الاثنين 19 صفر 1424 هـ الموافق 21 ابريل 2003 تعداد الهند اليوم يتجاوز مليار نسمة، ولكن بمنتوج قومي داخلي خام لا يزيد على منتوج بلجيكا، لكن هذه المعطيات الاحصائية الرسمية في الظاهر لم تحسب حساب النشاطات «اللاشكلية» التي تصحّح هذه المعطيات نحو الأفضل (المستشارون التجاريون الأجانب المعتمدون في نيودلهي يقارنون هذه المعطيات ليس ببلجيكا ولكن بايطاليا أو المملكة المتحدة). وعلى أي حال فان هذه المعطيات من أول وهلة تبدو مذهلة . ومن ناحية أخرى فلو صدقنا تنبؤات الديموغرافيين فان الهند بعد جيل واحد وبمليار ونصف نسمة سوف تصبح أول دولة سكانية على وجه الكرة الأرضية، متقدمة بذلك عن الصين نفسها، فأي مستوى من التنمية الاقتصادية سوف يدركه هذا العملاق الذي يتحرك مثل الفيل بطيئاً ولكن قوياً ؟ ان الهند تطرح قضايا أخرى أساسية وحاسمة ولا تقل خطورة عن القضية السكانية حول مستقبلها ووحدتها وديمقراطيتها وكذلك حول مكانتها ودورها في العالم وبداية في محيطها الاقليمي الشاسع. قبل خمسة عشر عاماً حين أعلنت الهند استقلالها في 15 أغسطس عام 1947 لم يكن عدد سكانها يجاوز 355 مليون نسمة، بعد انفصالها عن باكستان، كان ثلاثة أرباع سكانها حينها يعيشون تحت خط الفقر، وكان معدل العمر لا يزيد على 32 عاماً، وكان 84% من السكان أميين. فقد ظلت «جوهرة التاج البريطاني» على الرغم من ماضيها المجيد بلداً استعمارياً وموغلاً في التخلف، مثل الصين وباقي القارة الآسيوية، باستثناء اليابان. وعلى الرغم من ذلك كان بنديت جواهر لال نهرو على رأس هذه الدولة مصراً على الاسراع في تحديث الأمة العظمى التي تعدّ واحدة من أمم العالم الثالث. وعلى الرغم من تأثر نهرو العميق بالنظام السوفييتي في التنمية الذي شاهده على الطبيعة قبل الحرب من دون ان يفكر مع ذلك في تطبيقه تطبيقاً حرفياً على بيئة اجتماعية وثقافية جد مختلفة، فقد كان مقتنعاً بأن الدولة ينبغي ان تلعب دوراً ليس مطلقاً أو مانعاً وانما رئيسياً من أجل اخراج الهند من أوضاعها القديمة البالية ومن مظاهر تخلفها المتعددة، وعلى الرغم من أنه لم يفكر يوماً في خنق المبادرة الحرة ولا في ان يمنع ديناميكية بعض الأسر الكبرى في ان تعبر عن نفسها من أمثال «تاتا» أو «بيرلا» التي شيدت أمبراطوريات صناعية ومالية كبرى في عهد الانجليز فقد أنشأ نهرو نظاماً اقتصادياً مزدوجاً قامت محاوره الأساسية على التخطيط وهيمنة قطاع الدولة وأولوية الصناعة الثقيلة والبنيات التحتية، ومراقبة مجموع الانتاج والحماية الصارمة، وهكذا صارت مصانع الصلب والفولاذ ومصانع الأسمدة والسدود الكبرى المعابد الجديدة في الهند المعاصرة. الخروج من معطف نهرو بعد مرور قرن من الزمن حقق هذا «النهج الهندي» في التنمية - الذي كان بالفعل رأسمالية دولة قام هدفها على تأمين الانتقال من مجتمع زراعي أساساً الى أمة صناعية عصرية - تطورات محققة وانجازات عظيمة، حتى وان لم تحقق الكثير من الأهداف