الاربعاء 21 صفر 1424 هـ الموافق 23 ابريل 2003 في الواحد والعشرين من أغسطس عام 1994، ومع انتخاب آرنستو زيديلو مرشح الحزب الثوري المؤسسي الحاكم منذ ستة وستين عاماً، انتصرت الاستمرارية مرة أخرى في المكسيك، على اثر حملة انتخابية واقتراع شعبي جرت أحداثهما بصورة أكثر انتظاماً وانضباطاً من الماضي، على الرغم من مناخ العنف الاجتماعي والسياسي السائد في البلاد. ففي الأول من يناير كان الجيش الزاباتي بامرة المدعو نائب القائد ماركوس قد فجر ثورة هنود منطقة الشياباس احدى أفقر مناطق البلاد. فقد كان قادة هذا الجيش يرمون بهذه الثورة الى تسجيل معارضتهم لدخول معاهدة التبادل الحر الذي وقعته المكسيك مع الولايات المتحدة وكندا واليابان حيز التنفيذ في ذلك اليوم. فقد كانوا يطالبون على الخصوص بتوزيع أعدل للأراضي مجدّدين بذلك الثورة التي قادها اميليانو زاباتا عند بداية القرن العشرين والتي أناب عنه فيها ودعمها بعد ذلك بعشرين عاماً الرئيس لازارو كرديناس مؤسس الحزب الثوري المؤسسي. في الثالث والعشرين من مارس كان المرشح الأصلي لحزب الحكومة لويس دونالدو كولوزيو الذي كان من المقرر ان يخلف الرئيس المغادر كارلوس ساليناس دي غورتاري الذي لم يكن له الحق دستورياً في ان يعيد ترشيحه، قد قتل بايعاز على الأرجح من قادة القبائل المعروفين باسم «البريسيت» المرتبطين بتجار المخدرات والمعارضين لارادة ساليناس الاصلاحية وارادة أتباعه من أنصار الليبرالية الجديدة الذين تلقوا تكوينهم على غرار أندادهم في الكثير من بلدان أميركا اللاتينية الكبرى في جامعات هارفارد ومعهد ماساشوستس للتقنية، وللأسباب نفسها فقد لقي أمين الحزب الثوري المؤسسي جوزي فرنشيسكو رويزماسيو نفس المصير في الثامن والعشرين من سبتمبر الموالي. وفي البرازيل وبعد مرور شهرين على هذه الأحداث، في الثالث من أكتوبر عام 1994 انتخب بعد حملة جرت في هدوء تام وعلى أثر اقتراع لم تشبه شائبة، مرشح الحزب الاجتماعي الديمقراطي الذي كان يدعمه أيضاً حزبان يمينيان، فرناندو أنريك كاردوزو أمام منافسه زعيم حزب العمل لويز ايناشيو «لولا» دي سيلفا المرشح عن تحالف من أحزاب يسارية ويسارية متطرفة فقد كان فرناند وهنريك كادوزو الذي كان وزيراً للمالية في عهد الرئيس المغادر اتمار فرانكو حتى دخوله الحملة الانتخابية أب الاصلاح المالي الأخير في البرازيل الذي عرف باسم مخطط «ريال» نسبة الى اسم عملة البلاد الجديدة التي أصبحت متداولة قبل ذلك بقليل أدى نجاحها السريع (فمن شهر لآخر انخفض المعدل الشهري للتضخم من 45% الى 5%) الى ترجيح الكفة لصالحه في آخر لحظة بعد ان كان الرأي العام مؤيداً لمنافسه الواعد بالقضاء على الفوارق الاجتماعية السحيقة التي تعاني منها البرازيل. فقد مال الناخبون في آخر لحظة الى مرشح التوازن والاستقرار. موجة عارمة فقد كان هذان الانتخابان الرئاسيان اللذان جريا في الوقت نفسه تقريباً في أكبر بلدين من بلدان أميركا اللاتينية يجسدان كلاهما التطورات الجارية في شبه القارة الشاسعة هذه والسائرة على سبل وعرة وخطرة من الديمقراطية الثابتة. وبصرف النظر عن تنوع السياقات وخصوصيات الأوضاع في كل بلد من البلدان تجتاح أميركا اللاتينية موجة انتخابية عارمة من عشرين عاماً. فقد كسحت أولاً الأنظمة الاستبدادية لبريز جيمينيز (فنزويلا) وتروخيلو (سانت دومينيك) وساموزا (نيكاراغوا) وستروسنر (باراغواي) الذين قيل عنهم: «الابن يستورد والصهر يصدّر والأب يحكم وينفي» ثم أسقطت الأنظمة الاستبدادية (أورغواي، الأرجنتين البرازيل، تشيلي، وغيرها) فاليوم لا يوجد من ريوبرافوديل نورتي الى أرض النار طاغية واحد في الحكم الذي لم يعد أحد يصل اليه الا عن طريق صناديق الاقتراع وليس الانقلابات. وذلك هو ما حدث بالفعل في تشيلي مع ادوارد فري بعد حكومة بتريشيو أيلوين الانتقالية التي خلفت حكومة بينوشيه، وفي الأرجنتين مع كارلوس منعم (قائد الدولة الوحيد من أصل عربي، الذي فاز الى اليوم في انتخابات عامة). لكن هذه الدورة الديمقراطية للحكومات لا ينبغي ان تقنع الجانب النخبوي الأساسي لمعظم هذه الأنظمة الانتقالية ما بين الدكتاتوريات العسكرية المتوارثة وما بين أنظمة التداول على الحكم من قبل ممثلين لجماعات اجتماعية ذات المصالح المتنافسة التي لا مثيل لها في أي مكان آخر. فخلف المسميات الحزبية الجذابة والخداعة ـ الليبرالية والديمقراطية المسيحية والمسيحية الاجتماعية بل وحتى الاجتماعية الديمقراطية ـ التي قد تضل المراقبين السذج حول نوعية السلطة التي تحتويها هذه الأحزاب ومسمياتها، لا يزال أصحاب الامتياز من ورثة الثروة يحتفظون في كل مكان بهيمنتهم شبه أو كاملة على المجتمع. أما الفائزون في الانتخابات فليسوا في أفضل الحالات سوى أنصار العصرنة ـ وتلك ظاهرة جيلية ناتجة عن تكوين جامعي أفضل ليس الا. ففي السنوات الأخيرة لم ينجح الزعماء المنبثقون من الأوساط الاجتماعية المحرومة أو المدافعون عنها والذين ما فتئوا يكافحون من أجل الحرية السياسية ومن أجل العدالة الاجتماعية في تحقيق الفوز في امتحان الانتخابات الذي استسلموا اليه بعد فشل العمليات الثورية المسلحة التي كثيراً ما كان يغلب عليها التوجه الماركسي، الا لأنهم كانوا أكثر راديكالية مما يحق لهم، فقد سد خصومهم الأقوياء بهيمنتهم السابقة على أجهزة الدولة وعلى الوسائل الاعلامية والمدعومون من قبل الجماعات المالية القوية التي تسندها الولايات المتحدة الرافضة لكل تراجع عن الليبرالية الاقتصادية الطريق أمامهم حفاظاً على الوضع القائم الذي يهيمنون عليه ولا يرغبون الا في ادخال بعض الاصلاحات عليه من دون تغييره تغييراً جذرياً. وما فشل البرازيلي «لولا» العامل في الحديد والصلب أمام المرتشي فرناند وكولور (الذي كاد ان يسقط أثناء فترة حكمه عام 1989) ثم أمام الجامعي بتريسيان كاردوسو الا مثالاً على وجهة النظر الأساسية هذه، وان كان قد قدر له الفوز لاحقاً. ومن الدلالات المهمة أيضاً ذلك الحكم والتسامح اللذين استفاد منهما من قبل السلطات الجديدة المنبثقة عن الانتخابات الحرة أولئك الطغاة العسكريون بعد اقالتهم أو استقالتهم. فلم يدفع أي من هؤلاء المستبدين الكبار ثمن جرائمهم. فقد حصل الجنرالات في الأرجنتين بعد سنوات قصيرة من القبضة الحديدية والتردد على العفو التام. وفي تشيلي أفلت الجنرال بينوشيه من العقاب وكذلك أتباعه. لكن هنا وهناك يظل انتصار رواد برجوازية الأعمال هشاً على المدى المنظور تحت ضغط التذمر المتفاقم للطبقات الشعبية التي تشكل الأغلبية الساحقة للسكان الذين لم يستفيدوا من احلال دكتاتورية السوق محل الدكتاتورية العسكرية الشيء الكثير. ولا بد من الاشارة أيضاً في هذا السياق الى تصاعد قوة مطالب الهنود في العديد من هذه البلدان التي كثيراً ما تلتقي فيها المسألة الاجتماعية بالمسألة العرقية (ففي كل هذه البلدان الهنود هم الفقراء بالأساس). ناهيك في هذه البلدان نفسها تقريباً عن تفاقم ظاهرة المخدرات التي أصبحت عاملاً من عوامل العنف المتضافرة مع باقي العوامل. ومن خير