الجمعة 23 صفر 1424 هـ الموافق 25 ابريل 2003 بينما كان يقف غريغوري كروتش خارج أحد محلات السوبر ماركت في مسقط، كانت حرارة شهر أغسطس تلهب صدره. وكانت تلك هي لحظة وصولهم إلى العاصمة العمانية، حيث جعله وهج الشمس القوي يغمض عينيه اللتين يخفيهما خلف نظارات شمسية. وفي تلك اللحظة، فتح عينيه ليلقي نظرة على عالمة الجيولوجيا العنيدة لويس هوز التي سبق لها أن سبرت غور أضخم الكهوف الواقعة تحت الأرض في أميركا الشمالية. كانت خصلات شعرها الأشقر تطل من تحت قبعة البيسبول الصفراء التي ترتديها، وتضع نظارات سوداء لتظل على عينيها. وأثناء دخولها إلى المحل لشراء عدة للرحلة الاستكشافية، قالت بصوت الواثق: «علينا عمل كثير نفعله. لذا اشرب كثيرا من الماء». تعتبر لويس امرأة ذات مؤهلات أكاديمية وجرأة في اختراق المجهول. وفي حرم جامعة شابمان في أورانج بكاليفورنيا، تعرف هناك مدرسة متحمسة للجيولوجيا. وخارج الجامعة، عرفت كمغامرة صلبة تتصف بالثقة بالنفس والحزم. إن ماجلب لويس إلى عُمان هو مهمة غير اعتيادية، فقد دعتها الحكومة العمانية، المدركة لقدراتها في مجال استكشاف الكهوف إلى معاينة الكهوف الجيرية الرائعة في البلاد. وبحسب المهمة، سيقوم فريق البحث بشكل منظم باجراء دراسة مسحية للكهوف باستخدام تقنية تحديد الموقع العالمي المعتمدة على الأقمار الصناعية بهدف تحديد مداخل الكهوف وأجهزة ليزر لحساب الأحجام الداخلية وأجهزة مراقبة للهواء للبحث عن مستويات مؤذية من الغازات مثل ثاني أكسيد الكربون. وسيقوم علماء الأحياء في الفريق بجمع وتحليل عينات المياه والثروة النباتية والحيوانية فوق سطح الأرض وتحته. من المعروف أن الاحتياطي النفطي في عمان سيجف في يوم من الأيام، ولهذا، فان الحكومة تشجع على التنويع الاقتصادي بمختلف أشكاله.. من مناجم النحاس إلى مصانع البسكويت. وتأمل الحكومة العمانية بأن يتم تطوير الكهوف إلى عنصر جذب سياحي مثلما هو الحال في حديقة كهوف كارلسباد الوطنية في نيومكسيكو، التي تدر أكثر من 30 مليون دولار سنوياً. وسيراً على نهج التوجيهات الإدارية المستخدمة من برنامج موارد الكهوف التابع لمصلحة الحدائق الوطنية الأميركية، سيقوم مشروع لويس بجمع بيانات جيولوجية وبيولوجية وثقافية واحفورية مفصلة وتقوم هي بعمل خريطة ثلاثية الأبعاد للكهف الأكبر. إن فكرة السياحة تحت الأرضية قد تبدو جنونية، ولكنها تعتزم منحها اختباراً دقيقاً فهي ستحدد هل الكهوف خطيرة جداً وغير مستقرة، أو أن نظامها البيئي هش للغاية بحيث لا يتحمل السياحة، أم هل تستطيع دعم حديقة وطنية جديدة تجذب أموال السياحة إلى عمان؟ وبعد مجموعة من اللقاءات مع المسئولين في مسقط، توجهت لويس ورفيقتها نانسي بيستول والمصور ستيفن الفاريز وغريغوري كروتش إلى المطار، حيث استقلوا طائرة إلى ظفار، وهي منطقة ساحلية في جنوب عمان، حيث كانت لويس تعتزم الانطلاق في حملتها الاستكشافية. كانت السماء صافية بشكل رائع أثناء تحليقهم فوق صحارى وسط عمان ذات اللون البني والأصفر، ولكن طبقة سميكة من الغيوم حجبت المهبط في صلالة، وهي أكبر مدينة في محافظة ظفار حيث تضم 157000 نسمة. وخلال الفترة من يونيو إلى سبتمبر، تهب الرياح الموسمية جالبة معها الأمطار من المحيط الهندي، مما يجعل ظفار ألطف الأماكن في شبه الجزيرة العربية في ذلك الوقت من السنة. في اليوم التالي، توجه الفريق شرقاً نحو جبل سمحان، وهوأحد الجبال الجيرية التي تحيط بالساحل. أرادت لويس أن تعاين بئر الطيور، وهي عبارة عن حفرة هائلة داخل الجبل. أوقف الفريق السيارة في مرعى للبقر وغاص أعضاؤه في الاعشاب الرطبة الكثيفة حتى منتصف الفخذ بينما كانوا يقتربون من حافة الحفرة. كانت بئر الطيور التي يبلغ عمقها 690 قدماً قد تشكلت عندما إنهار سقف أحد الكهوف قبل فترة طويلة من الزمن. وفي الداخل، كان المكان يتسع لناطحة سحاب مؤلفة من 50 طابقاً. أما الجدران، فكانت مغطاة بطبقة من النباتات الخضراء وكانت المئات من طيور السنونو ويمامة الصخور وبعض الطيور الجارحة تحوم داخله. وبحركة بارعة، بدأت نانسي بالنزول إلى الحفرة ثم تلتها لويس وبعدها جاء دور غريغوري الذي كان خائفاً إلى درجة الموت. كان هناك مدخل أشبه مايكون بمداخل المناجم، فدخل الفريق مستخدمين مصابيحهم عبر ممر طويل. وبعد مسافة 100 قدم، وصلوا إلى بركة مظلمة بدت وكأنها ضحلة ولايزيد عمقها على قدمين. ولكن تبين بعد ذلك أنها عميقة وتنتهي بصخرة كبيرة تقوم مقام السد. خرج الجميع من الحفرة وجمعوا عدتهم واغراضهم وعادوا أدراجهم إلى مدينة صلالة وهم عاقدون العزم على استكشاف ما تبقى من كهوف في هذه البلاد ذات المعالم السياحية الرائعة. ضرار عمير