الثلاثاء 20 صفر 1424 هـ الموافق 22 ابريل 2003 ان خبرات وادي السليكون لا تستطيع كسب الحرب في العراق كما لا تستطيع ارساء ديمقراطية مدنية هناك وليس بمقدورها ضمان استمرار صبر الناخبين الاميركيين لينفقوا في المستقبل مليارات الدولارات من المال العام لاحداث معجزة في الشرق الاوسط تقود لتنمية شبيهة بما يحدث في دول حافة المحيط الهادي منذ عام 1950. وفيما اثبتت القوة التكتيكية السياسية الاميركية علو كعبها الآن، فإن الوضع الاقتصادي الأميركي على الجبهة الداخلية ليس على ما يرام طبعا، انني لا اتنبأ بأن القاطرة الأميركية سوف تتراجع سرعتها لتصل الى الكساد ثانية، فالاقتصاد الاميركي بين أواسط 2003 وأواسط 2004 سيشهد على الأغلب نمواً سنوياً في الناتج المحلي الاجمالي بنسبة 3 في المئة تقريباً وهذا سيكون نمواً طيباً، بالنسبة لمعظم الأميركيين، حتى وان لم يكن طيباً بما فيه الكفاية للباحثين عن فرص العمل والمضاربين على الاسهم في وول ستريت كما ان ذلك سيكون طيباً اكثر للاتحاد الاوروبي الذي يتباطأ منذ زمن في مسيرته ولليابان التي لا تزال تعاني اما المناطق النامية في كل مكان من العالم فتعتمد على الرخاء الأميركي. ان ما يسبب العناء لأميركا الآن هو «ديمقراطية الأثرياء» التي تعيشها فجورج بوش الجمهوري في البيت الأبيض والاغلبيتان الجمهوريتان في مجلسي النواب والشيوخ يتصرفون بطريقة ليست حصيفة ولا ذكية. ذلك ان هاجسهم الاقتصادي الاول هو احداث خفض ضريبي ضخم يصب لصالح الفئات الأغنى ويؤثر سلباً بطريقة خفية في الوقت نفسه على الضمان الاجتماعي وحقوق الرفاه للطبقات الوسطى والفقيرة من الأميركيين. فما الذي جعل هذا التحول الريغاني ـ البوشي الجديد اذن بمثل هذه القوة؟ قبل 200 عام من الآن حينما اخذ الفلاسفة الليبراليون يتفكرون بارساء الديمقراطية، كانوا يخشون على نحو يمكن فهمه من ان عدم وجود ضوابط وتوازنات سيبقي الخطر ماثلاً في ان تتحزب اعداد كبيرة من الرعاع في عصابات ضد الملاك من الأغنياء كما ان نظام صوت واحد للشخص الواحد قد يضر لاحقاً بفاعلية السوق والتقدم الشامل. غير ان هؤلاء الفلاسفة احسوا بصورة غير قياسية بالخطر المعاكس الذي يظهر نفسه الآن في اميركا القرن الجديد، فاليوم أصبح ألف ثري اميركي، باستخدام تبرعاتهم الانتخابية للمرشحين الجمهوريين على المناصب، قادرين ان يمثلوا ويمتلكوا نفوذاً سياسياً فاعلاً يفوق ما لدى مئة ألف مواطن عادي وهذا ليس كل شيء فجماعات الضغط التجارية تستطيع ان تدفع بالمسئولين المنتخبين لتمرير قوانين تضع المصالح الخاصة فوق المصلحة الاجتماعية العامة. لماذا اذن لا يرى الناخبون هذا الواقع ويفهمونه؟ ان الحجج المصاغة لاقناع هذا العدد الكبير من البشر بتجاهل مصالحهم الذاتية الحقيقية هي النظرية الاقتصادية القائلة بأن خفض الضرائب يشجع على زيادة الانتاج والنمو الاقتصادي للراديكالية اليمينية وهذه الحجج تحثنا على ان نحابي اولئك الاغنياء اصلاً لأن هذا ما يجب فعله لجعلهم اكثر ابداعاً وفاعلية. ويزعم ان هذا الاجراء كان الثمن الرخيص الذي دفعناه لتحقيق النمو العالي في الانتاجية الذي تحقق منذ زمن اسحاق نيوتن عام 1600 حينما ولدت العلوم المعاصرة. ان هذا الجدل ليس فارغاً من اي مضمون تماماً فالارتفاعات في عامل الانتاجية الاجمالي تولد فعلاً مداخيل فعلية عامة اعلى، كما ان من الصحيح فعلاً ان العامة في المجتمعات ذات الانتاجية الأعلى يكونون اقرب للعيش في حال افضل من غيرهم في البلاد الاخرى.غير ان تجربة تهاوي فقاعة الاسهم في وول ستريت بين عامي 1995 و2000 قد علمتنا ان محاباة ديمقراطية الاثرياء للأثرياء وبدلاً من ان تحرض حوافز الفاعلية فإنها عملياً تخفض مستوى الكفاءات الادارية والمبالاة بالحاجات الانسانية فصهري المتخرج من كلية اقتصادية شهيرة يستطيع ان يصبح مليونيراً بين ليلة وضحاها عبر البحث عن الثغرات في القوانين الداخلية للشركات التي اصبحت منخفضة التنظيم بدلاً من توظيف طاقاته في تخفيض كلفة الانتاج.ان برامج نظرية الخفض الضريبي لزيادة الانتاج والنمو الاقتصادي اليمينية الريغانية، والتي اسموها في ايامهم «اقتصاديات السحر» قد اثبتت هنا وفي الخارج انها كذلك حقاً فحينما يصل متوسط مرتب المدير التنفيذي 400 ضعف مرتب الموظف المتوسط في شركته بدلاً من معدل 40 ضعفاً في الثمانينيات، لم يكن هذا يعني ابداً ان المدير التنفيذي اصبح اكثر فاعلية بعشرة اضعاف ولا حتى اكثر فاعلية 01,1 ضعف وحينما سيأتي دور التاريخ ليصدر حكمه على عصرنا الاقتصادي الراهن، فإن معظم المؤشرات المتوفرة لدينا اليوم تفيد انه سيكون: ديمقراطية الاثرياء اعادت مصلحة الاغنياء لتتقدم على مصلحة الغالبية العظمى لقد احدثت تحولاً نحو اختلالات اكثر جوراً في اقتسام الكعكة الاجتماعية وذلك للأسف يأتي في الوقت نفسه الذي تتضاءل فيه هذه الكعكة. فهل يتوجب على الاجانب ان يقلقوا او يشعروا بالتوتر حينما يروننا نحن الاميركيين نطعن انفسنا؟ لا أعتقد ذلك. ان موجة الافراط في الانفاق الاستهلاكي التي سينتجها الخفض الضريبي المفرط ستجعل السوق الاميركية اكثر تفضيلاً لمصالح المصدرين الأجانب وهؤلاء الاجانب سيمتلكون شيئاً فشيئاً موجودات رأسمالية اكثر داخل اميركا. هذه الحال ستخفض المدخولات التقاعدية المنتظرة عام 2020 وما بعده لمواليد عصر الازدهار الاميركي حينما سنشهد ثورة سكانية في اعداد المتقاعدين المحتاجين للحصول على أسباب الحياة من اعداد اقل من الاميركيين في سن العمل. غير ان هذه مشكلتنا نحن، وليست مشكلة الشعوب الاجنبية. بقلم: بول صامويلسون _ خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»