الاربعاء 21 صفر 1424 هـ الموافق 23 ابريل 2003 من المشكوك فيه اذا كان معظم الاسرائيليين، بمن فيهم غير قليلين من اولئك الذين يوجدون في مواقع التقدير والحسم، يدركون التطورات المتعلقة باقامة الحكومة الجديدة في السلطة الفلسطينية. وحتى في المراتب العليا في اسرائيل هناك ميل لرؤية الامور عبر منشور انتجناه نحن أنفسنا: فبعد كل هذا الكلام الكثير عن شر ياسر عرفات، وبعد أن وصفت سيطرة بل ومجرد وجود الرجل مع الشعارات على السنة الجميع بانها الحاجز شبه الوحيد الذي يمنع خبو العنف، كيف يمكن لنا ان نتعامل مع صراع القوى بينه وبين ابو مازن بسبيل آخر غير أنه صراع بين الشر والخير. وأمس قال وزير الدفاع الاسرائيلي شاؤول موفاز ان عرفات يحاول افشال ابو مازن، وبذلك فانه «يثبت انعدام رغبته في تقدم المسيرة السلمية». اما امكانية ان يكون شيئا آخر يقف خلف الموضوع فلا يولى عندنا له اي اهتمام. ثمة هنا شيء أعمق من الكراهية الجماعية للرئيس. فمنذ البداية ونحن نتعامل مع ما يجري في الطرف العربي بتعابير شخصية وليس سياسية. الامر دوما منوط بشخص واحد، الذي هو إما صديق او شرير، حكيم او غبي. ولا يحتمل ان يكون عند العرب ايضا شبكة قوة تتنافس الواحدة مع الاخرى، او زعماء يهمهم الرأي العام، او اضطرارات وتوازنات - اي سياسة مثلما نعرفها. اما عمليا، فيجري هنا على ما يبدو شيء أعمق من صورة رجل شرير يبذل كل ما في وسعه كي يستمر العنف. ثمة هنا صراع بين الاجيال، ينشأ فيه تحالف بين من اعتبروا «أقمار» عرفات، برئاسة ابو مازن، وبين الجيل الوسط لرجال الميدان، ومحمد دحلان على رأسهم. منذ بداية المواجهة الحالية توقع عالم الاجتماع والباحث الفلسطيني، د. خليل الشقاقي، هذا الوصل واضاف له ضلعا ثالثا، زعماء الانتفاضة، مثل مروان البرغوثي. ويعطي هذا الانطباع بان هذا التوقع يوشك على ان يتحقق. في هذه الايام ينشر استطلاع جديد لمعهد الابحاث السياسية والرأي العام للشقاقي في رام الله. ويجدر لمن يتطلع الى النظر الى الوضع بعيون مفتوحة ان يتعمق في نتائجه. فهو يظهر مثلا انه بينما يفوق التأييد لتعيين رئيس وزراء بشكل عام وتعيين ابو مازن بشكل خاص عن 60 في المئة، يبقى الرجل غير شعبي على نحو ظاهر: فمعدل التأييد له كزعيم يصل الى 3 في المئة فقط. بعيدا جدا خلف عرفات (35 في المئة)، البرغوثي (20 في المئة)، الشيخ ياسين (15 في المئة) وحتى حيدر عبدالشافي (10 في المئة). كما أن هناك أغلبية - ازدادت منذ الاستطلاع السابق، قبل نحو نصف عام - تعارض نقل الصلاحيات لرئيس الوزراء وتحويل منصب الرئيس الى تشريفي فقط. بمعنى ان من يتوقع ان يتحول ابو مازن نفسه الى زعيم ويعتقد ان الفلسطينيين سيقبلون المساس بصلاحيات عرفات، مخطيء. فالتأييد لرئيس الوزراء الجديد يعود الى التوقع بالتغيير في اعقاب التعيين، والذي يمكن ان يجد تعبيره فقط في اطار التحالفات في ظل الحفاظ على مكانة الرئيس. كما ان في الاستطلاع أمورا مشوقة عديدة،أغلبية ساحقة تؤيد الوقف المتبادل للعنف وأغلبية (أصغر) تؤيد اتخاذ اجراءات ضد الفلسطينيين الذين يخرقون وقف اطلاق النار كهذا، وذلك على الرغم من ان معظم الفلسطينيين يعتقدون ان مثل هذه الخطوات من شأنها ان تؤدي الى حرب أهلية. وعلى الرغم من سفك الدماء والوضع الاقتصادي العسير، لا تزال هناك اغلبية حاسمة (65 في المئة، بهبوط 8 في المئة عن الاستطلاع السابق) تؤيد المصالحة والتسوية بين الشعبين. وليس معهد الشقاقي هو الوحيد، بالطبع. فهناك مصادر معلومات عديدة اخرى عن المزاج في المجتمع والقيادة الفلسطينيين. والصورة الناشئة عنها مركبة، غير موحدة وبعيدة عن التصورات التي تتشكل في النقاش الجماهيري في اسرائيل. والاستنتاج هو واحد: ان من يرغب في بلورة رأي جدي والعمل بموجبه، ينبغي له ان يبتعد عن الرؤية احادية البعد للواقع، تلك الرؤية التي يتميز بها السلطة والخطاب عندنا. فخلف الخط الاخضر تجري أمور لا يمكن تفسيرها بشكل تبسيطي وشخصي، بالاسود والابيض فقط. عن «يديعوت احرونوت»