الخميس 22 صفر 1424 هـ الموافق 24 ابريل 2003 تمتد علاقة جزيرة كورسيكا بفرنسا الى ما قبل 234 عاماً عندما تم ضم الجزيرة من قبل ما يسمى بالوطن الأم. وتعيش الجزيرة حياتين مختلفتين: الأولى كجنة للتجارة الحرة حيث يؤمها الازواج عادة لقضاء شهر العسل، والحياة الثانية هي التي تعيشها بصفتها الابن الدائم المشاكسة لفرنسا ويتوافد الفرنسيون الذين يريدون قضاء العطلات على جبال وشواطئ كورسيكا، ولكن الجزيرة تعتبر ايضاً موطناً لحركة انفصالية صغيرة ولكن عنيفة ابقت على غليان الوضع السياسي لربع قرن. ان جانب الجنة تسهل رؤيته فالجزيرة عبارة عن ثوران بركاني من الرخام والصهارة يبعد 105 أميال الى الجنوب من فرنسا ولكنه لا يبعد سوى 56 ميلاً الى الغرب من ايطاليا وترتفع جبال كورسيكا شديدة الانحدار الى قرابة 9000 قدم على احد سواحلها بينما تحيط بالساحل الآخر شواطئ متموجة وكروم العنب وتعتبر المناطق الداخلية من جزيرة كورسيكا عموداً فقرياً مثلماً مضلعاً بالاتجاهين من قبل وديان شديدة الانحدار وخصبة بحيث ان سكانها عاشوا طوال قرون منعزلين عن بعضهما البعض اللهم الا عندما يكون هناك خلاف على دجاجة مسروقة اي نظرة غير بريئة لامرأة من النساء. وفي غابات الكستناء بمنطقة كاستاجنيسيا، تتشبث قرى صغيرة ومبان كبيرة بسفوح الجبال بهدف صد موجات الغزاة التي اجتاحت كورسيكا طوال 2000 عام من الاغريق الى القرطاجيين والرومان والمغاربة والجنوبيين واخيراً الفرنسيين وتضم تضاريس كورسيكا صحاري وشواطئ وغابات تغطي منحدرات الجبال وهذا التنوع الكبير في هذه الارض التي تمتد بطول 115 ميلاً قاد احد الدبلوماسيين الاميركيين الذي كان له بيت هناك الى القول ان «كورسيكا ليست جزيرة، وانما هي قارة». ومع ذلك، فإن الجنة الكورسيكية لها جانب مظلم فالجزيرة تعاني من عمليات قتل تقوم بها حركة استقلالية سرية وتريد هذه الحركة الانفصالية السرية العودة الى الامجاد الغابرة في الفترة من عام 1755-1769 عندما تمتعت الجزيرة بالحكم الذاتي في ظل حكم البطل القومي الكورسيكي الجنرال باسكال باولي وهم يحاولون ان يحققوا الاستقلال لكورسيكا من خلال ممارسة العنف بدرجة منخفضة مثل القيام بقصف ليلي للمباني العامة وتفجير مبان جديدة على طول الشواطئ وتحويل اشارات الطرق من اللغة الفرنسية الى الكورسيكية ولأن حركتهم شهدت انقسامات وانحدرت الى مستوى ممارسة الجريمة المنظمة، فإنهم يقومون بصورة منتظمة بقتل بعضهم البعض وقد شهد عام 2001 لوحده مقتل 28 شخصاً في عمليات لتصفية حسابات معينة، وهو ما يذكر بفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية عندما كانت الساحة السياسية الكورسيكية تخضع لهيمنة العائلات وبينما يتجنب افراد الحركة الانفصالية استخدام العنف ضد المدنيين والسياح، فإنهم يقومون احياناً باغتيال مسئولين حكوميين كما فعلوا في عام 1998 عندما قام مهاجمون باطلاق النار على مدير الشرطة في الجزيرة (وهو ارفع منصب لمسئول فرنسي في كورسيكا) اثناء توجهه لحضور عرض للأوبرا. يسود جزيرة كورسيكا شعور قوي بواجب الحفاظ على التراث الثقافي للجزيرة بحيث ان معظم الكورسيكيين يفضلون جعل اللغة الكورسيكية مادة الزامية تدرس في المدارس وفي الوقت نفسه، هناك احياء للموسيقى الكورسيكية التقليدية والاغاني والقصائد الشعرية التي تتحدث عن الخصومات بين العائلات وعن الارامل الشابات ورعاة الجبال المسنين. ويقول بيترو غولفوسي، وهو مغن شاب حققت تسجيلاته الغنائية نجاحاً كبيراً على المستوى المحلي والدولي: «اننا نفقد تراثنا، ولهذا فإن من المهم ان نبقى هنا ونحافظ عليه» وانطلاقاً من هذا الحرص، بقي المغني في الجزيرة وقام بفتح اكاديمية لتعليم الموسيقى التقليدية الكورسيكية. ويتمتع الكورسيكيون بتاريخ طويل من المساهمة اللافتة في السياسة والثقافة والاقتصاد الفرنسي فقد كان الكورسيكيون، في كثير من الحالات، الاداريين الرئيسيين لامبراطورية فرنسا الاستعمارية وشكلوا في الغالب الغالبية العظمى من المهندسين والمزارعين والبنائين وبخاصة في الهند الصينية. واليوم تعتبر احدى ابرز الفرق الموسيقية في البلاد كورسيكية، وهي تغني بشكل أساسي باللغة الكورسيكية كما ان رئيس تحرير صحيفة «لوموند» واسعة الانتشار هو كورسيكي ايضاً. ان الهوية الكورسيكية لها جذور ايضاً في الشعور لدى السكان بالتمييز العنصري ضدهم من جانب الفرنسيين يقول احد الباريسيين الذي يمضي معظم اجازاته على الجزيرة: «انا احب كورسيكا ولكنني اكره الكورسيكيين فهم لا يتورعون عن قتل بعضهم البعض على موقف سيارة». ويبقى الكورسيكيون في اذهان الشعب الفرنسي الأناس الهمجيين غير المدجنين الذين هم ايطاليون في جانب منهم ومافيا في الجانب الآخر وكسالى في الجانب الثالث وتتحول هذه النظرة احياناً الى اسلوب لاطلاق النكات الساخرة على الكورسيكيين وبالمقابل، يرد الكورسيكيون بالمطالبة بالاستقلال عن فرنسا، وهو امر يعتبرونه مطلباً طبيعياً لأنهم شعب مستقل عن الشعب الفرنسي بلغته الخاصة وعاداته وتقاليده الموروثة من غابر الزمان. وبرغم الشد والجذب الحاصل بين ابناء الجزيرة من الكورسيكيين والشعب الفرنسي، الا ان كورسيكا يقصدها سنوياً اكثر من مليوني فرنسي من اجل الاستمتاع بمناظرها وشواطئها الجميلة. ضرار عمير