الاربعاء 21 صفر 1424 هـ الموافق 23 ابريل 2003 توجد في العالم امور قليلة أكثر جمودا من المفهوم الأمني الاسرائيلي. فالمقصود هنا بكلمتي «مفهوم الأمن» وجهة نظر الجمهور التي تنعكس ايضا في أفعال وقصورات السلطة. ومفهومنا الأمني، في صياغة تبسيطية ولكن ليست غير دقيقة، هو ان اسرائيل محاطة بجموع عربية تبحث عن الفرصة لابادتها. وعليه فان عليها ان تكون مستعدة لكل امكانية ولكل تهديد، مهما كان احتماله طفيفا. هذه الرؤية هي جذر الجمود، الذي باسمه نحن نمتنع عن كل بحث حقيقي عن المبرر المتوفر أو المعدوم للقرارات في الشئون الأمنية، ناهيك عن فحص البدائل ومراجعة المنفعة قبالة الكلفة. واحيانا يجد هذا تعبيره في امور صغيرة نسبيا، مثل قضية الكمامات. واحيانا يجد تعبيره في تجاهل الواقع، حتى وهو ينتشر أمامنا بكامله دون أي رتوش. في حرب العراق انكشف الواقع خلف الاسطورة المسماة «الجبهة الشرقية»، تلك التي يخيفنا بها جهاز الأمن منذ بضعة عقود من السنين. هذه الاسطورة تقول انه يحدق باسرائيل خطر حقيقي من وصل الجيش العراقي (ذاك الذي انهار أمام الاميركيين من دون معركة) بالجيش السوري في هجوم واسع على اسرائيل. ولم يكن بوسع أي حقيقة ان تشوش على هذه النظرية: لا المعلومة القاضية بأن لاسرائيل تفوقا جويا، من النوع الذي جعل المعركة في العراق معركة من جهة واحدة الى حد كبير، ولا التفوق الهائل الذي لدينا في الاسلحة الدقيقة. وها هي الجبهة الشرقية تتبدد في غضون اسبوعين من المعارك. ومعها يزول تهديد الصواريخ النووية للعراق، الذي هو ايضا لم يكن قائما عمليا في الـ 12 سنة السابقة. ولكن من المشكوك فيه اذا ما كان سينشأ الآن نقاش جماهيري حقيقي تنضم اليه القيادة السياسية والكنيست والاوساط الاكاديمية والاعلامية الى قيادة الجيش لفحص الوجهة المستقبلية للجيش الاسرائيلي. وتحت غطاء السرية الخالدة وفي ظل تصميم وعينا من خلال معلومات لدى جهاز الأمن احتكار مطلق عليها، سنواصل أكل ما يرغب الجهاز في إطعامنا. وعلى أي حال ليس للمواطنين أو السلطة أي بديل قادر على ان يوفر المعلومات والتفكير لغرض تصميم مفهوم آخر. ولا تقولوا ان هذا النقاش، بحكم طبيعته، يجب ان يبقى داخل جهاز الأمن. فالجيش الاميركي قطع شوطا هائلا منذ عهد «الجيش المخروق» - كما سميت القوات القليلة وعديمة الدوافع لنهاية التسعينيات - وحتى الجيش ما بعد الحديث وذو التفكير المتطور الذي ألحق الهزيمة بصدام. جزء كبير من هذا الطريق صممه مدنيون، في ظل التعاون مع محافل خارجية. ولقسم كبير إنجر لابسو البزات رغم أنفهم وارادتهم. وفي الكثير من الحالات حظي المعارضون داخل الجيش بآذان صاغية في الهيئات المدنية. وفي حالات اخرى جرى تبني أفكار طرحت لأول مرة في الاوساط الاكاديمية والاعلامية. ولم تكن أي جهة مرفوضة المشاركة في هذا النقاش. المعركة في العراق لا تزال بعيدة عن نهايتها. ومثلما كان من نافل القول الحديث عن فشلها حين بدا وكأنها لا تتقدم بالوتيرة المرغوبة، فانه من السخيف تتويجها الآن كناجحة: فاختبارها، كما كان واضحا مسبقا، هو في صورة العراق المستقبلية وليس في إسقاط صدام. ولكن في كل ما يتعلق باسرائيل بات واضحا أننا في شرق اوسط جديد. لقد حان الوقت للبحث فيما اذا كان الجيش الاسرائيلي - بمبناه، وميزانيته، وفي وصف علاقاته مع القيادة السياسية والمجتمع الاسرائيلي - مناسب لهذا العالم الجديد. وهذا النقاش يجب ان يجري في الخارج، وليس في الغرف التي يجلس فيها الرجال الذين من شأن مصيرهم الشخصي والمؤسسي ان يتغير نتيجة لذلك. عن «يديعوت أحرونوت»