الثلاثاء 20 صفر 1424 هـ الموافق 22 ابريل 2003 أفاد تقرير للبحث الرسمي، وهو تقرير مشكوك في مصداقيته، ان حزباً من أحزاب التحالف متورط في مقتل راجيف غاندي عام 1991، أنذر زعماء حزب المؤتمر رئيس الوزراء جوجرال بالتخلص فوراً من وزراء هذا الحزب المشبوه، وعلى اثر رفضه لهذا الانذار سحبوا منه ثقتهم مرغمين اياه على الاستقالة في الثالث والعشرين من نوفمبر. وأمام هذا الوضع لم يجد رئيس الجمهورية كوشيريل رامان ناريانانان (الذي خلف شنكار ديال شارما في بداية صيف ذلك العام) من حل آخر غير حل المجلس الأدنى للبرلمان في الوقت الذي لم يكن أي حزب باستثناء حزب بهاراتيا جاناتا يتمنى ذلك الاجراء ولا سيما حزب المؤتمر المهدد بالخروج خائباً مرة أخرى من هذه المغامرة. لقد تم الاعلان بالفعل عن حل مجلس النواب في الثالث من ديسمبر، لكنه كما كان متوقعاً لم تتمخض الانتخابات التشريعية الجديدة التي جرت من منتصف فبراير الى بداية مارس عن أغلبية حكومية جديدة. فقد أحرز التحالف الانتخابي بقيادة حزب بهاراتيا جاناتا على المرتبة الأولى متبوعاً بحزب المؤتمر الذي استطاع على الرغم من تخوفه السابق ان يحقق انتصاراً جديداً بفضل دخول سونيا غاندي أرملة الراحل راجيف غاندي ذات الأصل الايطالي والمعروفة بشعبيتها القوية، معركة الانتخابات. لكن منتخبي القوائم الاقليمية الاثنوـ ثقافية أو بالأحرى المنشقة عن الأحزاب الكبرى صاروا أكثر عدداً. واجمالاً فبينما كان زعيم حزب الشعب الهندي أتال بيهاري فاجبايي يستعد لقيادة الحكومة الجديدة لم تكن الهند قد استعادت حقاً استقرارها السياسي، وكم كان ذلك يضر بنموها الاقتصادي وبثقلها الدولي! من الحياد الى العزلة على الرغم مما بذله رئيس الوزراء الهندي من جهود خلال السنوات الأخيرة، لا تزال الهند اليوم «عملاقاً معزولاً» . ففي سياق الحرب الباردة والصراع المهيمن ما بين الشرق والغرب استطاعت الهند ان تكتسب على الساحة الدولية أهمية جاوزت بكثير قوتها الاقتصادية والعسكرية، ولا سيما بفضل سياسة عدم الانحياز على الرغم مما تميزت به من ميل الى الاتحاد السوفييتي. فالى جانب تيتو وعبد الناصر وسوكارنو الذين تفوق عليهم هيبة وسلطة معنوية لعب جواهر لال نهرو في قمة باندونغ عام 1955 وفي السنوات التي تلتها دوراً رئيسياً في العالم الثالث. وقد حسبت واشنطن وموسكو لهذا الدور حسابه بكل تأكيد. وفي هذا المجال وفي غيره واصلت ابنته انديرا غاندي على نهجه ما استطاعت الى ذلك سبيلاً حتى وان لم يكن لها الهيبة نفسها ولا البراعة نفسها. فمنذ بداية العقد الأخير من القرن العشرين والدبلوماسية الهندية تتعثر في التكيف مع الوضع الدولي الجديد. فحركة عدم الانحياز التي تظل متمسكة بها الى الآن مثل تمسكها بالقضايا الدولية من منظور شمال ـ جنوب، لم تعد فاعلة كما كانت بعد ان تهشمت شيئاً فشيئاً. وقد أدى انهيار الاتحاد السوفييتي على الخصوص بين عشية وضحاها الى حرمانها من حليفها الرئيسي. وهي لحد الآن لم تتوصل الى تعويض هذين الورقتين الأساسيتين في لعبتها السياسية. فمنذ حصولها على الاستقلال وجدت الهند نفسها في