الأمثلة على ذلك المكسيك التي تستحق من كل هذه الأوجه العناية والتأمل. المكسيك نموذجاً ففي هذه البلاد انتهت فترة حكم الرئيس كارلوس ساليناس دي غورتاري نهاية سيئة. فقد كان عام 1994 حافلاً بالمآسي. فقد تعرضت ثقة المستثمرين الوطنيين والأجانب في تجربة استخدمت كنموذج لأميركا اللاتينية بكاملها حتى كاد محركها ان يصبح مديراً عاماً لمنظمة التجارة العالمية للاهتزاز حيث تفجرت المأساة بعد أقل من شهر واحد من تسلم الرئيس الجديد آرنستو زديلو لمهامه في أول ديسمبر 1994. ففي العشرين من ديسمبر أعلن القادة المكسيكيون عن قرارهم تعويم عملتهم البيزو بالنسبة للدولار. وعلى الفور فقدت العملة المكسيكية 25% من قيمتها ثم الى قرابة 40%. وعلى الرغم مما تلقته من دعم غير مسبوق من الخزينة الأميركية ومن صندوق النقد الدولي فقد استمرت هذه العملة في الهبوط الى الحضيض مهدّدة لجرّ عملات العديد من بلدان أميركا اللاتينية الأخرى المنتهجة لسياسات مستوحاة من النموذج نفسه ولاسيما الأرجنتين والبرازيل. فبعد ان هاجرت أسواق مكسيكو المالية قامت رؤوس الأموال المضاربة بفك ارتباطها أيضاً بالأسواق المالية لكل البلدان التي كانت في بداية انطلاقتها الاقتصادية القوية ولا سيما في قارة آسيا وقد طال «أثرتيكييا» الاسكودو البرتغالي والكورونا السويدية، كما تأثر الفرنك الفرنسي والاسترليني بل وقد اضطرب الدولار نفسه (تمتص الولايات المتحدة أكثر من 80% من صادرات المكسيك التي أصبحت بدورها منفذها الثاني في الخارج وقد كانت البنوك الأميركية بحكم هذه الوضعية متورطة في الشئون المكسيكية). وأمام هذه الأوضاع لاح أمام واشنطن خطر انهيار النظام المالي العالمي برمته. ففي زمن قياسي اذن، منذ يناير، وبمبادرة أميركية أدت عملية واسعة لانقاذ دولي، حيث وضع في خلال أيام قرض بخمسين مليار دولار تحت تصرف المكسيك منها 8,17 مليار دولار هي حصة صندوق النقد الدولي نفسه وهو أكبر قرض يقدمه هذا الصندوق دفعة واحدة. وفي المقابل التزمت المكسيك برهن مداخليها البترولية كضمان للقروض الأميركية وباعداد مخطط تقشفي صارم. ولكن ما الذي حدث بعد ذلك ؟ ففي بداية الثمانينيات (العشرية الضائعة) وجدت معظم بلدان أميركا اللاتينية في حالة من الافلاس، فقد أضحى النموذج التنموي اللاتينو أميركي الذي بني على الحمائية النزعة وعلى نظام ضريبي غير فعّال وقطاع عام موجود في كل مكان وهيمنة قوية من الدولة على المؤسسات، نموذجاً فاشلاً ترتبت عليه ديون داخلية وأخرى خارجية هائلة. وقد اضطر ذلك بلدان المنطقة من المكسيك الى تشيلي ومن البرازيل الى الأرجنتين وفي البيرو الى تغيير ثقافتها الاقتصادية. فتحت تأثير صندوق النقد الدولي الذي وجد في الأطقم القيادية الجديدة لهذه البلدان كفاءات عالية تلقت تكوينها في أكبر جامعات أميركا الشمالية، صنعت هذه الدول من التوازن الاقتصادي الجمعي عقيدة ومن فتح الحدود قاعدة ذهبية ومن تحرير النظام المالي والاجتماعي منهجاً. ففي خلال سنوات قليلة تمكن الجزء الأكبر من أميركا اللاتينية من استئناف نموه الاقتصادي الذي بلغ في بعض البلدان معدلات مماثلة لمعدلات دول جنوب شرق آسيا، بينما كان انخفاض التضخم انخفاضاً مذهلاً. لكن هذا النمو كان أكثر هشاشة، ولا يزال، مما تصوره معظم المراقبين. لقد كان ذلك النمو ناتجاً في الأساس عن تدفق رؤوس الأموال الخارجية التي جلبها الثبات المقرّر في تكافؤ العملات المعنية مع الدولة، وارتفاع مستوى معدلات فوائد البنوك عن الأموال المودعة وتفكيك