الأساسية لهذا النهج غايتها. فعلى الرغم من النمو الديموغرافي القوي، بل وأن ثلث سكانها لا يزالون في وضع من الفقر المدقع، فقد أصبحت الهند بلداً مكتفياً ذاتياً على الصعيد الغذائي بفضل «ثورتها الخضراء» التي بدأتها في الستينيات، وقد ارتفع متوسط عمر المفرد الى الضعف، وانخفض معدل الأمية الى النصف وهذه بالتأكيد نتائج بالغة الأهمية ليس من الناحية البشرية فقط بل أيضاً على صعيد مستقبل التنمية الاقتصادية، ولكنها تظل مع ذلك نتائج غير متساوية. فبثروة قوية اجمالية تعادل تقريباً ثروة أي بلد أوروبي متوسط أمكن الهند التحكم في السلاح النووي، وقد صارت ترسل الأقمار الصناعية الى الفضاء وهي تكوّن كل سنة على مقاعد جامعاتها وتأتي الهند في المرتبة الثالثة عالمياً في هذا المجال - نحو 300 الف باحث وفني بلغوا أرقى المستويات يديرون مختبراتها ومعاهدها ومؤسساتها المتطورة (في المعلوماتية، الألكترونات، المواصلات، وعلم الفضاء) في بنلغالور المدينة الحديقة باقليم كرناتاكة الجنوبي. لكن الذي صار بديهياً من عقد من الزمن ان هذا النموذج «النهروي» في التنمية الذي تدين له الهند بالكثير فقد اليوم الكثير من قوته وخواصه، بل ولقد أصبح في الوقت الحالي، ومن أوجه عديدة نموذجاً معيقاً للانتاج. ففي بداية التسعينيات كان القطاع العام يمتص 40% من الاستثمار القومي ويشغل 70% من الموظفين والعمال وفقاً للاحصائيات الرسمية، ولكنه لم يسهم الا في حدود 27% في تكوين المنتوج القومي الداخلي الخام. لكن الأولوية الممنوحة للهياكل القاعدية (البنية التحتية) وللصناعات الثقيلة ما فتئت تنمو وتتطور على حساب الأرياف وتؤثر سلباً على «هند الستين ألف قرية» التي صارت أراضي مزارعيها الذين يمثلون عنصر الأكثرية البشرية في البلاد تتجزأ باستمرار نتيجة لنمو ديموغرافي متصاعد وملح يؤدي الى انخفاض منتظم لمداخيلهم، وهي الظاهرة التي تهدّد على المدى البعيد بمحو الآثار الخيرة لـ «الثورة الخضراء». هذا ولم ينج الانتاج الصناعي مع ذلك في ان يصبح قاطرة النمو بحكم الحماية المفرطة التي يتمتع بها، وكذلك لانخفاض الانتاجية المترتبة على ذلك، فقد صارت منتجاتها الواسعة الاستهلاك جد رديئة في العادة وغير قابلة للتصدير «مسامير تلتوي بسهولة وسكر لا يذوب، وصابون لا رغوة فيه وأعواد ثقاب لا تشتعل». حكم التراخيص وقد صارت القيود البيروقراطية بوجه عام تشل أكثر فأكثر المبادرات وتقلص الى أقصى الحدود اسهامات رؤوس الأموال الأجنبية التي كانت الهند في أمس الحاجة اليها. وبذلك صارت البلاد أكثر من أي وقت مضى تعيش تحت رحمة «حكم التراخيص» الذي يعتبر من أوجه كثيرة أسوأ بكثير من «الحكم البريطاني»، طوق صارم من التنظيمات والقوانين والاجراءات الضرورية للحصول على رخص من كل الأنواع كانت سبباً في التأخر في الانجاز ومصادر للرشوة على كل المستويات فالهند التي تفخر يكون أكبر «ديمقراطية في العالم» أصبحت على أية حال «أكبر بيروقراطية