السبت 24 صفر 1424 هـ الموافق 26 ابريل 2003 هل استمرار الهيمنة الأميركية أمر مضمون ومؤكد؟ وهل حقا، أميركا ذات الـ 240 مليون نسمة، وهي نسبة لا تتعدى 4% من عدد سكان البشرية ستحكم العالم إلى الأبد؟المؤلف، بيير بيرنيس، يؤكد أنه لا يوجد أي سبب للتفكير بهذه الطريقة. فالصين عاكفة على استعادة قوتها وأوروبا عازمة على أن تسترد مكانتها وموقعها، وهناك روسيا التي ستبعث من جديد، واليابان الآخذة بالتحرر، والهند التي تستيقظ في كل مكان، هكذا نجد أن رغبة المقاومة للهيمنة الأميركية مؤكدة وملموسة، وبالامكان التأكيد بأن هذه المقاومة ستنتصر.ومؤلف هذا الكتاب الذي تنشره «البيان» بالتعاون مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر، هو مسئول الشئون الخارجية للبرلمان الفرنسي، عمل خلال ما يقارب 25 عاماً مراسلاً لصحيفة «اللوموند» في أفريقيا، وقد نشر كتابين هما «أفريقيا للأفريقيين»، و «الفرنسيون في أفريقيا السوداء» . ان التحول الاقتصادي العنيف الذي أقدم عليه المسئولون في بلدان أميركا اللاتينية خلال السنوات الأخيرة ينبغي ان يوضع في سياقه الجيوسياسي أي في اطار ما يربط هذه البلدان بالولايات المتحدة من صلات. لقد كان طموح الولايات المتحدة دائماً هو توسيع هيمنتها الى مجموع الأميركيتين ، أي كندا ولا سيما الى أميركا اللاتينية التي ظلت حتى نهاية القرن العشرين ولا تزال رغم ما حققته من تطورات شبه قارة تكاد تعيش على هامش التاريخ. فمنذ بداية القرن التاسع عشر كان مذهب جيمس مونرو يقوم على مبدأ منع كل تدخل أوروبي في الشئون الأميركية. وبعد مرور قرن من الزمن أشهر ثيودور روزفلت «العصا الغليظة» في وجه كل المعارضين للأطماع الأميركية في داخل هذه الأرض المحروسة. فمنذ اندلاع الحرب الباردة ما فتئ الخوف من دخول الشيوعية الى بلدان أميركا اللاتينية يقلق واشنطن ولا سيما بعد وصول فيديل كاسترو الى الحكم في هافانا ممّا برّر الدعم الأميركي لأسوأ الديكتاتوريات وكذا التدخل العسكري والبوليسي الذي كان موضع احتجاج وتنديد. من آلاسكا الى أرض النار لكن الوضع في الستينيات اختلف كثيراً حيث ارتأى الرئيس جون كيندي ومن بعده جونسون ضرورة اعطاء سياستهما الامبريالية دوراً أقل سلبية بتزيينها بوعود اقتصادية مغرية مقدّرين ان مساعدة شركائهم في أميركا اللاتينية في تنمية ورفع مستوى معيشة شعوبهم قد تكون وسيلة ناجعة للحيلولة دون وقوعهم في تجارب ثورية على غرار التجربة الكوبية. فقد ذهب الرئيس ليندون جونسون لدى زيارته الى يوانتا دل است بالأوروغواي في ابريل عام 1967 الى حد التعبير أمام نحو عشرين من نظرائه عن حلم الولايات المتحدة بانشاء سوق مشتركة ما بين الأميركيتين تمتد من «ألاسكا الى أرض النار» (وحدّد تاريخها بعام 1985) وتشكل منطقة واسعة من التبادل الحر والازدهار. وهذه الفكرة بالذات ـ التي ظلت معطلة على الرغم من تصريحات جورج بوش (الأب) الذي تحدث عن مبادرة تخص الأميركيتين