كل التنظيمات المالية السابقة، وكلها اجراءات أعطت للمتعاملين الاقتصاديين الانطباع بأن كل الشروط قد أصبحت متوفرة لكي يحققوا ثروات سريعة، لكن رؤوس الأموال وهذه لم تكن سوى رؤوس أموال مضاربية. فهذه الأموال التي ذهبت جميعها في شراء مستندات مالية لم تسهم في الواقع الا في تشجيع عمليات الخصخصة المشبوهة المرتبطة بالفساد والرشوة، فقد أسهمت هذه الأموال عن طريق تضخيم الكتلة النقدية المتوفرة في السوق تضخيماً مصطنعاً ومن ثم بتدعيم آثار ارتفاع قيمة العملات المعنية المرتبطة بالدولار بقيم تكافئية محدّدة بشكل تعسفي، اسهاماً قوياً في رفع حجم الواردات من السلع الاستهلاكية الأجنبية على حساب ميزان الدفع الذي تأثر بهذه العملية تأثراً بالغاً. فهذه الأموال التي كانت تقرض لآجال قصيرة من قبل بضعة عشرات من البنوك الدولية الكبرى وصناديق توظيف الأموال سرعان ما كان يتم سحبها عند استشعار أصحاب هذه الأقوال بأي خطر أو أي تخوف أو قلق من الاستمرار في السياسات الليبرالية هذه الأمر الذي يؤدي الى اختلالات يترتب عنها نمو قوي في الفوارق الاجتماعية وتفاقم في التذمر لدى الطبقات الشعبية. وقد كانت المكسيك من بين كل بلدان أميركا اللاتينية أكثر الدول تأثراً وتضرراً فقد كانت أول من انطلق في هذه المغامرة الليبرالية الجديدة ولذلك كان من الطبيعي ان تكون أول من يدفع الثمن. فبعد سنة واحدة من تطبيقه استطاع مخطط الانقاذ الذي فرض عليها من قبل المجتمع المالي الدولي ان يؤتي بعض ثماره. فبعد ان نشّط بسلسلة من تخفيض قيمة العملة استعاد ميزانها التجاري فائضه المالي وعادت لميزان مدفوعاتها الجارية بعض عافيته. كما أتاحت المساعدة الدولية للدولة التحكم من جديد في ديونها العامة وفي توازن ميزانياتها رغم استمرار أزمة النظام المصرفي المجمّد بفعل كتل مالية هائلة غير مدفوعة نتيجة للافلاسات المتعاقبة وللانخفاض المخيف في القدرة الشرائية.لكن هذا التقويم السريع في التوازنات المالية الكبرى المكسيكية كانت كلفته لم يسبق لها مثيل منذ الثلاثينيات ولم تخرج منه المكسيك الى الآن. ففي سنة 1995 وحدها انخفض المنتوج الداخلي الخام للمكسيك بنسبة 7% بينما انخفض الاستهلاك بنسبة 15% (فقد كان الارتفاع في الأجور أقل من ارتفاع الأسعار) بينما ارتفعت معدلات البطالة ارتفاعاً ملحوظاً بأرقام قياسية لم يسبق لها مثيل (تزيد اليوم عن 25%) وفي هذا السياق الاجتماعي المتدهور كان لا بد من ان تشهد مقاطعات فقيرة عديدة في البلاد، بعد الشياباس، انفجار حركات أخرى من حرب العصابات: أواكساكا، غيريرو وناباسكو. في النهاية لم يدفع ثمن كل ذلك سوى الحزب الثوري المؤسسي حين خسر لأول مرة في تاريخه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في يوليو عام 1997 الأغلبية في مجلس النواب، بينما استولى رئيس حزب اليسار كيوتيموك كرديناس ابن مؤسس الحزب لازارو كارديناس على بلدية مكسيكو المعبر الرئيسي لرئاسيات عام 2000. ويمكننا في هذا السياق ان نثبت الحالة نفسها وننتهي الى التأملات ذاتها والاستنتاجات عينها بالنسبة لباقي بلدان أميركا اللاتينية تقريباً. لقد قدّر معظم المحللين ان أزمة البيزو كانت ستنعكس انعكاساً خطيراً على أميركا الوسطى وأميركا الجنوبية وبأنها سوف تحدث بصورة مماثلة تقريباً مشيرين في ذلك الى التماثل أو التطابق ما بين النموذج المكسيكي وما بين السياسات المنتهجة من قبل معظم الحكومات اللاتينو ـ أميركية بايعاز من صندوق النقد والبنك الدوليين. غير انه لا بد من