الثلاثاء 20 صفر 1424 هـ الموافق 22 ابريل 2003 من طبيعة الامبراطوريات ان تخلط ما بين النصر في المعركة والانتداب لسيطرة دائمة وان تكتشف فيما بعد بصورة مريرة ان الامرين مختلفان. القائد القرطاجي هانيبال عجز عن ترجمة ظفره في كاناي الى نصر نهائي على روما، نابليون الذي اخضع اوروبا بأسرها ارتكب خطأ كارثياً بادخال جيشه العظيم الى روسيا، والبريطانيون لم يمر عليهم سوى عام واحد بعد ان ذبحوا 11 الف سوداني في معركة ام درمان، حتى ذاقوا مرارة الهزيمة وهم يفرون من نيران مدافع وبنادق البوير. بالطبع، لا يمكن التنبؤ بالمستقبل اعتماداً على قراءة احداث الماضي. فمجرد ان قوات امبراطورية اخرى استسلمت لاغراء النفوذ الاستعماري لا يعني ان الولايات المتحدة المنتشية بنصرها العسكري في العراق، ستفعل الشيء ذاته، لكن بعض المهللين لادارة بوش قالوا ما يكفي لجعل اولئك الموجودين خارج الولايات المتحدة يعتقدون بأن واشنطن تريد تغيير انظمة اخرى بعد الاطاحة بصدام، وانها ستكون مسرورة، اذا دعت الضرورة بأن تسلك طريقها الرشيق الخاص متجاهلة مصالح ومخاوف الآخرين. وفي اشد تلك التعليقات رداءة قال جيمس ووسلي، عضو المجلس الاستشاري لسياسات الدفاع في البنتاغون والمدير السابق للاستخبارات المركزية «سي. آي ايه» ان الولايات ا لمتحدة تخوض الآن «حربا عالمية رابعة» ليس فقط ضد صدام بل ضد زعماء سوريا وايران «الفاشيين». وفي مقابلة مع برنامج «لقاء الصحافة» على شاشة ان بي سي، حاول بول ولفوويتز ان ينأى بنفسه بطريقة مبطنة عن رؤى وولسي، لكنه شدد على ضرورة «حدوث تغيير في سوريا»، لكن في الشرق الاوسط، فإن بعض الحكومات والمعلقين الذين اصابهم الدوار من جراء النصر الاميركي يعتبرون تعليقات وولسي سياسة اميركية مرسخة. في الواقع، ليس هناك انسجام داخل ادارة بوش حول ماذا ينبغي ان تكون الخطوة التالية، ويقول مسئول في البيت الابيض ان الادارات «لا تفكر بجدية في القيام بعمل عسكري ضد سوريا او ايران، ولم يناقش الامر على اي مستوى في الاجتماعات الداخلية» ذلك لا يعني انه لن يكون هناك مغامرة عسكرية اخرى لكن طالما ان هناك احتمالا لحدوث ذلك، إذن فالامر يستحق الرجوع الى المباديء الاولى وتذكر الاهداف التي تطمح ادارة بوش لتحقيقها في السياسة الخارجية وتقويم الكيفية المثلى لتحقيق تلك الاهداف. منذ سبتمبر 2001، تمثلت المهمة الاول الاساسية لادارة بوش في تعزيز أمن الولايات المتحدة وحلفائها عن طريق تضييق الخناق على الارهابيين العالميين والدول التي تؤويهم، وهناك ثقة مطلقة في واشنطن ـ وفي لندن ـ انه اذا وصلت اسلحة التدمير الشامل الى ايدي (الارهابيين)، فانهم لن يتورعوا عن استخدامها. ولذلك يجب ألا يسمح للدول التي لها صلات بـ «الارهاب» بامتلاك مثل تلك الاسلحة. وفي هذا الاطار يأتي تشجيع تطوير بنى ديمقراطية في الشرق الاوسط ـ المشروع المفضل لدى بعض المحافظين الجدد في الادارة ـ كطريقة لدفع هذه السياسة الرئيسية الى الامام. ويقول انصار هذه السياسة بأن مواطني الدول التي لديها قنوات شرعية للتعبير السياسي يكونون اقل ميلاً للانضمام الى معسكر (الارهابيين). وبعبارة اخرى، اذا كانت هناك مجموعة من الدول الديمقراطية في الشرق الاوسط، بما في ذلك فلسطين ديمقراطية، فإن مشكلات المنطقة لن يكون لها بعد ذلك انعكاسات اوسع على العالم. اذا قبلنا بهذا التحليل، إذن ماذا ينبغي على الادارات الاميركية ان تفعل؟ فسبق لحكومة ايران ان دعمت الارهاب من قبل وهي الان، مع سوريا، تدعم حزب الله في لبنان ـ ولطالما اشتهت امتلاك اسلحة نووية. ومن حيث المبدأ، ينبغي لقادة ايران ان يتحسبوا للتطورات الان، وبالفعل فإن مسئولاً في وزارة الخارجية الاميركية يقول ان مناظرات بدأت تبزغ الآن في اوساط الادارة حول «متى ستبدأ بتغيير سياستنا باتجاه ايران ايضاً؟ والاجابة الاكثر ارجحية على هذا السؤال هي: ليس قريباً. اولاً، ان الضغط الاميركي الواضح على المتشددين في ايران سيجعل من المتعذر الدفاع عن موقف الاصلاحيين الليبراليين هناك، ويجبرهم على الاختيار ما بين الوطنية ومخاطر الظهور بمظهر الاتباع المتزلفين للولايات المتحدة. ثانياً، ان الولايات المتحدة، لن يكون الى جانبها حلفاء في حرب ضد ايران والاعداء الاقوياء المصطفين ضدها. وقد قالها البريطانيون الذين يقيمون علاقات دبلوماسية مع طهران، بصراحة انهم لن ينضموا الى اي حملة من هذا النوع وتشير لندن الى عدم وجود قرارات من مجلس الامن تشجب ايران، كما كانت الحال مع العراق، وعدم وجود اجماع دولي على ان صانعي القرار في طهران يشكلون خطرا خارج حدودهم، كما ان روسيا تتمتع بروابط اقتصادية مهمة مع ايران ولديها مصلحة قومية حيوية في عدم السيطرة على منطقة حوض قزوين من قبل حكام يدينون بالفضل للولايات المتحدة. لكن اذا كان بوسع قادة ايران ان يناموا بطمأنينة نسبيا فان قادة حزب الله لن يكون الامر كذلك بالنسبة لهم وقد كشف نائب وزير الخارجية الاميركي ريتشارد ارميتاج ـ الذي يعتبر من الصقور في ادارة بوش ـ عن مخالبه العام الماضي، عندما قال ان «حزب الله ربما يكون الفريق (الارهابي) الاول، هم على القائمة وسيأتي دورهم بدون ادنى شك» ويقول محلل جمهوري رفيع المستوى في شئون السياسة الخارجية ان احتمال شن هجوم على معسكرات حزب الله «امر وارد». وبطبيعة الحال، فان شن هجوم على لبنان سوف يثير سخط دمشق وهو الامر الذي لا تعبأ له الادارة الاميركية بل وتستخف بغضب دمشق المحتمل حتى ان بعض المسئولين الرافضين سرا لاجندة المحافظين الجدد يبدون مستعدين للضغط على الرئيس السوري بشار الاسد، وتزعم الاستخبارات الاميركية ان سوريا سمحت بعبور رجال ومعدات عسكرية تتضمن مناظير للرؤية الليلية ـ حدودها لدعم قوات صدام خلال الحرب، وعندما سئل وزير الدفاع الاميركي قبل ايام عما سيفعله لو تبين ان اسلحة الدمار الشامل العراقية هربت سرا الى سوريا اجاب رامسفيلد بطريقته الماكرة انه «سيتم معالجة المسألة عندما يحين وقتها» المصادر البريطانية تبدو مقتنعة بان بعض علماء الاسلحة العراقيين فروا الى سوريا ولذلك فان البريطانيين ـ الذين يحرصون على عدم الادلاء بأي تصريحات سلبية تمس ايران ـ سعداء بالتركيز على دمشق من جانبها تنفي سوريا مساعدة العراق او المسئولين العراقيين الفارين، ويقول مسئول بريطاني رفيع المستوى أنّ وجود الخبرات العراقية الواسعة في مجال التسلح يجعل «التعامل مع سوريا أمراً مهماً جداً لكن أياً من هذه المؤشرات لا توحي بان قوات التحالف ستتجه الى سوريا بعد ان تفرغ في العراق، وتتبنى سياسة الادارة رؤية ان استعراض القوة