في العالم» وأصبح هذا الوضع يهدّدها بالموت اختناقاً. فقد حاولت أنديرا غاندي ابنة نهرو، التي أصبحت بدورها رئيساً للوزراء، الشروع قبل اغتيالها بقليل، باعادة النظر في هذا النظام الاقتصادي المرهق الذي أفرز الملايين من أصحاب الامتياز الصغار والكبار الأعضاء في حزبها الخاص، حزب المؤتمر، لكن محاولات غاندي التي جاءت متأخرة وجد محتشمة لم تحقق أي ثمار حقيقية، وقد كان الأمر كذلك بالنسبة لمحاولات ابنها راجيف الذي اغتيل هو الآخر عام 1991.وعندما انتخب ناراشيما راو رئيساً للوزراء في صيف ذلك العام كانت الوضعية قد أصبحت كارثية حيث أشرفت الهند على الهاوية. فمع وزير ماليته الجديد السيخي مانموهان سينغ وهو موظف سام موهوب تخرج من أحسن الجامعات الانجليزية والأميركية لم يملك راو الاّ ان يتفرج على مشهد مأساوي، فقد بلغ العجز المالي في البلاد 4,8% من المنتوج القومي الداخلي الخام، بينما وصل التضخم الى 18%، ولم يزد احتياطي الخزينة من العملة الصعبة عن مليار واحد من الدولارات وهو مبلغ لا يسمح بأكثر من ثمانية أشهر من الواردات. فبدلاً من ان يتصديا مباشرة لقلعة البيروقراطية ايماناً منهما بأن الالتفاف حولها أقل خطراً من المواجهة أقدم راو وسينغ على ارخاء الضغوط الادارية القائمة بطرحها قطاع الانتاج الخاص والعام للمنافسة، وذلك بتفكيك نظام الرخص الادارية وفتح معظم القطاعات الاقتصادية التي ظلت حكراً على الدولة والجماعات المحلية للمتعاملين الخواص، مع منح ا لتشجيع للاستثمارات الأجنبية وتحرير الاستيراد وتخفيض رسوم الجمارك وتشجيع الصادرات وتخفيض قيمة الروبية وجعلها قابلة للتحويل، والغاء التنظيمات المالية. وكان نهاية لحقبة «حكم التراخيص» فقد كان التقويم الاقتصادي في كافة المجالات (العجز العمومي، التضخم، احتياطي العملات الصعبة، التصدير، الاستثمارات الأجنبية( شبه فوري) وهكذا استقر العجز التجاري للهند اليوم (العجز الجاري) عند حدود 2% من المنتوج القومي الداخلي الخام. وعلى الرغم من أنها لا تزال ضعيفة بالمقارنة مع دول آسيا الشرقية الأخرى فان الاستثمارات الأجنبية في ارتفاع منتظم (3,1 مليار دولار في 1995 - 1994 و 2 مليار دولار في 1996 - 1995). ويتراوح نمو المنتوج القومي الداخلي الخام حول 5,5% سنوياً مقابل أقل من 1% في بداية التسعينيات. أما النمو الصناعي فهو يتراوح في حدود 5,4% (سنوات الحصاد الطيب). أما التضخم فهو مستقر في حدود 10%. لكن نقاطاً سوداء كثيرة تظل تشوّه هذه الصورة الايجابية للاقتصاد الهندي، ومنها العجز العمومي المرتفع جداً حيث يزيد عن 9% من المنتوج القومي الداخلي الخام، وتترتب عنه عواقب وخيمة تتمثل أساساً في تعذر امتصاص الدين العمومي المقدر بـ 28% من المنتوج القومي الداخلي الخام، وفي تعطيل الادخار العمومي والخاص أيضاً، ومن ثمة في رفع تكلفة الاستثمارات الوطنية التي لا تزال تعاني الكثير من الضعف.