الاقرار بأن معظم هذه البلدان قد أفلتت لحد الآن من أثر (أو مفعول) تيكييا وبأن تلك التنبؤات المشؤومة ربما لم يكن لها ما يبررها. ففي كل مكان تقريباً وفور انفجار أزمة البيزو شرعت الحكومات المعنية في تطبيق سياسات وقائية أو بالأحرى تقشفية مكثفة الى جانب عودة الدولة الى التسيير الاقتصادي ولا سيما في مجال الانفاق والحماية الجمركية. وقد أمكن هذه السياسات ان تتجاوز الكارثة وتتفاداها بما حققته من تقليص في عجز ميزان المدفوعات الجارية في هذه البلدان وهو ما ساعد عليه أيضاً في كثير من الأحيان ارتفاع أسعار المواد الأولية الذي تزامن مع تطبيق تلك السياسات. نجاحات هشة كما هو الأمر في المكسيك لا تزال هذه النجاحات نسبية وهشة. فالبرازيل والأرجنتين اللتان ما فتئت قيمة عملتيهما ترتفع بالنسبة للدولار لم تفلتا من انخفاض قيمة هاتين العملتين الا بصعوبة كبيرة. ناهيك عن ان هذه النجاحات لم تتحقق الا مقابل ثمن باهظ. ففي كل مكان تقريباً سجّل تباطؤ واضح في النمو الاقتصادي مع تفاوت في الأوضاع ما بين بلد وآخر وفقاً لعوامل أساسية ثلاثة، أقدمية تطبيق سياسات التصحيح والتقويم، القدرة السياسية للقادة على فرض ضغوط اجتماعية على السكان ثم الثروات الطبيعية غير المتساوية ما بين الدول المعنية، فالبرازيل مثلاً التي تغطي أراضيها نصف شبه القارة الأميركية الجنوبية والتي يمثل سكانها (160 مليون نسمة) ضعف كافة دول شبه القارة هذه مجتمعة، هي أكثر هذه البلدان حظاً. فوراء تنوع المعايير الاقتصادية الجمعية فإننا نجد دائماً الحقيقة الثابتة التالية: ان الكلفة الاجتماعية المرتفعة جداً لهذه السياسات الليبرالية المتطرفة، وتراجع النمو والركود الاقتصادي قد أدت الى تفاقم الظاهرة، ففي كل مكان انخفضت مستويات الأجور وارتفعت معدلات البطالة ارتفاعاً ملحوظاً. فيعد أكثر الناس فقراً (مواطن واحد من بين ثلاثة مواطنين يعيش تحت خط الفقر) تدفع الطبقات المتوسطة بدورها ثمن هذه السياسات التصحيحية. يقتضي فتح الأسواق بالضرورة البحث عن الانتاجية التي لا تتحقق الا عن طريق تقليص واسع في مناصب الشغل في البلدان التي تهيمن فيها الدولة على القطاع الحديث ولا سيما الصناعات ـ ولقد ضربت الاختلالات بقوة الطبقة المتوسطة الأخيرة التي تعرضت مداخليها للانخفاض.وقد وصف ايميليوكلاين من منظمة العالمية الدولية هذه الوضعية بالقول «ان كل اعادة للهيكلة الاقتصادية تتبعها في كل الأقوال تقريباً برامج للمساعدة الاجتماعية. لكن هذه البرامج ان كانت تستطيع في حال تنفيذها الطبقات الشعبية الأكثر فقراً فإنها تظل بدون أي تأثير على مستوى معيشة على الطبقة الشغيلة بسبب تقليص أو الغاء الاعتمادات المالية المخصصة لدعم المنتجات ذات الاستهلاك الواسع». ففي الأرجنتين مثلاً نجد من بين الاثني عشر مليون شخص الذين يشكلون السكان النشيطين ما لا يقل عن مليونين ونصف المليون شخص من اليد العاملة بدون شغل أو يمارسون أعمالاً غير ثابتة مقابل أجور هشة في القطاعات «اللاشكلية» التي نمت بشكل واسع ـ بمعدل الضعفين منذ بداية مخططي التحويل النقدي (التسعير الجديد للعملة المحلية تبعاً للدولار) «شيكاغو بوي» وبوينس ايريس، أما في البرازيل احدى أكثر بلدان العالم تفاوتاً في طبقاتها الاجتماعية فإن الوضع فيها أسوأ بكثير ولا سيما في المدن الكبرى حيث البؤس متفاقم (60% من السكان تقل أعمارهم عن عشرين عاماً، وتدمّر البطالة واليأس والمخدرات والجوع الأسر، ويفضي كل ذلك الى عنف متفاقم يكاد يستحيل التحكم فيه).