دون ان يعطي أي توضيح عن هذه المبادرة ـ هي التي تناولها من جديد بعد سبعة وعشرين عاماً الرئيس بيل كلينتون في قمة الأميركيتين بميامي يومي التاسع والعاشر من ديسمبر عام 1994 أمام اثنين وثلاثين رئيس دولة وحكومة (الكوبيون وحدهم المعزولون عن القارة لم يُدعوا لهذه القمة). فالظروف بالفعل تبدو أفضل الآن بكثير لتحقيق ذلك الحلم، فقد جعل انهيار الاتحاد السوفييتي قبل ذلك بخمس سنوات من الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم، فقد أصبح الأميركيون الشماليون أكثر قدرة على ازالة التوتر في علاقاتهم السياسية مع الجنوب وعلى التعامل بقدر أكبر من المرونة والسخاء تجاه بلدان كانت في غضون تلك السنوات قد تحولت جميعها تقريباً الى الديمقراطية البرلمانية والليبرالية الاقتصادية. ففي أول يناير من ذلك العام (1994) أصبحت معاهدة التبادل الحر «ألينا» التي نجحت هذه البلدان في ابرامها مع جارتيهما في أميركا الشمالية، كندا والمكسيك، سارية المفعول. ويسعى هذا الاتفاق الشمال أميركي للتبادل الحر الى تشجيع بلدان الجنوب على الاندماج الاقتصادي وفقاً لهذا النموذج والاسراع في تحقيق التقارب ما بين الكيانين في سياق تحرير شامل للتجارة الدولية ولا شك ان سوق الأميركيتين هذه بحجم سكانهما الهائل (800 مليون نسمة) ومنتوجها القومي الداخلي الاجمالي المقدر في عام 2000 بنمو تسعة آلاف مليار دولار، تشكل لا محالة مغنماً هائلاً للجميع. غير ان هذا المغنم في الوقت الحالي مقسم بشكل غير عادل حيث تمثل دول الألينا الثلاث ثلاثة أرباع هذا المنتوج القومي الداخلي الاجمالي، بينما تمثل الولايات المتحدة لوحدها نصفه (مع ان سكانها يمثلون 30% فقط من المجموع). وبذلك يصبح من السهل ان نتنبأ بمن سيستفيد أكثر بالتبادل الحر، لكن الأمور في الواقع أكثر تعقيداً ما تبدو عليه، وقد تخيّب التطورات الجارية آمال واشنطن وأحلامها الى حدّ كبير. فبعد أربع سنوات على تطبيقه يبدو في البداية ان «الألينا» لم تبرّر لا المخاوف والآمال المطروحة أثناء التصديق عليه من قبل الكونغرس الأميركي. وحتى وان بدا التقدم في التبادلات ما بين الشركاء الثلاثة ملموساً منذ ذلك الوقت فانه لم يكن في الواقع سوى استمرار في نمو تلك التبادلات التي كان أصلاً قد شرع فيها قبل تلك المعاهدة بكثير. فالمكسيك لم تمتص كل وظائف العمل وكل رؤوس الأموال الأميركية الشمالية كما تنبأ به روس بيرو. ولم يتم اغراق سوق الولايات المتحدة ولا كندا بـ «سقط المتاع» المكسيكي (أي بالسلع الرديئة). وفي المقابل وحتى قبل أزمة البيزو تلاشى الحماس في أوساط رجال الأعمال وفي الطبقة السياسية الأميركية على السواء. وبعد خيبة الأمل التي أحدثتها تلك الأزمة لم يعد أحد يسمع شيئاً من أولئك الذين كانوا يتحدثون عن تمديد الاتفاق الى بلدان أخرى في أميركا الوسطى وكذلك الجنوبية كتشيلي مثلاً، فقد «أجلت المبادرة من أجل الأميركيتين الى وقت آخر». وفي انتظار ذلك تستمر