مواجهة محيط اقليمي عدائي تصارع فيه عدوّين رئيسيين، هما باكستان والصين. فبعد مرور خمسين عاماً على تقسيم الامبراطورية البريطانية لبلاد الهند الى دولتين منفصلتين، لا تزال النزاعات الناتجة عن ميلاد هذين الكيانين قائمة الى الآن. وقد انفجرت ثلاث حروب كبرى في 1947 و 1965 و 1971 ما بين الاخوة الأعداء الهنود الهندوس والباكستانيين المسلمين بسبب النزاع حول كشمير، الجزء الواقع في أقصى الشمال من الهند، حيث انتهت آخر هذه الحروب بانفصال الجزء الشرقي من باكستان المسمّى بنغلاديش. يرتبط الصراع حول كشمير ارتباطاً جوهرياً بالمقومات الأساسية لهوية الدولتين، ولهذا السبب بالذات لا يزال حله متعذراً لحد الآن. فمنذ نهاية الحرب الهندية ـ الباكستانية الأولى عام 1949 وهناك كشميران، حيث انقسم الاقليم المتنازع عليه الى قسمين أثر المعارك، آزاد كشمير الذي اندمج بباكستان دون أي مشكلات، وجامو كشمير الذي استمرت الهند في ممارسة هيمنتها عليه دون ان تنجح في ادماجه ضمن الاتحاد الهندي ادماجاً كاملاً. وتطالب باكستان بجامو كشمير بحجة ان أغلبية سكانه مسلمون. لكن الهند مصرة على الاحتفاظ به على الرغم من معارضة هؤلاء السكان لها، لأن الهند وبصرف النظر عن الجوانب القانونية لهذه القضية تخشى ان يؤدي التنازل عن هذا الجزء أو حتى مجرد منحه وضعاً من الاستقلال الذاتي الى سابقة خطيرة قد تستفيد منها حركات انفصالية في العديد من مقاطعاتها الأخرى، فضلاً عن ان ذلك سيعزز من مواقف القوميين الهندوسيين في حزب بهاراتيا جاناتا المعادين للمسلمين وللعلمانية التي تعد من الأهداف الأساسية للاتحاد. فمنذ العام 1971 لم تذهب معارضة الكشميريين للسلطة المركزية الهندية أبعد من حرب العصابات التي تدعمها باكستان. ويراقب هذه الوضعية 000,35 جندي من كامل الاتحاد - وتشهد أهمية هذه القوة على مدى خطورة هذا الوضع الذي بات مثيراً للقلق لا سيما وأن الدولتين تمتلكان كلاهما السلاح النووي. غير ان الهند تواجه من ناحية أخرى قوة نووية أخرى أعظم وأقوى، وهي الصين الواقعة هي الأخرى شمال اقليمها. غير ان الصراع هنا أكثر كلاسيكية لأنه يرتبط بمسألة أيلولة اقليمين تبلغ مساحتهما الاجمالية 115 كيلومتر مربع أي ما يعادل أكثر من خمس مساحة فرنسا ، ألا وهما اكزاي شين الذي تسيطر عليه الصين في غرب الهيمالايا، وأروناشال براديش في أقصى شرق السلسلة الجبلية الذي تهيمن عليه الهند وتطالب به الصين. ففي العام 1962 ورداً على ما اعتبره تصرفاً استفزازياً قام الجيش الشعبي للتحرير بتوجيه ضربة قاسية ومهينة للجيش الهندي الذي لا يزال يعاني الآثار النفسية لتلك الهزيمة الساحقة الى الآن. ففي سياق هذه الأزمة المزدوجة ولأسباب استراتيجية عميقة كان تقرب الهند مبكراً بالاتحاد السوفييتي الذي سرعان ما اعتبر الهند لنفس الأسباب حليفاً خلفياً مهماً، حيث صار محور موسكو ـ دلهي مواجهاً لمحور بكين اسلام آباد الذي تدعمه واشنطن عملاً بمبدأ «أعداء أعدائي أصدقائي» (في العام 1955 انضمت باكستان الى حلف بغداد وفي بداية السبعينيات وطد الأميركيون صلاتهم بالصينيين حتى يستثمروا