السبت 24 صفر 1424 هـ الموافق 26 ابريل 2003 فيما كنت جالساً ضمن المدعوين لحضور حفل توزيع جوائز مهرجان بافتا التلفزيوني، مؤخراً، اصابني السكون بالصدمة. ففي ذلك المكان وجد الكثير من افراد النخبة الليبرالية المؤثرة والكتاب والمخرجين والمسرحيين، والصحافيين ومديري المصدر الرئيسي للمعلومات التي نحصل عليها، التلفزيون، وعلى الرغم من ذلك لم يجرؤ احد على كسر السكون. كان الأمر يبدو كما لو اننا كنا قد قطعنا عن العالم الخارجي، عالم السلطة الجامحة النهمة والجرائم الكبرى التي ترتكبها باسمنا حكومتنا وزعيمها الغريب. يقول نظام بوش، ان العراق يعد «الاختبار الأول»، الذي يقترب في كل يوم من التعريف الذي يحدده موسوليني للفاشية: الاندماج بين الدولة ذات النزعة العسكرية وسلطة المؤسسات الاقتصادية كما ان العراق هو أيضاً الاختبار الاول لليبراليات الغربية. فبينما تتزايد المعاناة في ذلك البلد الذي تعرض للقصف، ويصف الاطباء العاملون ضمن فريق الصليب الاحمر معدل الاصابات بين المدنيين بأنه «لا يصدق» يثور «الجدل» في هيئة الاذاعة والتلفزيون البريطانية حول ما اذا كان المرشح التالي للغزو هو سوريا ام ايران، وكأنما تجرى مناقشة مباراة في نهائي كأس العالم. ان ما لا يمكن تصديقه يتم تقديمه على انه شيء عادي. يقول الكاتب الصحافي الأميركي ادوارد هيرمان: «هناك عادة نوع من تقسيم العمل في ارتكاب ما لا يصدق وعقلنته، فهناك التوحش والقتل اللذان تقوم بهما مباشرة مجموعة من الاشخاص.. وهناك اخرون يعملون على تطوير التقنية «نوع أفضل من أنواع الغازات الحارقة، نوع من قنابل النابالم القابلة للاحتراق والالتصاق اطول فترة ممكنة، شظايا قذائف تخترق الجسد على نحو لا يمكن تجنبه». انها وظيفة الخبراء، والاعلام الرسمي، التي تقضي بجعل ما لا يمكن تصوره قابلاً لأن يتصوره الرأي العام». لقد كتب هرمان ذلك في اعقاب حرب الخليج في عام 1991، وهي الحرب التي لم تعرض قط صورها الليلية التي تبدو فيها الجرافات الأميركية اثناء قيامها بدفن آلاف المجندين العراقيين الشباب، الذين تم دفن العديد منهم احياء في اثناء محاولتهم الاستسلام، وعلى الرغم مما حدث فقد تم اظهار المذبحة على انها امر عادي. ورغم ان احدى الدراسات الصادرة عن معهد «ميديكال اديو كيشن ترست» في 1991 قبل موعد الاحتفال بعيد الميلاد بفترة قصيرة كانت كشفت عن ان 200000 رجل وامرأة وطفل عراقي قتلوا أو لقوا مصرعهم كنتيجة مباشرة للهجوم العسكري الذي كانت تقوده اميركا، الا ان ذلك لم يعلن عنه إلا بالكاد، كما ان طبيعة «الحرب» المتميزة بالنزوع إلى القتل لم تدخل على الاطلاق الوعي الجماهيري في بريطانيا، دع جانبا اميركا. لقد افرز التدمير المتعمد الذي قام به البنتاغون للبنية الاساسية المدنية العراقية كتدمير مصادر الطاقة الكهربائية والماء ومشروعات الصرف الصحي، بالاضافة إلى لعبة الحظر التجاري التي تتساوى في بربريتها مع بربرية اي من اساليب الحصار التي اشتهرت بها مجتمعات القرون الوسطى افرز نوعاً من المعاناة لم يتم فهمه بصورة كاملة في الغرب. وقد توفرت الادلة الموثقة، الكثير من الادلة، القائلة بأنه منذ اواخر التسعينيات، كان اكثر من 6000 رضيع يموتون شهرياً، وان المسئولين الكبيرين في الامم المتحدة المسئولين عن الاغاثة الانسانية في العراق، دنيس هاليداي وهانس فون سبونيك، كانا قد قدما استقالتيهما، كنوع من الاحتجاج على برنامج العمل غير المعلن للحصار. وقد اسماه هاليداي «الابادة الجماعية». بالنسبة لما حدث في شهر يوليو الماضي، فإن الولايات المتحدة، تؤيدها حكومة بلير، كانت تعتمد ايقاف المساعدات الانسانية التي تصل قيمتها إلى 4,5 مليارات دولار، المشتملة على كل شيء من لقاح الأطفال إلى اكياس البلازما إلى الأدوية البسيطة المهدئة للألم، كل ما قام العراق بشرائه بتصريح من الأمم المتحدة. ان الهجوم الذي شنته مؤخراً، اكبر قوتين عسكريتين على شعب يعاني من الضعف والمرض وعلى نطاق واسع عدم القدرة على الدفاع عن نفسه هو بمثابة الامتداد المنطقي لهذه البربرية. غير ان هذا اصبح يطلق عليه الآن «انتصاراً» بعده عادت الغواصة «تيربيولنت» إلى ميناء بلايموث، وهي تحمل علم جولي روجر، شعار القراصنة، كم هو مناسب هذا التصرف! ان هذه الغواصة التي تعمل بالطاقة النووية كانت قد اطلقت على العراق ما يقارب 30 صاروخاً من طراز توما هوك، تصل تكاليف كل منها إلى 700000 دولار، أي باجمالي 21 مليون دولار. وهو وحده ما يكفي لامداد البصرة التي تعاني من حالة من البؤس بالطعام، والماء والدواء. تصوروا ما الذي اصابته صواريخ الكوماندر اندرو مكندريك الثلاثون/ ما هو عدد الاشخاص الذين قتلتهم او شوهتهم اولئك المدرجين ضمن امة نصف عدد مواطنيها تقريباً من الأطفال؟ ربما كنت ايها الكوماندر، تستهدف قصراً بصنابير من الذهب مثبتة في حماماته، أو تجهيزات تعمل بأنظمة «التوجيه والسيطرة»، كما يحب الاميركيون وجيفري هول ان يقولوا كذباً. او كل واحد من صواريخك مزود بأداة استشعار يمكنها من التمييز بين «الافعال الشريرة» التي يقوم بها جورج بوش وتلك التي يقوم بها الاطفال الرضع. الا ان ما هو اكيد ان اهدافك لم تكن قد تضمنت «وزارة النفط». عندما بدأ الغزو تمت مناشدة ابناء الشعب البريطاني بتقديم «الدعم» للقوات المرسلة بصورة لا تستند لا إلى الشرعية ولا الى الديمقراطية لقتل شعب لا يوجد بيننا وبينه عداء». «ان الاختبار النهائي لاحترافيتنا» هو الطريقة التي يصف بها الكوماندر مكيندرك هجوماً غير مبرر على بلد ليس لديه غواصات، ولا قوات بحرية، ولا جوية، والآن لا مياه عذبة ولا كهرباء وفي العديد من المستشفيات لا أدوية تخدير يمكن بواسطتها بتر الاعضاء الصغيرة الممزقة بشظايا القذائف. لقد شاهدت في الكثير من الاماكن الطريقة التي يتم بواسطتها ذلك، باستخدام كمامات توضع في افواه المرضى. الطفل، علي عباس، الصبي الذي فقد والديه وذراعيه في هجوم صاروخي تم ارساله للعلاج بأحد المستشفيات الحديثة في الكويت لقد ساعدته الشهرة. ويقول رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بأنه سوف «يفعل كل ما بوسعه» لمساعدته. ان هذا لابد له ان يكون بمثابة الاهانة الحقيقية في صميم الذاكرة الجماعية لكل اطفال العراق الذين فقدوا ارواحهم في الحرب الوحشية التي شنها بلير، ونتيجة للحظر الذي ايده بلير بحماس شديد. ان انقاذ علي يستبدل حقنا في التعريف بحجم الجريمة المرتكبة باسمنا في حق الأطفال بمشهد دعائي يضفي طابعاً خيرياً على ما فعله. ولننظر الآن للصورة التي تظهر فيها شاحنة محملة بعشرات النساء والأطفال المقطعة اوصالهم «الذين شاهدهم الصليب الأحمر». وبينما كان علي في طريقه الى الكويت، كان الأميركيون يمنعون طائرة تابعة لمنظمة «انقاذ الاطفال» محملة بالمعدات الطبية من الوصول إلى شمال العراق، حيث يعيش 40 ألف طفل في حالة من البؤس. وحسب مصادر الأمم المتحدة فإن نصف سكان العراق لايتوفر لديهم من الطعام ما يكفي لاكثر من بضعة اسابيع. يقول رئيس برنامج الغذاء العالمي ان 40 مليون شخص موزعون حول العالم هم الآن بحاجة ماسة للغذاء بسبب الظروف التي احدثتها الفوضى الناجمة عن الكارثة الانسانية في العراق. ويقال ان هذه هي «الحرية»؟ كلا، انه الغزو اللعين، الذي كشفت عنه عمليات النهب الواسعة للمصادر والثروات الطبيعية للعراق اسألوا تلك الجموع التي تملأ الشوارع، الذين تحولت لديهم مشاعر الخوف والكراهية لصدام حسين بين عشية وضحاها، لتأخذ شكلاً حقيقياً موجهاً ضد بوش وبلير وربما ضدنا «نحن» كذلك. ان هذا هو حجم الحماقة والجريمة التي ارتكبها بلير التي تستدعي التعجيل باثباتها. وكما لو انه كان يتحدث إلى المدافعين كتب، اندرو مار، المحرر السياسي بهيئة الاذاعة البريطانية: لقد قال «بلير» ان بامكانهم الاستيلاء على بغداد دون اي اراقة للدماء، وان العراقيين سيبتهجون بذلك في النهاية. وقد ثبت في كل من هذين الادعائين انه محق تماماً». وبالتالي فما الذي يعادل شيئاً كحمام الدم في نظر رئيس وزراء بريطانيا مثلما يمكن ان يفهم ذلك رجل يعمل في هيئة الاذاعة البريطانية؟ هل تعادلها جريمة قتل 3 آلاف شخص لقوا مصرعهم في حادث الهجوم الذي تعرض له برجا مركز التجارة بنيويورك؟ اذا كانت الاجابة هي نعم، فحينئذ قتل الالاف في العراق هو حمام دم. ان هناك تقريراً يقول بأن اكثر من 3 آلاف عراقي قتلوا في غضون 24 ساعة أو أقل. ام ان ما يقوله المدافعون هو ان حياة مجموعة معينة من الناس هي اقل قيمة من حياة اولئك الذين يملكون اهمية خاصة بالنسبة لنا؟ ان التقليل من قيمة حياة الانسان كانت باستمرار شيئاً ضرورياً بالنسبة للسعي إلى فرض الهيمنة الاستعمارية، من الكونغو إلى فيتنام، من الشيشان إلى العراق. واذا كان الامر كما يقول ميلان كونديرا «نضال الشعوب ضد الهيمنة الاستعمارية هو نضال الذاكرة ضد النسيان» فإن علينا الا ننسى اذن الا ننسى كذب بلير بشأن أسلحة الدمار الشامل المبني، كما يقول هانز بليكس، على «ادلة ملفقة» كما ينبغي لنا ألا ننسى سعيه الحثيث لانكار الحقيقة القائلة بأن صاروخاً أميركياً قتل 62 شخصاً في احد أسواق بغداد. ولا ينبغي لنا ان ننسى كذلك الأسباب الكامنة وراء اراقة الدماء تلك. ففي سبتمبر الماضي، واثناء الاعلان عن استراتيجيتها المتعلقة بالأمن القومي ادلى بوش بملاحظة قال فيها ان اميركا كانت عازمة على فرض هيمنتها على العالم. وبالطبع فقد كان العراق هو «الاختبار الأول» اما البقية فقد كانت متروكة للتخمين. ينبغي لنا الا ننسى ان احد وزراء الدفاع البريطانيين كان قد أعلن، للمرة الأولى، ان حكومته مستعدة لشن هجوم تستخدم فيه الأسلحة النووية. وبالتأكيد، فقد كان يحاكي بوش. ان الولايات المتحدة تحكمها الآن عصابة مافيا آخذ نجمها في الصعود، ورئيس الوزراء مستعبد لديها. والاثنان معاً يعملان على افراغ المفردات النبيلة كالتحرير والحرية والديمقراطية من معانيها الحقيقية ان الحقيقة التي لا يمكن قولها هي ان وراء الغزو اللعين للعراق يكمن غزونا كلنا: غزو عقولنا، وانسانيتنا واحترامنا لأنفسنا على أقل تقدير. واذا كنا نقول ولا نفعل شيئاً فإن هزيمتنا مؤكدة. ترجمة : مريم جمعة فرج عن «اندبندنت»