أميركا في اعطاء دروس في الديمقراطية والتبادل الحرّ. وفي ذات الوقت، وكما كان ذلك شأنها في الماضي، في حماية سوقها (نحو ستين سلعة لاتينو ـ أميركية غير السلع المكسيكية وهي سلع أساسية لمنتجيها لا تزال تعترضها قيود مهمة عند دخولها الى سوق أميركا الشمالية). أما التشدد المتزايد في القيود المفروضة على الهجرة القادمة من أميركا اللاتينية ولا سيما المتوجهة منها الى كاليفورنيا فهو دليل آخر على انعدام النية الخالصة في انعاش «روح ميامي». وأمام هذا التناقض ما بين ارادة الهيمنة المحاطة بهالة من المثالية والتي لا تخلو في كثير من الأوقات بالعدائية وما بين الممارسات الحمائية العنيفة والمرائية، وهو التناقض الذي يمثل ثابتة من ثوابت السياسة الأميركية الخارجية لم تجد بلدان أميركا اللاتينية بداً من ان تبذل خلال السنوات الأخيرة جهوداً كبيرة من أجل توحيد أسواقها ما استطاعت الى ذلك سبيلاً حتى تجعلها أكثر استقطاباً للمستثمرين الأجانب الذين هم في أمس الحاجة اليها. انها في سياق آخر عودة لحلم سيمون بوليفار في الوحدة وحلم «الليبرتادوس» (أي المحرّرين) لبداية القرن التاسع عشر. لقد تضاعفت المحاولات أولاً ولكن دون نجاح يذكر في محاولة لاعطاء حياة جديدة للهياكل القائمة التي ظهرت ابتداءً من الستينيات من القرن العشرين وأهملت بعد ذلك بسبب التماثل الكبير في المنتجات وكذلك بسبب الصراعات ما بين بعض البلدان المعنية أو أيضاً بسبب اندلاع الحروب الأهلية ما بين بعضها الآخر. من بين هذه المحاولات على الخصوص مشروع السوق المشتركة لأميركا الوسطى الذي أُنشئ عام 1960 وضم غواتيمالا وسلفادور وهندوراس ونيكاراغوا وكوستاريكا، وهي السوق التي قوضها منذ العام 1969 الصراع الاقليمي ما بين هندوراس وسلفادور ثم تطور الأوضاع الثورية ونموها في نيكاراغوا و غواتيمالا. أما الكاريكوم الذي أنشئ عام 1973 ما بين الدول الأنغلوفونية (أي الناطقة بالانجليزية) لمنطقة الكاريبي (بليز، باهاما، جمايكا، باربادوس، توباغو وغويانا) فلم يتجاوز قط مرحلة التصريحات لعدم توفّر القناعات القوية. أما معاهدة الأنديز التي ضمت تشيلي وبوليفيا والبيرو والاكوادور وكولومبيا وفنزويلا، فقد رسمت، منذ البداية أهدافاً طموحة: تحقيق اتحاد جمركي ما بين الموقعين على المعاهدة والوصول سريعاً الى مخطط صناعي موحد. ولكن منذ ذلك لا يزال التحالف يراوح مكانه لأن محركيه لم يتوصلوا الى الآن الى وضع تعريفة خارجية مشتركة. فقد تركت تشيلي هذا التحالف عام 1976 بينما همشت بيرو نفسها عنه بعد «الانقلاب المدني» الذي قام به ألبرتو فوغيموري ثم بسبب الصراع الحدودي المسلح مع الاكوادور في السداسي الأول من عام 1995. ولم تعد المعاهدة اليوم أكثر من تحالف ثنائي ما بين كولومبيا وفنزويلا اللتين تؤمّنان لوحدهما نصف صادرات الحلف. وبالاضافة الى ذلك فقد شكل هذان البلدان مجموعة جديدة مع المكسيك التي أطلق عليها مجموعة الثلاثة. تهدف الى انشاء