وبالفعل، فانه لأسباب سياسية بديهية فان اصلاحاً حقيقياً لم يتحقق بعد. وهو الاصلاح المتمثل في الحد الجذري للعاملين ضمن التوظيف العمومي الهندي، وهو الاصلاح الذي أصبح ملحاً أكثر من أي وقت مضى. وكما قال الوزير الفرنسي للتربية الوطنيةكلود أليفر فقد صار «الياموث» (وهو فيل عظيم منقرض) أقل ضرراً من الماضي، ولكنه لم يجرد بعد من دهونه، فنحن هنا في قلب المشاكل الحالية للديمقراطية الهندية، مشاكل في غاية التعقيد بل ومثيرة للكثير من المحاولات أيضاً. برلمانية مزعزعة قبل سنوات، ومع اقتراب الذكرى الخمسين للاعلان عن استقلالها في 5 أغسطس عام 1947، دخلت الهند في مرحلة من التقلبات السياسية على خلفية من الاضطرابات الاجتماعية المتفاقمة.ففي الانتخابات التشريعية التي جرت في الفترة من 27 ابريل الى 7 مايو 1996 والتي جندت نحو 600 مليون من الناخبين (ممثلين لأكثر من 950 مليون نسمة) عرف فيها حزب المؤتمر القديم وهو حزب «أسر» نهرو وغاندي، والذي ظل يهيمن حتى تلك اللحظة على الحياة العامة لأكبر ديمقراطية في العالم على مدى نصف القرن الماضي (باستثناء فترتي تراجع قصيرتين عام 1977 و 1989) هزيمة معتبرة ربما قد يتعذر اصلاحها والخروج منها. فقد انخفض تمثيله في «لوك سابها» وهو المجلس الأصغر الذي يضم 545 نائباً من 259 الى 137 مقعداً، بينما ارتفع عدد ممثلي منافسه اليميني الأساس أي حزب الشعب الهندي، البهاراتيا جاناتا من 117 الى 184 مقعداً في حين زاد عدد ممثلي تحالف اليسار المعروف بالجبهة الجديدة، والذي أصبح الجبهة الموحدة ذات الأغلبية الشيوعية من 83 الى 108، وتقاسم المقاعد المتبقية وعددها 107 (مقابل 26 في الانتخابات السابقة) عدد من الأحزاب الجهوية. انه باختصار انفجار لا سابق له في التمثيل السياسي الهندي، يهدد بتزعزع حكومي مزمن - وهو الأمر الذي سرعان ما أثبتته الأحداث اللاحقة بل ولقد تحدث بعض المحللين عن «زلزال لا سابق له». لقد كانت الأمور غداة الاستقلال تبدو في غاية البساطة: لقد كان ينظر الى حزب المؤتمر على أنه الحزب الذي أنهى النير البريطاني، ولذلك تشبث الشعب الهندي بزعمائه ولا سيما بأولهم الزعيم جواهر لال نهرو. «اننا حزب كل الهنود» هكذا كان يقول هذا الزعيم التاريخي متباهياً بقيادته للتشكيلة الوطنية الوحيدة داخل اتحاد مشكل من خمسة وعشرين مقاطعة، ومتفاخراً بكونه الصوت الناطق باسم الجميع، من المنبوذين الى البراهمانيين، من مزارع بيهار الى صائغ غوجارات، وباسم المسلمين والهندوس على السواء. وقد اعتنق كل خلفه من بعده هذا المبدأ السياسي ابنته أنديرا غاندي ثم ابنها راجيف غاندي وأخيراً نيراشيمها راو رئيس الوزراء الذي خسر انتخابات عام 1996 وهو الذي لم يكن من العائلة ولم يملك ما يملكون من كاريزما. لكن ذلك المبدأ السياسي ما فتئ ان أضحى شيئاً فشيئاً غير مطابق ولا ملائماً لمجتمع في حالة من التطور العميق. فبعد ان بات عاجزاً عن تحديث مذهبه وبذل الجهود الثقافية للتكليف مع الأوضاع الاجتماعية