس الشيخ أحمد ياسين من السجن وعودته إلى غزة علماً بأن هذا الأخير بالتأكيد لا يكن الكثير من الود لعرفات. ومن ناحيتهم بات المصريون والأردنيون الذين بادروا بمد يد المصالحة إلى إسرائيل يشعرون بأنهم خدعوا ولم تزدهم هذه المشاعر المرة سوى خيبة وإحباط. أما سوريا فقد عادت لعدائها الصريح وهي تزداد تقرباً بألد أعداء أما الأميركيون الذين تقلص نفوذهم كثيراً في المنطقة وحيث لم يجدوا تعويضاً لهذا التقهقر سوى إسرائيل وجيشها حليفيها الحقيقيين، وقد عمدوا مؤخرا للتحرك بأنفسهم في المنطقة ولا شك أن هذه السياسة الخطرة قد تجر المنطقة إلى دوامة من العنف والصراعات التي لا يعلم إلا الله عواقبها. وتندرج ضمن هذه الخانة من العجرفة الأميركية أيضاً سياسة العقوبات العمياء والعنيفة التي يمارسها من ناحية أخرى نفس هؤلاء الأميركيون ضد إيران، كما سنبين ذلك بوضوح في مقام آخر. ولكن هل الأمور في إيران تتطور في الاتجاه السليم ؟ لعل ذلك هو ما يحدث بالفعل. لكن لا يزال الحذر قائماً بعد إلى الآن، فلأول مرة منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 انتخب رئيس من الإصلاحيين، حجة الإسلام محمد خاتمي في اقتراع عام يوم 23 مايو 1997 منتصراً بـ 79% من الأصوات (وهو ما يمثل 22 مليون صوت)على مرشح المحافظين رئيس البرلمان آية الله علي أكبر ناطق نوري، بفضل الدعم الكثيف للنساء والشباب الطامحين بعد عشرين عاماً من الثورة الايرانية إلى مزيد من الحرية السياسية والثقافية والاجتماعية. وفي الخطاب الذي ألقاه أثناء تسلمه الحكم في 4 اغسطس من العام نفسه والذي تعرض فيه ثانية للمحاور الكبرى التي تناولها أثناء حملته الانتخابية أكد محمد خاتمي الذي شغل قبل ذلك ببضع سنوات منصب وزير للثقافة أن حكومته لن تدخر جهداً في «إعادة بناء الحريات العامة» وبأنه سيقاوم «كل تعدٍّ على الكرامة والحريات الفردية» كما أكد من ناحية أخرى أن إيران «تشجع الحوار ما بين الحضارات وتسعى إلى تحقيق الانفراج في علاقاتها مع الخارج». مذكراً في ذات الوقت بأن بلاده «سوف تستمر في مقاومة القوى الأجنبية التي تسعى إلى فرض إرادتها (في اشارة إلى الولايات المتحدة) وفي الدفاع عن المضطهدين في العالم. وفي مقدمتهم «الشعب الفلسطيني». غير أنه لا ينبغي أن ننسى انخاتمي منبثق من التربة الخمينية ومن المشروع، من منظور المراقبين حتى اليوم، التساؤل عما اذا كان سيفي بوعوده المشجعة بوجه عام وهو اليوم يحمل عبء الدولة على عاتقه في مجتمع إيراني بالغ التعقيد حيث الطموحات الليبرالية قوية بالتأكيد ولكنها كثيراً ما تصطدم بقوة الأوساط المحافظة التي لا يزال نفوذها طاغياً إلى حد كبير. لقد ذكر رئيسه الروحي رئيس كل الإيرانيين الروحي أيضاً آية الله علي خامنئي «القائد الأعلى للثورة» الذي خلف في هذا المنصب منذ عام 1989 آية الله روح الله الخميني، قلت لقد ذكر الرئيس المنتخب الجديد بوضوح وعلى رؤوس الأشهاد بقواعد اللعبة وبالخطوط