خلافهم مع الروس)، وفي أغسطس 1971 وقعت الهند وروسيا معاهدة صداقة لمدة عشرين عاماً كانت الجوانب العسكرية أهم عناصرها. وعلى هذه الأسس أصبح الجيش الهندي في غضون سنو ات معدودة يمتلك عتاداً روسيا نسبته 70% بينما نما التبادل التجاري ما بين البلدين في كافة المجالات حتى بلغ حجمه نحو ثلاثة مليارات من الدولارات سنوياً حتى نهاية الثمانينيات. وبالاضافة الى هذه الأسلحة كان الاتحاد السوفييتي يزود الهند بالبترول أيضاً، وكانت هذه الأخيرة حرة في ان تدفع ثمن هذه الواردات بالروبية بمعدل صرف منخفض. أما دبلوماسية البلدين فكثيراً ما كانت جهودها تتظافر على الساحة الدولية دون ان تصبح قاعدة ثابتة حيث ظلت الهند حريصة جداً على الاحتفاظ باستقلاليتها على الساحة الدولية حتى لا تقوض الجسور التي تربطها بشركائها الآخرين رغم هذا التحالف المميز. الدبلوماسية الجديدة لكن هذا النظام الذي انهار في ذات الوقت الذي انهار فيه حائط برلين ما لبث ان ترك الهند في حيرة من أمرها لفترة من الزمن. ولم تتسرع نيودلهي في وضع سياسة خارجية جديدة متفاعلة مع معطيات الوضع الدولي الجديد الا مع وصول آندو كومار جوجرال على رأس دبلوماسيتها في يونيو عام 1996. فقد أقدمت الهند بالفعل على اعادة التوازن في مجموع علاقاتها مع الدول، وهو الجهد الذي ينبغي ان يظل متواصلاً. يعتبر آندو كومار جوجرال الذي كان لفترة طويلة عضواً في حزب المؤتمر وكان سفيراً لبلاده في موسكو (من 1976 الى 1980) دبلوماسياً محنكاً ورجلاً واقعياً ذا مواهب عالية، أما سياسته فقد تأسست حول ثلاثة محاور كبرى: الاهتمام أكثر بثقل الولايات المتحدة والبلدان الرأسمالية بوجه عام، اعادة بناء العلاقات ما بين الهند وروسيا على أسس جديدة وأقوى وتحسين علاقات الهند مع جيرانها ولا سيما صلاتها مع دول آسيا الشرقية. فحتى قبل هذه الدبلوماسية الجديدة كانت الهند تسعى منذ سنوات عديدة الى تطوير علاقاتها وتحسينها مع واشنطن في الوقت نفسه الذي شرعت في تحرير اقتصادها تدريجياً. وقد واصل جوجرال مسيرته في هذا الاتجاه، فقد صارت التجارة ما بين البلدين تقارب اليوم تسعة مليارات دولارات وتؤمن الولايات المتحدة ما يقرب من 20% من الصادرات الهندية، أما استثماراتها التي ظلت على مدى أربعين عاماً غير ذي قيمة تذكر فقد وصلت اليوم الى حدود ملياري دولار وسوف يتضاعف هذه الاستثمارات في السنوات المقبلة. وأخيراً وبفضل الأميركيين وبفضل أيضاً سياستها الانفتاحية الجديدة أصبح من حق الهند الحصول على قروض هائلة من البنك الدولي ومن صندوق النقد الدولي. وعلى الرغم من هذا الانفراج الاقتصادي فلا تزال سحب كثيفة تتشكل في السماء الأميركية الهندية. وعلى الرغم من الضغوط المفروضة عليهم فلا يزال قادة نيودلهي يعتقدون ان تنمية برامجهم النووية والباليستية تشكل ضماناً لاستقلال بلادهم وأمنها وتأثيرها الاقليمي والعالمي أمام باكستان والصين. وهم لا يزالون الى اليوم يرفضون التوقيع على معاهدة منع الانتشار النووي السارية منذ عام 1985 ولم ينضموا أيضاً لمعاهدة الحظر الكلي للتجارب النووية. وعلى الرغم من