الجديدة تقلص دور حزب المؤتمر الهرم الى مجرد موزع للمناصب العليا والوظائف والمكافآت. وفي كل الأحوال كان هذا هو حكم الرأي العام فيه، ولذلك كان لا بد من ان ينتهي أمره طال الأمد أم قصر الى فشل. فقد قال مدير مركز البحث السياسي بدلهي برام شويرا قبل الانتخابات بقليل: «لقد أدت السيرورة الديمقراطية الى تجزئ مجتمعنا وتفتته. لقد انتظمت الطوائف المختلفة حول مصالحها الخاصة في مناطقها ولم يعد حزب المؤتمر يملك الوسائل اللازمة لمواجهة هذه المتطلبات الجديدة. وقد نشأت أحزاب جديدة ولا سيما للدفاع عن مصالح المنبوذين وعن الطبقات الأكثر فقراً. أما «الطوائف العليا» فقد انضوت داخل حزب بهاراتيا جاناتا (مع الاشارة الى ان «الطوائف العليا» هذه المنتظمة في طبقات تدرجية، تضم ما لا يقل عن 300 مليون شخص. وليست جميع هذه الطوائف من البراهمانيين بل ان معظم أفرادها مو اطنون يعيشون في أوضاع جد متواضعة كثيراً ما تلامس خطوط الفقر. فحذار اذن من تفسير كلمة «عليا» تفسيراً خاطئاً).لقد ظهر الانحطاط بالفعل بعد مقتل راجيف غاندي ووصول نارسيمها راو على رأس الحكومة وتشكيلته القيادية القديمة. فعلى الرغم من حنكته السياسية القديمة (كان عمره يزيد عن السبعين عاماً) وخبرته الاستراتيجية الطويلة وقدرته الفائقة في المناورة فلم يستطع راو ان يفرض نفسه وسياسته حتى على أقرب أفراد تشكيلته. فقد شهد حزب المؤتمر في ظرف خمس سنوات سلسلة متوالية من الانقسامات والانشقاقات وقد خاب في سلسلة متتالية من الانتخابات المحلية حيث أرغم على التنازل عن سلطته في العديد من المقاطعات الكبرى. وقد أدى التنازل عن نظام اقتصاد الدولة الموجه ومبدأ الحمائية الاقتصادية (أي حماية الاقتصاد من المنافسة الأجنبية) لحساب السياسة الليبرالية الداعمة للمبادرة الخاصة وللانفتاح على الاستثمارات الأجنبية، الى تسريع وتيرة النمو الاقتصادي. لكن هذا المجرى الجديد ما فتئ ان صدم مصالح قوية في اخطبوط البيروقراطية الهندية وكذلك في عشرات الآلاف من المؤسسات على اختلاف أحجامها بالادارة المتداعية والتنظيم الخائر المتخلف. ومن ناحية أخرى فلم يغفر المسلمون المئة وعشرون مليوناً (الهند هي البلد الاسلامي الثاني في العالم بعد أندونيسيا (200 مليون)، لحزب المؤتمر تهاونه مع المتطرفين الهندوس الذين أحرقوا مسجدهم في هيا ضياء في نهاية 1992 والذي هجروه بعد ان فقدوا الثقة في حماية قادة هذا الحزب له . وأخيراً فقد أعطى انفجار عدد من الفضائح الكبرى المرتبطة بالفساد والرشوة - ومنها على الخصوص فضيحة هاوالا الشهيرة التي تورط فيها نحو مئة من السياسيين البارزين المتهمين باقتسام ما يعادل 100 مليون فرنك فرنسي من الرشاوي، ومن بينهم سبعة وزراء أرغموا على الاستقالة - الضربة القاضية لحزب نهرو العتيد. وقد كان حزب بهاراتيا جاناتا المستفيد الرئيسي من هذه الهزيمة التاريخية بعد نضاله المستميت الممتد على مدى عشر سنوات (لم يكن لهذا الحزب سوى