الخميس 22 صفر 1424 هـ الموافق 24 ابريل 2003 لا يعطي الدرب الوادع المؤدي للقرية أي مؤشر على الاهوال الكامنة بداخلها. فقبل خمسة اعوام فقط، كانت هذه القرية الواقعة في مقاطعة هينان الصغيرة بشمالي الصين مجتمعاً ريفياً مزدهراً يضم ألوف السكان. أما اليوم، فلم يعد هناك سوى المئات منهم ومعظمهم من اليتامى وكبار السن والمحتضرين. وبقية السكان اما لقوا حتفهم او نزحوا إلى مدن كبيرة بحثاً عن العمل. ان هذه القرية الصغيرة ما هي الا واحدة من قرى عديدة تعاني من هذا الدمار. فسنوات من الاهمال من قبل السلطات الصحية الريفية ادت إلى مقتل اعداد هائلة من المزارعين الذين باعوا دمهم في محاولة منهم لدعم مداخيلهم المتدنية، وانتهى بهم الأمر إلى الوقوع بين براثن مرض الايدز. وتعتبر مقاطعة هينان مركزاً لمنطقة الكارثة، فهناك تقرير صحي مسرب يفيد بأن ما يصل إلى 45% من المتبرعين بالدم في المنطقة قد اصيبوا بالمرض. والقصة نفسها تتكرر في العديد من المقاطعات الريفية. وكانت السلطات في بكين قد أعلنت عن اصابة الالوف من الاشخاص بفيروس الايدز بينما يقول نشطاء حقوق الإنسان ان الرقم يقترب من المليون. وفي القرية التي زارها احد المصورين ويدعى اس كيولاي، يسود الاعتقاد بأن حوالي 95% من السكان الذين تتراوح اعمارهم بين الثلاثين والخامسة والخمسين يحملون الفيروس ولا احد يستطيع ان يتحمل ثمن الأدوية التي يمكنها ان تنقذ حياتهم. يو داغوان هو أحد المزارعين الذي باع دمه في الفترة ما بين عامي 1991 و1996 من أجل اعالة اسرته. وقال بهذا الشأن: «الجميع فعلوا ذلك. فالحكومة المحلية نشرت اعلانات على التلفزيون اخبرتنا ان بيع دمنا هو طريقنا إلى الرخاء. لقد بعت دمي مئة مرة على الاقل واحياناً مرتين في اليوم. مات داغوان بعد اسبوعين من ادلائه بهذا التصريح مخلفاً زوجته الحاملة لفيروس الايدز لكي تربي ابناءه الثلاثة. وكان بيع الدم قد بدأ في الخمسينيات من القرن الماضي، ولكنه اصبح مربحاً في التسعينيات بسبب توجه في اوساط المستهلكين الصينيين للأدوية التي تحتوي على بلازما الدم. وكان ينظر الى المناطق الريفية المعزولة كمصدر نظيف للدم لدرجة ان مدير الصحة في مقاطعة هينان ذهب في جولة ترويجية إلى الولايات المتحدة ممجداً المناطق الداخلية في الصين باعتبارها مصدراً للدم «خالياً من الايدز». وفي عام 1993، قرر المجلس الصحي في مقاطعة هينان انشاء شبكات لتجميع الدم في المجتمعات الريفية. وقال مسئول حكومي في حينه: «علينا ان نطور صناعة ثالثة مثل محطات الدم فهينان تضم حوالي 90 مليون نسمة تبلغ نسبة المزارعين منهم 80%. وحتى لو كان هناك ما بين واحد الى ثلاثة في المئة من هؤلاء المزارعين البالغ تعدادهم 70 مليون شخص مستعد لبيع دمه مرة أو مرتين في السنة، فسيكون بمقدورنا جمع هذا الدم لشركات الطب الاحيائي، وتحقيق دخل بالملايين». وخلال العام التالي، تم انشاء 200 محطة قانونية لسحب الدم وعدد غير معروف من المحطات غير القانونية بموجب هذه السياسة، وكانت الهيئة المديرة لهذا المشروع هي هيئات حكومية بوجه عامل مثل المستشفيات أو شركات خاصة مرتبطة بمسئولين حكوميين، وكان المزارع يتلقى قرابة 5 دولارات مقابل تبرعه بوحدة من الدم، وفي البداية كان الجميع سعداء بذلك، فالمزارع زاد من دخله قليلاً والقطاع الطبي الصيني توفرت له امدادات متواصلة من الدم الطازج، ولكن الشيء الذي كان ناقصاً هو احتياطات الصحة والسلامة الصارمة. فالادوات المستخدمة في سحب الدم كان يعاد استخدامها دون اجراء تعقيم ملائم وفي عام 1996، ادركت الحكومة الصينية حجم الاهمال المرعب، فقامت باغلاق محطات تجميع الدم، ولكن الوحدات المتحركة غير القانونية ظلت تمارس عملها على نطاق ضيق. غير ان بعض التقارير تفيد بأن انتقال عدوى الايدز بين سكان المنطقة تم من خلال الاساليب التي استخدمت في محطات الدم والتي اقل ما يمكن ان يقال عنها هو انها اساليب اجرامية فبحسب الروايات التي نشرتها صحيفة «جابان تايمز» في يونيو من عام 2001، يمكن القول ان ماجرى هو ان شركات الادوية ووكلاءها كانوا يقومون بسحب الدم من مجموعة من الاشخاص ممن يحملون فئة الدم نفسها، وبعد ذلك، يتم تجميع الدم وفصل المكونات المطلوبة للاستخدام الطبي ويتم تقسيم ما تبقى من الدم واعادة اعطائه للمتبرع الاصلي. وهذا الاجراء غير الآمن يعرض الشخص لدماء ما بين ستة الى 12 متبرعاً آخر في كل مرة يتبرع بها، مما يسهل انتشار امراض لا تقتصر على الايدز فحسب وانما تشمل ايضا التهاب الكبد وامراضاً اخرى خطيرة. وعندما قامت الحكومة بوقف هذه الممارسات كان الوقت قد فات والمرض تفشى وانتشر، وبحلول عام 2001، ارتفع عدد حالات الاصابة بالايدز المعلن عنها رسمياً في الصين بنسبة 17%. وفي هذا العام، وصل عدد الوفيات المرتبطة بالايدز الى مليون حالة بحسب السلطات الصينية، وتقول الامم المتحدة ان الارقام الحقيقية اكبر من ذلك بكثير. ومن المتوقع ان يصاب بالمرض 10 ملايين على الاقل بحلول عام 2010. وما لم تتخذ الحكومة خطوات جدية للسيطرة على المرض، فإنه قد يصبح وباء مستشرياً على نطاق يضاهي نطاق انتشاره في افريقيا. ضرار عمير