منطقة أخرى للتبادل الحر ولكن ذلك لم يمنع المكسيك نفسها من المشاركة في انشاء الألينا التي صارت سارية المفعول ابتداء من يناير عام 1994 ولا من ابرامها في شهر أكتوبر من العام نفسه اتفاقية ثالثة للتبادل الحر مع كوستاريكا هذه المرة، ولا يعني كل هذا سوى الفوضى التي تتخبط فيها هذه المنطقة وهو أمر لا مقنع ولا واعد بأي حال من الأحوال. وعد بالمستقبل وفي المقابل لا يسعنا ان نقول ما قلناه قبل قليل عن مبادرة أخرى مختلفة كل الاختلاف وتبدو واعدة بمستقبل أفضل بكثير. و هي المبادرة التي اتخذتها في السادس والعشرين من شهر مارس عام 1991 أربعة بلدان من القرن الجنوب أميركي الموقعة على معاهدة «أسنسيون» (وهي الأرجنتين والأروغواي والباراغواي والبرازيل) والتي تسعى الى ان تنشئ فيما بينها وبينها وبين جيرانها التي ترغب في الانضمام اليها اتحاداً جمركياً حقيقياً ألا وهو المركوسور. لقد سارت الأمور في هذه الحالة بسرعة كبيرة وقطعت أشواطاً عديدة. فبعد ان استكملت ببروتوكول مهم اعتمد أورو بريتو بالبرازيل في 19 ديسمبر 1994 الذي دعمها باطار مؤسساتي وبقانون جمركي أصبحت معاهدة أسنسيون سارية المفعول في يناير 1995 بعد التوقيع عليها بنحو أربع سنوات وما فتئ نجاحها الفوري يقويها ويدعمها يوماً بعد يوم. فمنذ البداية فرض اتحاد المركوسور بسكانه المئتي مليون نفسه كأكثر مناطق أميركا اللاتينية التجارية تكاملاً وديناميكية. فقط استطاعت 85% من المنتجات المفهرسة في مدونته الجمركية ان تنتقل بحرية ما بين أربعة بلدان، وقد أخضعت 90% من البضائع المستوردة من بلدان خارجية لتعريفة جمركية موحدة. أما التبادلات التجارية الداخلية المنشّطة منذ المرحلة التمهيدية فقد تضاعفت في العام 1996 وحده ثلاث مرات. وقد تلت ذلك الاستثمارات الصناعية ولا سيما ما بين الأرجنتين والبرازيل اللتين تمثلان محور هذه السوق المشتركة الجديدة. ولم يبق المستثمرون الأجانب الذين أغرتهم الاجراءات التسهيلية التي اتخذها المسئولون الاقتصاديون في الوقت نفسه مكتوفي الأيدي أمام هذه الفرص الجديدة، ولاسيما الأوروبيين منهم الذين وجدوا كل التشجيع في الاتفاقيات الأولى المبرمة في الثاني والعشرين من ديسمبر 1995 ما بين لجنة بروكسل ومسئولي مركوسور. فقد كان حضور الفرنسيين والألمان والاسبان كثيفاً في هذا التعاون الجديد ولا سيما في عمليات الخصخصة التي شملت قطاعات عديدة كالماء والكهرباء والهاتف والنقل الحديدي وصناعة السيارات. وبعد ذلك وفي الخامس والعشرين من يونيو 1969 اجتاز الاتحاد في سان لويس بالأرجنتين مرحلة جديدة ذات دلالة عالية في نجاح هذه المؤسسة بالتوقيع على اتفاق انضمام بوليفيا والتشيلي أي المركوسور. فلم يكن لبوليفيا المحصورة التي لا تربطها سوى علاقات تجارية محدودة مع البيرو جارتها الوحيدة العضو في معاهدة الأنديز في حين ان الجزء الأهم في معاهدة الأنديز من مبادلاتها التجارية تتم مع البرازيل والباراغواي وتشيلي، خيارٌ آخر غير اللجوء الى هذا الاتحاد،. لكن تحرك تشيلي في المقابل كان خطوة مذهلة فموقع التشيليين في المخروط الجنوب أميركي أشبه بموقع البريطانيين في أوروبا. فبحكم موقعهم هذا المطل على المحيط الهادي وبحكم احتقارهم لجيرانهم على السفح الآخر من سلسلة جبال الأنديز والذين بسنوات عدة في اعادة ترتيب اقتصادهم، نجحوا في ان يقبلوا ضمن «الأبيك» وهو التجمع الذي يضم معظم البلدان الواقعة على المحيط الهادي والذي تأسّس في نوفمبر عام 1993 في سياتل بمبادرة من الولايات المتحدة. وقد كان التشيليون يأملون في ان يصبحوا العضو الرابع في الألينا، ولكنهم ما فتئوا ان رضخوا للأمر الواقع وهو ان الأميركيين الشماليين لم يروا أي ضرورة للتعجيل باستقبالهم في ناديهم ـ وكل ما استطاعوا تحقيقه في هذا الشأن توقيعهم على اتفاقيات ثنائية للتبادل الحر مع المكسيك وكندا ـ بينما كل الفرص السانحة كانت متاحة لهم ضمن اتحاد المركوسور. حتى وان لم يكونوا ضمن الأعضاء المؤسسين له، ولم يتأخر مصرفيوهم وصناعيوهم في استثمار أموالهم في الأرجنتين وفي البرازيل. أما فنزويلا وكولومبيا اللتان تخلتا عن حلمهما الشمال أميركي فانهما تستطيعان بدورهما ـ لا سيما وأن مبادلاتهما جد مهمة مع البرازيل ـ ان تخطوا خطوة جديدة الى أمام في اتجاه اتحاد المركوسور كما فعلت البيرو في بداية مايو عام 1997. وعندئذ يصبح المركوسور على وشك ان يغطي كل أميركا الجنوبية وأن يشكل في الجزء الجنوبي من القارة الأميركية النظير المحتمل للألينا المهيمن على الجزء الشمالي منها. يطمح المركوسور لأن يصبح اتحاداً جمركياً حقيقياً مع تحقيق الانسجام والتوافق ما بين سياسات أعضائه الاقتصادية والضريبية. مؤسسات هشة لكن المؤسسات التي نصت عليها معاهدة أسنسيون «بروتوكول أورو بريتو» لا تزال هشة حيث لا تتضمن أي ادارة دائمة مزودة بميزانية مستقلة على غرار لجنة بروكسل. فقد كانت هيئات المركوسور التشاورية ـ الاجتماعات الدورية لرؤساء البلدان ولجان كبار الموظفين ـ كافية لبناء النظام ولكنها تظل مهددة بأن تفقد فعاليتها عند توسعها الى شركاء جدد أبعد جغرافياً وثقافياً بعضها عن البعض الآخر، ومختلفين عنها تنمويّاً، حجماً ومستوى. ولا يفكر أعضاء المركوسور في الوقت الراهن في أي مشروع صناعي أو زراعي مشترك، كما لا توجد أية آلية لمعالجة الأوضاع في المناطق المحرومة ولا أية آلية لمساعدة البلدان الصغيرة الضعيفة. ويمكننا القول باختصار انه اذا كان المركوسور لا يرغب في ان يجازف بأن يكون يوماً ضحية لتوسعه فانه في ذات الوقت لا يستطيع الاعتماد طويلاً على آليات السوق وحدها في تنظيم دواليبه الداخلية الضرورية. وعند الاقتضاء لن تتردد الولايات المتحدة التي ليس من مصلحتها ان يصبح المركوسور أقوى وأوسع مما تريده هي في ان تستغل التناقضات والاحباطات المتفاقمة في برازيليا وسانتياغو وبيونس ايريس وفي ان تؤلب بيونس ايريس ضد برازيليا وتؤلب سانتياغو ضد هذين الأخيرين