نائبين اثنين عام 1980). الواقع ان حزب الشعب الهندي يشكل الجبهة السياسية القوية لحركة قومية أوسع مركزة على «راشتريا سبويامازسفاك» (أي جمعية المتطوعين القومية)، المنظمة السرية والمنضبطة التي تضم في صفوفها أكثر من مليوني منخرط، وهو ينتمي الى الهندوتفا وهي «هندوكية» لا يشكل الدين العامل الأساسي فيها حتى وان كان يحدد ملامحها الأساسية (الهندوكية أو الهندوسية ديانة من غير كتاب لا يمكن ان تشهد الانحرافات الأصولية بسهولة) ولكنها تشكل فلسفة تنتسب الى مجموعة من القيم التقليدية. أما الدافع الرئيسي لأولئك الذين ينتسبون لهذه الفلسفة فهو ليس أكثر من الانتقام من عشرة قرون من الحكم الاسلامي التركي المغولي التي فرض الاسلام خلالها بالقوة بالاضافة الى محو آثار «الحكم البريطاني» الذي أعقب ذلك العهد والذي أطال عمره ثقافياً المذهب الدنيوي النهروي (نسبة للزعيم نهرو)، وتتعارض هذه الأفكار والدوافع مع مؤسس الهند المعاصرة فلم يعد الأمر يتعلق بتوحيد كل الهنود لما أراده هذا المؤسس ولكن بتأمين نهضة الهنود واعادة بعثهم من جديد. فعلى الصعيد السياسي يحمل حزب بهاراتيا جاناتا جملة من المطالب ذات الطابع القومي الراديكالي كالغاء «القوانين المدنية»الخاصة المعترف بها للمسلمين ولأقليات دينية وعرقية أخرى وانهاء سياسته «التمييز الايجابي» لصالح الفئات الدنيا التي تخصص لها حصصاً نسبية (كوتا) من مناصب التنصل من الوظائف العمومية، وسياسته أكثر هجومية في كشمير وتجاه باكستان، ايقاف سياسة الانفتاح على رؤوس الأموال الأجنبية التي تمثل عامل مساعداً على الفساد والرشوة، باستثناء بعض القطاعات المحدودة التي لا غنى لها عن هذه الأموال (في المقابل لا يعترض هذا الحزب على السياسة الليبرالية الاقتصادية داخل البلاد). وقد أغوى هذا البرنامج الطبقة المتوسطة الحضرية والطوائف العليا في الشمال. لكن عملياً وبالنظر الى الأوضاع القائمة في سياقها الحالي فانه يتعين على حزب بهاراتيا جاناتا اذا رغب في الوصول الى الحكم ومن ثم حصوله على أغلبية برلمانية ضرورية أوسع من مجموعة نخبته المحدودة ان يعيد النظر في عدد من مطالبه المتشددة وأن يتخذ في شأنها مواقف أكثر ليونة وعقلانية. في العام 1996 وعلى الرغم من فوزه الانتخابي الكبير لم يكن على ثقة كبيرة بأنه سيقود البلاد الى الفوز. فالفترة القصيرة التي اكتفى بها في الحكم أحد زعمائه وهو أتال بيهاري فاجبايي قد أثبتت ذلك بالفعل. فقد استدعاه رئيس الجمهورية شنكر ديال شارما ليشكل الحكومة الجديدة. لكنه ما فتئ بعد مرور اثني عشر يوماً فقط ان قدّم استقالته بعد خطاب التنصيب التقليدي حيث فشل في اقناع أغلبية أعضاء الأحزاب الصغيرة والوصول الى الأغلبية المطلوبة في حدها الأدنى أي 272 نائباً. وبذلك بات واضحاً ان قادة حزب باهاراتيا جاناتا كانوا يضاربون حول انشاء وضع من التذبذب السياسي في الهند من نوع الجمهورية الفرنسية الرابعة على أمل ان يستفيدوا منه