أنهم لا يزالون غير قادرين على ان يلعبوا دوراً حاسماً في المحيط الهندي فانهم لا يخفون انزعاجهم وقلقهم من وجود البحرية الحربية الأميركية المكثف في هذه المنطقة ولا سيما النشاطات العسكرية المنطلقة من قاعدة جزيرة دييغو غارسيا البحرية. وهم متذمرون أيضاً من الانتقادات الأميركية حول عدم احترام حقوق الانسان في كشمير، ومنزعجون من ملاحظاتهم حول مساس الهنود بحقوق ملكية الأميركيين الفكرية ولا سيما عندما يلجأ هؤلاء في هذا السياق أي تطبيق ترتيبات مادة «سوبر 301» للقانون التجاري الأميركي ازاء بعض صناعاتهم كالصناعات الدوائية مثلاً. وبصورة أعم لا يتوقف القادة الهنود عن النضال من أجل قيام عالم متعدد الأقطاب يلجم الهيمنة الأميركية ولذلك فهم ينظرون بعين الرضا والارتياح الى نمو البناء الأوروبي ويسعون الى التقرب من بلدان أوروبية كفرنسا وألمانيا بوجه خاص. ومن منظور هذه الاستراتيجية الجديدة يسعون أيضاً الى التمسك بما تبقى من مجموعة عدم الانحياز على أمل ان يسند أعضاؤها ترشيحها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي. وللأسباب نفسها دأبت الهند أيضاً خلال السنوات الأخيرة وبعد فترة من التذبذب والحيرة والتردد على اعادة بناء علاقات قوية مع روسيا ومع باقي الدول الأعضاء في اتحاد الدول المستقلة المنبثقة عن الاتحاد السوفييتي سابقاً ولا سيما دول آسيا الوسطى. ففي العام 1991 قامت مع ميخائيل غورباتشوف بتجديد العمل بمعاهدة الصداقة لعام 1971 بعد ان جردتها من البنود المتعلقة بالدفاع المشترك. وفي العام 1993 وقعت مع بوريس يلتسين أثناء زيارته الى نيودلهي على اتفاقيات جديدة تتعلق بالتجارة والمصارف وكذلك في مجالات التعاون العسكري والعلمي والثقافي . وفي العام 1996 وقع البلدان على عقد مهم بقيمة ثلاثة مليارات ونصف من الدولارات تزود روسيا الهند بموجبه بامدادات عسكرية شملت أربعين طائرة حربية من نوع سوخوي 40 مع تزويد الهند برخص تصنيع أنواع أخرى مثل (سوخوي 27 وسوخوي 30)وتحديث طائرات الميغ 21 التي يستخدمها الجيش الهندي وكذلك تزويدها بقاذفات صواريخ أرض أرض. وعلى الرغم من معارضة الولايات المتحدة الشديدة لهذا التعاون تستمر روسيا من ناحية أخرى في دعم جهود الهند في المجال الفضائي والباليستي بتزويدها بمحركات تعمل على توربينات عالية الأداء لصواريخها الحربية، ولا يزال الجيش الهندي المجهز بنسبة 70% بعتاد روسي يسعى للحصول من مموله القديم على قطع الغيار والمؤونة العسكرية التي يحتاج اليها. لكن مبادلات الهند التجارية مع بلدان اتحاد الدول المستقلة لم ترق بعد الى مستوى المليارات الثلاثة من الدولارات سنوياً الذي أدركته مع هذه الدول في نهاية الثمانينيات.