التي لا ينبغي تجاوزها. «إن العديد من البلدان ولا سيما الوسائط الإعلامية تنساق وراء تكهنات زائفة ليست سوى تعبير عما يتأملون. وقد صرح الرئيس خاتمي على أثر قمة منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد بطهران في ديسمبر 1997 والذي كان انتصاراً دولياً باهراً لإيران (فقد حضره خمسون ملكاً ورؤساء دول أو من مثلهم على أعلى مستوى) قلت لقد صرح في مؤتمر صحافي بأنه يأمل في فتح حوار جاد مع الولايات المتحدة. وقد عبر عن هذه الرغبة بأسلوب أكثر وضوحاً بعد ذلك أثناء حوار مع شبكة سي. ان. ان. في السابع من يناير بل وقد وصف هذه الأخيرة بـ «الشعب الأميركي العظيم». وكان بيل كلينتون وناطقه الرسمي قد أعربا عن مصلحة بلادهما في هذا الحوار، لكن على خامنئي ما فتئ في 16 يناير أن زاد ضبط عقارب الزمن على الساعة الإسلامية رافضاً دون أي لبس أو غموض كل مشروع «للحوار أو للمفاوضات مع الولايات المتحدة، الشيطان الأكبر التي قد تسييء إلى مصالح إيران وإلى الحركة الإسلامية العالمية». بعيداً الى الشرق بعيداً إلى الشرق تظل القوقاز تعاني آثار وتبعات التدخل الروسي الدموي المدمّر في الشيشان ناهيك عن ذلك الذي سبقه بسنوات قليلة على ضفاف آسيا الوسطى في أفغانستان، والذي كانت عواقبه المدمرة أسوأ بكثير. وفيما وراء تلك المنطقة تتصارع الهند وباكستان القادرتان كلتاهما على تطوير قواهما النووية على منطقة كشمير ذات الأغلبية المسلمة. ويضاف إلى ذلك التوتر القوي السائد في كسينجيانغ (تركستان الصينية)، وفي ماليزيا أخيراً تبنى رئيس الوزراء مهاتير محمد، الرجل القوي، الذكي، خطاباً نارياً معادياً للغرب، وحسبنا هذا التذكير المختصر لما تشهده هذه المنطقة الحساسة من غليان. وباختصار أكثر نقول ان «كرة الرجبي» قد تبدو للكثيرين قنبلة موقوتة مرعبة قد ينتج عن انفجارها يوماً آثار مدمرة على جزء كبير من الكرة الأرضية. غير أنه حتى وإن كانت هذه المنطقة ذات المخاطر الجسيمة تمثل في مجملها مساحة التوسع الإسلامي فإنه من الخطأ كل الخطأ أن نرى في هذا التصادف الجغرافي علاقة مطلقة للعلة بالمعلول وأن نستنتج من ذلك بأن الحد الضروري من هذه المخاطر ينبغي أن يمرّ بالضرورة بسياسة إدانة و«احتواء» وقمع للتيارات الاسلامية على غرار ما حدث ضد الشيوعية على مدى قرابة الأربعين عاماً حتى الانهيار النهائي لـ «ديانة القرن العشرين العلمانية الكبرى» وعلى الرغم مما تبدو عليه الظاهرة الإسلامية ومهما قاله في شأنها الكثير ممّن تحركهم سوء النوايا والأفكار المركنتيلية المسبقة (ولا سيما «البتروليون» وتجار الأسلحة فليس هناك «خطر أخضر» في طريقه لأن يحل محل «الخطر الأحمر». فالمسلمون اليوم يعيشون فترة من الصحوة ومن الرجوع إلى الأصول كما كان ذلك شأنهم في مراحل عديدة من تاريخهم. فلم يكن نمو القادرية التي تأسست في بغداد على يد عبد القادر الجيلاني في القرن الثاني عشر أو توسع التيجانية والسنوسية