يوماً في انتخابات تشريعية أخرى قد تحدثها أزمات حكومية لاحقة. ومنذ ربيع عام 1997 بات التخوف قائماً من ان يحدث هذا السيناريو الكارثي المتوقع قبل أوانه. وقد حدث بالفعل بعد مرور تسعة أشهر فقط. وبذلك أضحت الحسابات باهظة الثمن. وفور انسحاب فاجبايي استدعى رئيس الدولة سياسياً آخر من يسار الوسط السير ديغا غودة لتشكيل حكومة جديدة، لكن غودة لم يكن من الشخصيات المهمة - فلاح من الجنوب من الطوائف المتوسطة، لا يتقن الهندية وغير منسجم كثيراً مع أوساط نيودلهي السياسية. غير أنه وبدعم من الأحزاب الصغيرة المؤيدة لتوجهاته ومن حزب المؤتمر الذي لم يكن يرغب في الاشتراك في الحكومة - استطاع ان يشكل تحالفاً واسعاً مضاداً لحزب باهاراتيا جاناتا وأن يحصل على الأغلبية. غير ان كل واحد كان يقدر مدى هشاشة الفريق الذي جمعه غوده من هنا وهناك ولم يكن بالامكان ان يظل متماسكاً بحكم التناقضات الجوهرية والصراعات الطائفية والشخصية القائمة ما بين الأطراف المعنية بهذا التحالف الظرفي. وقد كان في وسع حزب المؤتمر ان ينهي ذلك التحالف في أي وقت ولكنه ولأسباب غامضة لم يقم بذلك الاجراء الا بعد مرور ما يقرب من سنة، في بداية ابريل 1997. بعد سقوط غوده تشكل فريق حكومي جديد بعد ثلاثة أسابيع من النقاشات المملة في وضع هيمن عليه خوف شعر به حتى قادة الطبقة الساسية «التقليدية» من ان يؤدي حل البرلمان واجراء انتخابات جديدة الى عودة حزب الشعب الهندي الى الساحة السياسية بقوة من جديد. لكن هذا الفريق الجديد الذي لم يقدم له حزب المؤتمر هذه المرة أيضاً سوى الدعم دون المشاركة لم يختلف في شيء عن سابقه الا باختلاف قائده: ان ديف غوده الذي لم يعد حزب المؤتمر راضياً عنه استبدل بـ «هندوكومار جوجرال» (سبعة وسبعون عاماً) الذي كان وزيراً للشئون الخارجية في التشكيلة الحكومية السابقة والذي ظل محتفظاً بمنصبه بالاضافة الى وظائفه الجديدة كرئيس للوزراء - وهو القرار الذي رحب به معظم المراقبين الدوليين . لكنه على الرغم من شخصية جوجرال لم تحقق الحكومة الجديدة ما كان ينتظر منها لا سيما وأن الاصلاحات الاقتصادية ظلت مجمدة عند المرحلة التي كانت عليها ليلة سقوط ناراسيمها راو - حيث لم تسمح هذه الاصلاحات للهند بأن تحقق معدلات في التوسع الاقتصادي مماثلة لتلك التي حققتها قبل نحو عشر سنوات معظم بلدان آسيا الشرقية المجاورة. فقد ظلت البيروقراطية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة مستمرة في مقاومة تلك الاصلاحات وظلت معظم الصناعة الثقيلة، الطفيلية، خاضعة للدولة، ولم يتمكن وزير المالية بلانياجان شيدامبران المعروف باتجاهه الليبرالي القوي من ان يفرض سياسته المالية الصارمة ولا ان يجبي مزيداً من التحصيل الضريبي. فقد ظلت الهند «عملاقاً مقيداً» ولا شك ان قادتها يعرفون هذه الحقيقة أكثر من غيرهم: ففي الخامس عشر من أغسطس 1997 احتفلوا بالذكرى الخمسين لاعلان استقلالها في جو من الخيبة.