الاميركية في العراق سوف يشجع سوريا على الارتداد عن الارهاب وعن اية طموحات لامتلاك اسلحة تدمير شامل.. لكن النظام السوري تلقى انذارا بانه ما لم يبدأ في تغيير سياساته، فربما يجد ان الولايات لمتحدة مستعدة للقيام بذلك نيابة عنه. حذر نسبي فيما يتعلق بالتعامل مع ايران، والتزام نسبي باسلوب الصقور فيما يتعلق بالتعامل مع حزب الله وسوريا. وفي اطار اهداف سياسة الادارة الاميركية، يبدو اسلوب الضغط المتواصل معقولاً. لكن في الشرق الاوسط ـ وبين اقرب الحلفاء الى واشنطن ـ تبدو هذه السياسة مشوبة بثغرة كبيرة. فالولايات المتحدة لا تستطيع تحقيق هدفها في بناء عالم أكثر امنا بدون معالجة النزاع الفلسطيني ـ الاسرائيلي بشكل حاسم ونهائي. فمعاناة الفلسطينيين التي تبث عبر شاشات التلفزة الى كل المنازل في انحاء الشرق الاوسط، تلعب دورا مهماً في تجنيد المتطوعين في الجماعات المسلحة. وقال وزير الخارجية الاردني مروان المعشّر في حديث مع مجلة «تايم» قبل ايام: «نحن نطالب باحراز نتائج جدية في الموقف الاسرائيلي، ليس مجرد كلام، لقد بدأت نزعة التطرف بالفعل في الشرق الاوسط، علينا ان نظهر للناس ان الولايات المتحدة لا تهتم فقط بالمسألة العراقية بل بمشاكل اخرى ايضاً». حسناً، هل تهتم اميركا بقضية الشرق الأوسط؟ في وقت سابق من هذه السنة قال مسئول رفيع المستوى في الادارة الاميركية ان اعادة احياء عملية السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين ستكون في اعلى قائمة الاولويات حالها تتم تسوية المسألة العراقية. وعندما حدث ذلك قال المسئول انه سيكون على الادارة اتخاذ بعض «الخيارات الصعبة»، وهذا يعني انها ستمارس ضغطاً على الحكومة الاسرائيلية. ومنذ ذلك الحين وعد بوش بنشر خطة «خارطة الطريق» الى السلام حالما يفرغ رئيس وزراء السلطة الفلسطينية من تشكيل حكومته. وعندما كتبت خطة «خارطة الطريق» العام الماضي، اشتملت على توقعات بقيام دولة فلسطينية مستقلة بحلول عام 2005. هل بوش جاد فيها يقول؟ لندن تعتقد انه كذلك ويقول مسئول بريطاني رفيع المستوى: «من الأمور التي أوضحت لنا سراً خلال الاسابيع القليلة الماضية ان بوش مصمم ليس على نشر «خارطة الطريق» وحسب بل على تنفيذها رغم الضغوطات السياسية. وهو بالتأكيد يعطينا الانطباع بأنه لا يقول ذلك لمجرد اسكاتنا. وسيقول المشككون ان البريطانيين مضطرون لقول ذلك، والا فسوف يدحض ادعاؤهم بالقدرة على التأثير في واشنطن. لكن مسئولاً اميركيا كان يشكك سراً في التزام ادارة بوش بالعملية السلمية يقول الآن: انا مقتنع بأن الرئيس سوف يراهن بحياته السياسية الخاصة من أجل انجاح خطة السلام. واذا ساهم بوش في الدفع باتجاه تسوية دائمة للمأساة الفلسطينية الاسرائيلية، فان العديد من الشكوك التي تدور حول سياساته سوف تتلاشى. إن قوة الولايات المتحدة عظيمة جداً ونفوذها واسع جداً لدرجة انه من الاستحالة ان يحبها الجميع. لكن قيام أميركا بمحاولة تسوية نزاع تجذب العالم وتسبب في معاناه انسانية عميقة، سوف ينأى بها عن التصورات التي تصفها بأنها سليلة الامبراطوريات متحجرة الفؤاد التي شهدها التاريخ، وهكذا ربما يكون امام الولايات المتحدة فرصة للبقاء لفترة اطول في بقاء تلك الامبراطوريات الغابرة. ترجمة: علي محمد عن «تايم»