والى جانب هذه الصفقات والمعاملات المتبادلة المهمة تظل الأسباب العميقة لما تشهده العلاقات الروسية الهندية من انتعاش قوي أسباباً استراتيجية بالدرجة الأولى. فالبلدان يظلان الواحد للآخر حليفين أساسيين في مواجهة الصين. وأخشى ما يخشاه البلدان من ناحية أخرى ان تتصاعد الظاهرة الاسلامية الأصولية في آسيا الوسطى والتي قد تكون سنداً قوياً لباكستان وعامل اضعاف لهما الأمر الذي سيرتاح اليه الأميركيون كثيراً كما رأينا ذلك في تطورات الأوضاع الأخيرة في أفغانستان. وأخيراً وفي تطلعاتهما المشتركة الى قيام عالم متعدد الأقطاب فان الاقتناع قائم في الهند بأن روسيا سوف تستعيد يوماً وضعها كقوة عظمى مثلما الكل مطمئن في موسكو بأن الهند سوف ترقى الى مستوى الدول العظمى لا محالة. ومن هذا المنظور استطاعت الهند، بمساعدة الاتحاد السوفييتي ماضياً وبفضل روسيا حاضراً ان تتزود على مدى ثلاثين عاماً، وبعد هزيمتها المريرة أمام الصين عام 1962 بواحد من أكبر الجيوش في العالم عدداً وعتاداً. فبمليون و100 ألف رجل تحتل قواتها البرية المرتبة الرابعة عالمياً، أما قواتها الجوية فهي تتكون من 110 آلاف رجل وتضم العديد من الوحدات الحربية الجوية والاستكشافية واللاسلكية وكذلك أنظمة «اواكس» الرادارية بالاضافة الى تشكيلة واسعة من الصواريخ. أما قواتها البحرية فتضم 55 ألف رجل ونحو مئة سفينة حربية. وقد دفعت الأولوية المعطاة خلال السنوات الأخيرة للتنمية الاقتصادية القادة الهنود الى اقتطاع أجزاء مهمة من ميزانية الدفاع والى عدم الاستمرار لزمن طويل على الأرجح في تطوير قوتهم العسكرية المتصاعدة أبعد من المرحلة التي وصلتها في الوقت الحالي ومن ثم الى تعليق طموحاتهم في الهيمنة بالرغم من مطالبهم في جنوب آسيا وفي «محيطهم» (الهندي) حيث أصبح الأميركيون بعد انسحاب الروس المتحكمين الوحيدين في اللعبة، لكن طموحات الهنود ذات المدى البعيد لم تتغير بأي حال من الأحوال. وبدفع من وزيرها للشئون الخارجية ورئيس وزرائها حينذاك اندو كومار جوجرال غيرت الهند في السنوات الأخيرة من سلوكها تجاه جيرانها الآسيويين متنازلة عن الغطرسة التي ظلت تطبعها حتى هذه اللحظة متبنية موقفاً أكثر تواضعاً وأكثر تسامحاً واسترضاءً. فقد انتهى عهد سياسته التهديد بالقوة وحل عهد التفاوض الصادق ولا تردّد الآن في تقديم التنازلات. أما الدافع الأساسي من وراء هذا الاتجاه في السياسة الهندية فهو الحصول على حلفاء جدد والاندماج أكثر في المحيط الاقليمي والابتعاد عن الانطواء في عزلة متعجرفة المثيرة دوماً للعدوانية والحساسية المفرطة تجاه الآخرين. فقد صار الصحافيون في الهند يطلقون على هذه الاستراتيجية الجديدة اسم «مذهب جوجرال» ومع الصين تجد الهند نفسها مثلما هو الشأن مع روسيا أيضاً في موقف مشترك ازاء نمو العالم الأحادي القطب الذي يهيمن عليه الأميركيون. فقد دفعت بهما الدوغماتية السائدة في هذه السنوات في العاصمتين الى تطوير تعاونهما التجاري (لقد تجاوزت تبادلاتهما في الوقت الحالي المليار دولار) دون اثارة لخلافاتهما الاقليمية التي أصبحت بحكم هذا التوجه الجديد لتطوير التعاون بينهما مجمدة الى أجل غير مسمى. لكن العملاقين الآسيويين لا ينسيان أنهما يظلان من الناحية الجيو ـ سياسية ندّين وخصمين لدودين مهيمنين على نيودلهي. فلا يزال القادة في العاصمة الهندية ينظرون بعدم الرضا الى الدعم المتواصل الذي تقدمه بكين الى اسلام أباد في المجال العسكري والنووي. كما يتخوفون من صعود قوة البحرية