السبت 24 صفر 1424 هـ الموافق 26 ابريل 2003 أحد ردود الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي الاعتيادية عندما يقوم الجنود بقتل انسان لا علاقة له بالحرب الدائرة، أو حتى في عمليات رشق الحجارة (هذه الحجارة التي لا يوجد من يشكك في ان حكم من يرتكبها هو الموت) - هو ان الوضع خطير وان هناك قتالاً يدور في المناطق وان خطر الوجود في ذلك المكان معروف للجميع. هذا ما قالوه بعد ان أصيب نشطاء منظمة التضامن العالمية سآي.اس.إمس، وهذا ما قالوه عندما قتل مصور التلفزيون الفلسطيني، نزيه دروزة، ابن الخامسة والاربعين عاما والأب لخمسة اطفال يبلغ عمر أصغرهم اربعة اشهر. كل من يوجد في المناطق - يعيش، يعمل، يدرس - يعرف جيدا ان الوضع خطير. كل صحفي اجنبي أو ناشط من نشطاء الحركات التضامنية الذين يختارون الوجود هناك يدركون هذه المخاطر المحدقة. وهذا ينطبق ايضا على اسرائيليين غير قلائل من الذين يختارون الالتقاء مع فلسطينيين في اماكن سكناهم المحاصرة على الرغم من القيود التي تفرض على ذلك - ولتشاهدوا ما يحدث من اعتداءات على نشطاء حركة تعايش.اغلبية الفلسطينيين لا يختارون التورط في الاوضاع الخطرة التي تحدث فيها عمليات التصفية، فهم يعيشون من دون ذلك في خطر دائم. ولكن هذا كان اختيار دروزة شأن غيره من المصورين والصحفيين الآخرين، فلسطينيين وأجانب، الذين يرغبون في التراكض من مكان الى مكان لتوثيق وتغطية أجزاء من الحياة في ساعات الخطر. وهكذا نجد ان دروزة، الفلسطيني والمصور، يعيش في خطر مزدوج.المواطنون في المناطق، وليس رجال الاعلام وحدهم، مهددون بخطر دائم من الاصابة أو القتل - بشظايا صاروخ موجه لأحد نشطاء فتح أو حماس أو أحد مباني السلطة الفلسطينية، أو من رصاصة تائهة أطلقها فلسطيني مسلح من دون ان يتوخى الحذر، أو من رصاصة جنود خائفين أو غاضبين أو عديمي الحذر على الحواجز. لذلك يخاف رعاة الماشية والأغنام من التحرك بين الجبال، ويحصرون انفسهم في الاماكن القريبة من مواقع سكناهم: من الخطير ان تتحرك وحدك في حقل حيث يستطيع الجندي دائما الادعاء بأنه اشتبه بأنك مخرب. هناك خطر دائم يتربص بالمواطنين الفلسطينيين وزوارهم في مخيمات اللاجئين في غزة. فكل اجتياح يقوم به الجيش الاسرائيلي هناك يترافق مع عمليات اطلاق نار قاتلة وجارحة.وعلى الرغم من ذلك، يعتقد المواطنون المعرضون للخطر ان الاقتراب من موقع الخطر ينطوي على بعد دفاعي، إذ انه يتيح المجال للتأكد من الخطر. من المفترض في الوقت ذاته ان يميز الجيش الاسرائيلي بينهم وبين المسلحين أو راشقي الحجارة، إذ ان الناطقين باسم هذا الجيش يتفاخرون بالاجهزة المتطورة التي تشخص المسلحين ليلا ومن مسافات بعيدة. فاذا كانت الاجهزة متطورة الى هذا الحد فلماذا لا تشخص النساء الواقفات بجانب النافذة خلال حظر التجول، أو الصحفيين والمصورين أو طواقم الاسعاف الطبية؟ حقيقة ان هؤلاء قد أصيبوا وقتلوا لا تبرهن على ان الجيش الاسرائيلي لا يملك اجهزة رؤية وتشخيص محكمة وانما تدلل على ان هذا الجيش لا يكلف نفسه دائما باستخدام هذه الاجهزة.