اللتين ولدتا في الجزائر في القرنين الثامن والتاسع عشر والدعوة الدينية الجديدة التي ظهرت على يد سيدي أحمد التيجاني بالأغواط (الجزائر) ودعوة سيدي محمد بن علي السنوسي التي نشأت في مستغانم (الجزائر) سوى «طرق» للسمو الروحي المنبثقة عن الصوفية (وهي نزعة إسلامية نشأت أسسها الأولى منذ القرن السابع بعد هجرة الرسول بقليل)، أنشأتها جمعيات دينية وانتشرت انتشاراً سريعاً في الأمة الإسلامية حتى بلغت مناطق إفريقيا الساحية. وقد عرفت هذه الحركات عند أوجها وقبل أن تهدأ مراحل من الإدانة العنيفة للأجنبي الظالم والمدنس للأخلاق والمفسد للقيم والتي كثيراً ما كانت تفضي إلى الجهاد أي الحروب المقدسة الموجهة عادة ضد الغزاة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر تلك التي حدثت أثناء الغزو الاستعماري الأوروبي خلال القرن التاسع عشر كالمقاومة المسلحة المستميتة للسلطانين حاج عمر وساسوري في النيجر والسلطان رباح في حوض بحيرة التشاد و «المهدي المنتظر» محمد أحمد عبد الله في السودان النيلي. فاليوم مثل الأمس نجد على الرغم من اختلاف السياق التاريخي نفس المزيج من رغبة العودة إلى الأصول الروحية ومن إرادة التخلص من كافة أشكال التعدي والهيمنة الأجنبية الثقافية والاقتصادية ومن باب أولى العسكرية، أي باختصار كل مظاهر الاستعمار. نحو تفسيرات موضوعية ومن ناحية أخرى لا ينبغي أن تحولنا النظرة الشمولية للظاهرة الإسلامية عن تحليل الأوضاع الاستثنائية والخاصة، بلداً بلداً وفي هذا التحليل فسوف نجد تفسيرات سياسية موضوعية للأزمات الحقيقية الناشبة في هذه المنطقة الخطرة من العالم في نهاية هذا القرن، تفسيرات لا صلة لها في النهاية بالديانة الإسلامية ذاتها، إنه أشكال الظلم الاجتماعي المتعسف الواقع على السكان المعنيين، وكذلك الأنظمة الجائرة المفروضة فرضاً على هؤلاء السكان لأسباب مركنتيلية في غالب الأحيان، والمتواطئ فيها بشكل أو بآخر الغرب المنحاز للمسيحية على نحو لا يقل تطرفاً وتعسفاً. ولو قبلنا برؤية الأمور على هذا النحو فسوف نستنتج أن مساهمة هذا الغرب نفسه في التنمية الاقتصادية للمغرب العربي وللشرق الأوسط مساهمة أكثر أهمية مما هي عليه اليوم، هي وحدها الكفيلة بنزع فتيل القنابل المدخّن على أبوابه. ذلك هو الحل وليس الاستمرار في الدعم الأعمى لسياسات القمع التي لا طائل من ورائها. وفي انتظار نتائج مثل هذا التطور لا بد من اجتياز مراحل صعبة، وكثير من المناطق لم تعد في مأمن من تجارب جديدة والتي قد تستمر إلى حين ، ولكن كيف العمل لتفادي دفع فواتير أخطاء الماضي؟ وما أكثر الفواتير التي لم تدفع بعد. ولأوروبا وفرنسا أولاً مسئولية خاصة في هذه القضية، بل وعليهما أن تلعبا دوراً كبيراً، أكبر بكثير من دور الأميركيين الذين صاروا اليوم وأكثر من أي وقت مضى أقل اعتباراً وحظوة حتى في العواصم التي لا تجد بداً ـ بعد أن تعذر عليها البديل، من الاستمرار في التحاور معهم.