طالما ان العملاق البرازيلي يمثل في أعينها أكبر المعارضين لها في أميركا اللاتينية. فالولايات المتحدة التي تعتبر الشريك التجاري الأول لكل بلدان المركوسور وسيرة كفاحها ضد تجارة المخدرات، والتي لا تزال بعد مرور أكثر من عقد من الزمن على انهيار المعسكر الاشتراكي تمقت وتحتقر كوبا وتسعى لكي يحذو العالم في ذلك حذوها، لا تدخر أي جهد في الاستمرار في تطبيق سياستها المعهودة «فرق تسد» في هذا الجزء من العالم كما هو شأنها دائماً في أجزاء أخرى أيضاً. فالولايات المتحدة لا تنقصها الوسائل اللازمة لتنفيذ تلك السياسة ولا «شيكاغو بويز» الذين تلقوا تكوينهم في مدارسها ولتستعين بهم في تحقيق بعض مآربها. فبعد شهور قليلة فقط على اعادة انتخابه رئيساً انتقل كلينتون الذي لم تطأ قدماه أرض أميركا اللاتينية أثناء فترة رئاسته الأولى، الى مرحلة الهجوم استعداداً لقمة الأميركيتين الكبرى الثانية المزمع انعقادها بتشيلي في أبريل 1998. وكان كلينتون خلال العام 1997 قد قام بزيارتين لخمسة بلدان مهمة هي المكسيك وفنزويلا والبرازيل والأرجنتين وتشيلي. وبمناسبة هذه الزيارات استطاع الرئيس الأميركي ان يقدر على عكس ما كان يتصوره مدى احتمال تعرض مشروعه للفشل. ففي اجتماع عقد في التاسع عشر من مايو في مدينة بلو أوريزانتي بالبرازيل أكد له شركاؤه ذلك صراحة على لسان الرئيس كودوزو الذي صرّح عند افتتاح ندوة وزارية خصصت تحديداً لمشروع منطقة التبادل الحر للأميركيتين قائلاً : «ان تقدمنا للأمام لا يستوجب العجلة بالضرورة (...) ومن الضروري ألا يذوب المركوسور ـ محرك التجارة من هذا الجزء من القارة في هذه المنطقة الأوسع من التبادل الحر» ولم يكن الرئيس كلينتون في حاجة الى توضيح أكثر في هذا الشأن. المسار السريع بعد مرور ستة أشهر فقط، في نوفمبر اصطدمت مشاريع الرئيس الأميركي للتبادل الحر بمعارضة أخطر وهي معارضة الكونغرس نفسه الذي أرغمه على التنازل عما سمّي بأسلوب «المسار السريع» الذي أراد كلينتون تطبيقه لكي يربك ويحرج كل خصومه سواء البرازيل التي تصر على اعطاء الأولوية لدعم منطقتها التجارية في أميركا الجنوبية أو النقابات الأميركية المتشبثة بسياسة الحمائية الاقتصادية وأهم الرأسماليين في الحزب الديمقراطي. ففي غمار هذا الأسلوب كان بيل كلينتون على وشك ان يوقع بمبادرة خاصة منه على اتفاقيات ثنائية للتبادل الحر مع بلدان أميركا اللاتينية والتي كان الكونغرس حراً في ان يوافق عليها أو يرفضها جملة وتفصيلاً دون ادخال أي تعديل عليها. وانطلاقاً من هنا لم يكن يبق للادارة الأميركية بعد ذلك سوى ان «تغربل» الواحد بعد الآخر الأعضاء الأقل تحمساً للمركوسور. كل هذه المقاومات جديرة بالملاحظة والاهتمام، لكن اذا تعذر على ورثة سيمون بوليفار ان يظلوا متيقظين حذرين، فقد يضطرون يوماً لأن يردّدوا لأنفسهم وللعالم مقولته المشهورة لحظة وفاته في المنفى بعد فشل محاولاته في الوحدة «لقد كنا نحرث في الماء»!