الحربية الصينية ومن أطماعها ومن مناوراتها في بحر الصين الجنوبي، وكذلك مما يحاك بين الصين وبين برمانيا من مؤامرات ودسائس. ولا شك ان تنامي هذه القوة وهذه المؤامرات والدسائس سوف تشكل على المدى البعيد تهديداً خطيراً على حرية الملاحة في مضيق ملقاء العنق الخانق المتحكم في العبور ما بين المحيط الهادي والمحيط الهندي وحيث وبفضل تواطؤ جنرالات رانغون يقوم الأميرالات الصينيون ببناء قاعدة بحرية على مقربة من شبه القارة الهندية. وفي الوقت ذاته الذي يوطدون فيه علاقاتهم مع الصينيين يسعى المسئولون الهنود الى تحسين وتطوير علاقاتهم مع باكستان من دون استسلام أو ليونة ازاء الثوار في كشمير. ويبدو هنا أيضاً ان التوازن في الرعب النووي ما بين البلدين قد أعطى آثاراً طيبة للغاية حيث لم يعلن أي منهما الحرب على الآخر منذ العام 1971. فالزيارات المستمرة قائمة ما بين قادة البلدين والتبادل التجاري ما بين وريثي امبراطورية الهند البريطانية في تطور دائم نحو الأفضل. لكن من غير المحتمل ان يتمكن الخصمان من الخروج في المستقبل المنظور من حالة التوتر السائد الى الآن ولم تلطفه لحد الآن سوى بعض المداراة والمجاملات من الجانبين لا سيما وأن المسألة الكاشميرية تظل من هذا الجانب وذاك مثيرة للانفعال ولا سيما أيضاً وأن هامش الحركة الذي يملكه المسئولون الهنود والباكستانيون هامش ضيق ازاء ضغوط الرأي العام في كلا البلدين. دور الأخ الكبير أما مع بقية جيرانها الأقل حجماً وأهمية فقد تخلت الهند خلال السنوات الأخيرة عن لعب دور «الأخ الأكبر». فحتى يداهنهم ويسترضيهم شرع جوجرال في انتهاج سياسة التنازلات الأحادية الجانب التي أعطت ثمارها وكانت في صالح هؤلاء الجيران. فقد وقعت الهند مع نيبال وفي صالح هذه الأخيرة على معاهدة حول سد متنازع عليه على نهر ماهاكالي. وقد وقعت على معاهدة أخرى مماثلة مع بنغلاديش أنهت بموجبه خلافاً قديماً حول مياه الغانج حيث تصبح بنغلاديش أقل تعرضاً لمخاطر فيضانات النهر ويصبح للهند الحق في الوصول بسهولة الى مقاطعاتها الشمالية الشرقية المرتبطة بباقي الاتحاد بممر ضيق وعر وخطير على مقربة من ميانمار (برمانيا السابقة) المثيرة للقلق. كما قام جوجرال بتوطيد العلاقات ما بين الهند وكولومبو التي يحظى ف يها شخصياً بكثير من الحظوة منذ ان لعب في العام 1989 بينما كان وزيراً للخارجية دوراً رئيساً في انسحاب الجيوش الهندية من سريلانكا المساندة لثوار نمور التاميل. وكل هذا لا يخلو من أهمية بالغة. فهو قليل بالنظر الى المصاعب الهائلة التي لا تزال الهند تصطدم بها رغم جهودها الحالية الكبيرة في مساعيها الرامية الى انضمامها الى مختلف منظمات التعاون في شرق آسيا التي تتمنى ان تكون جزءاً منها ولا سيما من أجل تنشيط اقتصادها الذي يحتاج الى رؤوس أموال هذه المنطقة. لكنه يبدو ان قادة العواصم المعنية عازمون على ان تظل الهند على وضعها كقوة آسيا الجنوبية وبذلك تظل بعيدة عن منتدى التعاون ما بين آسيا والمحيط الهادي (أبيك) ورابطة أمم جنوب شرق آسيا (آسيان). لذلك تبقى الهند في الوقت الحالي «عملاقاً معزولاً».