لذلك يرتدي الاشخاص الذين تتطلب وظيفتهم ومهنتهم التحرك في مناطق خطرة سترا واقية وعليها أحرف مضيئة وبارزة تدلل على هويتهم، وهذا يهدف الى مساعدة الاجهزة المتطورة التي يملكها الجيش. دروزة كان قريبا جدا من الجنود الذين علقوا مؤخراً في دبابة عند المدخل الغربي لحي الياسمينة في البلدة القديمة في نابلس، بجانب مدرستين للبنات - عبد الناصر والفاطمية - تماما في ساعة خروج البنات من الصفوف. صحيح ان دروزة قد جاء الى هناك اذ يحدثون عنه انه قد أظهر خلال العامين والنصف الاخيرين شجاعة وإقداما وكان من الأوائل الذين يصلون الى المناطق الخطرة. أي ان دروزة يملك خبرة «قتالية»، فقد استطاع كصحفي مستقل ان يكتسب بصورة طبيعية قواعد وأصول الحيطة والتموقع في المكان، وهو مثل رفاقه الصحافيين تعلم ان عليه ان يبتعد عن الفلسطينيين المسلحين وحتى عن الاطفال راشقي الحجارة. يتوجب احتلال زاوية بعيدة والتموقع فيها وان يظهر نفسه بدرجة كافية حتى لا يخطيء الجنود ويعتقدون انه أحد المسلحين. كما يتوجب عليه ان يبقى دائما في موقع ثابت بحيث يتمكن من التوثيق، وهذا خلافا للمسلحين الذين يحرصون على الاختباء والتنقل بين الأزقة والأسطح.ومن حق الجنود العالقين في دبابة ترفض التحرك ان يشعروا بالفزع، خصوصا عندما يكونون في قلب حي سكني اعتادوا على اعتباره وكراً لـ «المخربين». قبل اسبوع من هذا الحدث قتل هناك جندي وربما كان رفيقهم.فهل كان الفزع هو الذي دفع الجندي الذي التقطته عدسة كاميرا اخرى الى اطلاق رصاصة واحدة وهي التي أصابت دروزة على ما يبدو؟ وهل الفزع هو الذي دفعه لاطلاق الرصاص مباشرة نحو انسان يبعد عنه مسافة قصيرة جدا تتراوح بين 15 - 50 مترا؟ ربما كانت اشعة الشمس هي التي جعلته يعتقد ان الكاميرا كانت سلاحا؟ أي انه كان خطأ انسانيا مؤسفا كما سيجيء في تحقيق الجيش الاسرائيلي.هذا الاطلاق لم يكن اطلاق نار مذعور وفي كل الاتجاهات على أي حال. اطلاق النار في كل الاتجاهات أصاب ثمانية عشر شخصا اغلبهم من التلاميذ والتلميذات الموجودين على مسافة ما من المصورين. اطلاق النار الذي أصاب دروزة كان مقصودا ودقيقا وممركزا. رصاصة واحدة موجهة للجزء العلوي من الجسم. لقد ورد على لسان القناصة الاسرائيليين في مرات عديدة ما تعلمه الفلسطينيون على جلودهم: اطلاق النار على الجزء العلوي من الجسم يهدف الى قتل صاحبه. الفرق بين اصابة المسلح واصابة المصور المزود بكاميرا هو ان الاول يكون مختفيا، أما الثاني فهو قطعة نقدية يبحثون عنها ويجدونها تحت المصباح.فهل استنتج الجندي بشكل شخصي - أو هو ورفاقه وقادته - بأن اصابة انسان بصورة مباشرة ستدفع المحتشدين الى التفرق، وتجعلهم يصبون اهتمامهم على المصاب، الامر الذي يفسح المجال أمامهم لتخليص الدبابة العالقة بسرعة؟. الفلسطينيون يسارعون الى الاستنتاج بأن اصابة المصور كانت مقصودة: الهدف هو ان لا يوثق اخفاق الدبابة ومشهد الطالبات وهن يتراكضن تحت أزيز الرصاص وفزع الجنود أفراد الجيش الأقوى في الشرق الاوسط (بعد جيش الولايات المتحدة) - في مواجهة بضعة اطفال وعدد من المسلحين شبه المدربين. عن «هآرتس»