الجمعة 23 صفر 1424 هـ الموافق 25 ابريل 2003 يصف دانييل ليبسكند العمارة بأنها «فن مدني، فن تفاوض» أي ان تصميم البناء ليس سوى منتصف المعركة، والكفاح الحقيقي هو تجسيد التصميم المعماري واقعاً مبنيا بالفعل على الأرض. قبل أيام اعلن عن فوز ليبسكند البالغ من العمر 56 عاماً في المسابقة الصعبة إلى حد استثنائي لاختيار تصميم لاعادة بناء موقع مركز التجارة العالمي. والآن يبدأ العمل الحقيقي: تمويل مشروع يتضمن متحفاً وخمسة مبان مكتبية، العمل مع مجموعة متنوعة من السلطات الحكومية والشركات الخاصة التي تدعي حق ملكية الموقع وحماية الخطة من التآكل التدريجي حتى الاندثار بفعل المتغيرات. لكن كم سيبني على الارض الواقع من هذا التصميم المتكامل؟ في مواجهة النزعة التقليدية لتعديل واختزال المخططات النظرية عن تطبيقها على أرض الواقع، يتسلح ليبسكند باستعداد كبير لتسوية الخلافات والتوفيق بين وجهات النظر المتضاربة وجاذبية خاصة نابعة في وقوته الصناعية وفي السنوات التالية، سيصبح ليبسكند بخطاباته المدوية ولكنته البولندية شخصية بارزة جداً في أوساط نيويورك لاتقل شهرة عن سارا جسيكا باركر. الحملة المكثفة التي يقودها للترويج لمشروعه جعلت منه هدفاً للانتقادات. لكن الحقيقة ان ليبسكند ابدع تصميماً يستحق جملة كبيرة لدعمه، وفي المركز الرمزي للتصميم يقبع «حوض الاستحمام» وهو الحفرة المصقولة بالحريق التي كانت تنتصب فيها اساسات مركز التجارة ذات يوم، مع الجدار الاسمنتي الذي يحيط بها. يدعو مخطط ليبسكند إلى تخصيص مساحة وهكتارات بعمق 10 أمتار تحفظ كشاهد على هجمات 11 سبتمبر وقدرة نيويورك واميركا على استعادة حيويتها بعد البلاء الكبير ـ ليكون المكان فعلياً بمثابة حائط مبكى للقرن الواحد والعشرين تسوده قوة عاطفية تنمو من الفاجعة وتنم عن قدرة التحمل. ويقول ليبسكند: «صممت شكل الموقع بأسره ليتحدث عن آثار الحدث المأساوي ومغزاه لكننا ايضا نريد اعادة التأكيد على حيويته وقدرته على النهوض في جديد وذلك فإن تصميم ليبسكند حول وفوق الحفرة يعج بالحياة بصورة تعبر عن الانتصار. فوق الحفرة يوجد المتحف بتصميمه المميز وعلى جوانبها الثلاثة هناك مجموعة ابراج تتضمن مبنى مكاتب مؤلف في 70 طابقا بنزع من اعلاه قمة مستدقة تصل الى ارتفاع 541 متراً ليكون بذلك اعلى مبني في العالم. وفي ايماءة مقتبسة من العلامات الشمسية المستخدمة في العمارة القديمة في مصر وبيرو، صمم ليبسكندر الساحات العامة في الموقع بحيث يتسلل في كل عام في الحادي عشر من سبتمبر شعاع عريض من ضوء الشمس على واحدة من هذه الساحات من الساعة 46,5 صباحاً عندما اصطدمت الطائرة المخطوفة الأولى احد البرجين حتى الساعة الـ 28,10 عندما انهار البرج الثاني. ولم يتم بعد اتخاذ القرار بشأن تصميم النصب التذكاري لضحايا مركز التجارة العالمي، والذي سيتم اختياره هذا العام بعد اجراء مسابقة مفتوحة ربما يتم تشييده داخل «حوض الاستحمام» لكن فكرة التذكر حاضرة بقوة في سائر أنحاء تصميم ليبسكند الذي ينتقل بشكل شاقولي من الحزن والاسى إلى التجديد. لكن من بالتحديد سيقوم ببناء هذا التصميم؟ عقب 11 سبتمبر يشكل جورج باتاكي حاكم نيويورك مؤسسة تنمية مانهاتن الداخلية (إل إم دي سي) للاشراف على إعادة بناء موقع مركز التجارة العالمي. لكن اعضاء مجلس إدارة المؤسسة البالغ عددهم خمسة عشر عضواً يتقاسمون الصلاحيات مع سلطة موانيء نيويورك ونيوجيرسي، وهي الوكالة التي قامت ببناء مركز التجارة العالمي ولها تعود ملكية الارض. وسلطة الموانيء، بدورها يجب ان تتفق مع عملاق اعمال التنمية والاعمار لاري سيلفرستاين، الذي وقع عقد ايجار لمدة 99 سنة على مركز التجارة قبل وقوع الهجمات بستة اسابيع فقط. وسيلفرستاين نفسه ملتزم بانفاق شراكة مع شركة الاعمار «وستفيلد اميركا» التي تضغط باتجاه تخصيص مساحات قصوى للتسوق في الخطة الجديدة. وهو ايضا لديه مصمم معماري شهير يدعى ديفيد شيلدز يعمل لحسابه. ومع ان سيلفرستاين يقول انه ملتزم ببناء تصميم برج ليبسكند فإن التصميم النهائى قد يأتي في تشيلدز وليس من ليبسكند ـ هذا إذا بقي سيلفرستاين اصلا في اللعبة، ولم تخرجه سلطة الموانيء. ثم هناك بعد ذلك قضية التمويل، في حين ان المتحف والمنشآت الثقافية الاخرى من تصميم ليبسكند ستبنى على الارجح بتوليفة من الاعتمادات المالية العامة والخاصة فإنه حتى الآن لا يعرف احد من اين ستأتي تلك الاموال، وبالنسبة للابراج التجارية، هل ثمة العديد من شركات الاعمار الخاصة المستعدة لبنائها في مانهاتن الداخلية، حيث يوجد 3,1 مليون مترمربع من المساحات الخالية الصالحة للمباني التجارية؟ وحتى الآن ليس هناك قانون يلزم اي شركة تنمية خاصة بقبول تصميمات ليبسكند وان كان من المتوقع من سلطات الولاية والمدينة ممارسة الضغوط او تقديم الحوافز المغرية لتحقيق هذه الغاية. وكما يليق بهذه الحالة المعقدة، فإن قرار منح مهمة تصميم مركز التجارة العالمية لليبسكند لم يأت من صانعي القرار الرسميين في مؤسسة تنمية مانهاتن، في شهر اغسطس الماضي، اعلنت المؤسسة عن مسابقة عالمية مفتوحة لاختيار تصميم للموقع، وفي الشهر الماضي تمت غربلة ستة تصميمات وصلت الى نصف النهائي، حتى بقي منها تصميم ليبسكند وتصميم رفائيل فينولي، وهو نجم عالمي، في التصميم المعماري لا يقل اهمية عن ليبسكند وقد عمل على المشروع ضمن فريق متكامل يدعى «ثينك»، وفي النهاية وقع الخيار على تصميم ليبسكند لانه كان اقل تكلفة واسهل تكاملاً مع خطط خطوط النقل ومحطة السكة الحديدية، كما ان مايكل بلومبرغ عمدة نيويورك اعجب بحياة الشارع والساحات العامة في تصميم ليبسكند. ولد ليبسكند في بولندا لكنه الآن مواطن اميركي وهو يحب ان يذكر الناس بأنه في سن الثالثة عشرة قدم مع والديه الى الولايات المتحدة على متن سفينة نقلتهم من اجواء الهولوكوست الرهيبة الى جدار تمثال الحرية، ومعظم مسيرته المهنية وكان ليبسكند استاذاً ومنظراً اكثر منه معمارياً فعلياً، ثم بعد ذلك في اواخر الثمانينيات، وبينما كان يعيش في اوروبا فاز بمسابقة لتصميم احد المتاحف في برلين. وكانت هذه بداية نجوميته العالمية في التصميم المعماري على مستوى العالم. والآن يستعد ليبسكند وزوجته نينا للرجوع ثانية الى نيويورك وهما يبحثان عن منزل بالقرب من موقع مركز التجارة العالمي، فالمعماريون يحبون ان يراقبوا الاشياء عن كثب، وعندما توفي المعماري الشهير انطونيو غاودي في عام 1929، كان يعيش موقع بناء تصميمه المدهش «ساغرادا فاميليا» في برشلونة، ولايزال البناء غير مكتمل الى الآن. علي محمد