الاحد 18 صفر 1424 هـ الموافق 20 ابريل 2003 حملت الاسابيع المتقلقلة القليلة الماضية احساسا بالأسى بالنسبة لمن يؤمنون من بيننا بالوحدة الأوروبية، وبالناتو وبشراكة عبر أطلسية قوية وبدور شامل للأمم المتحدة. لقد تفجرت مشاعر الغضب بين الناس، لكن دعونا لا ننسى بعض الحقائق عن أوطاننا. علينا ان نتذكر أولا درجة حاجة الولايات المتحدة وأوروبا كل منهما للآخر. وتظهر دراسة نشرها للتو مركز العلاقات عبر الاطلسية أنه: ـ على مدى معظم سنوات العقد الماضي، كانت أوروبا مصدر نصف اجمالي ارباح التجارة الدولية للشركات الاميركية. ـ حجم الاستثمارات الاوروبية في تكساس يفوق الاستثمارات الاميركية في اليايان. ـ على مدى الاعوام الثمانية الماضية كانت الاستثمارات الاميركية في هولندا وحدها تساوي ضعف استثماراتها في المكسيك وعشرة أضعاف استثماراتها في الصين. إذن، فالمصالح الاقتصادية المشتركة للولايات المتحدة وأوروبا تشكل ارضية غاية في الأهمية. لكن الرهانات بالطبع تفوق ذلك بكثير. فالنقطة الاساسية الحقيقية هي ان الولايات المتحدة ولدت ضلع أوروبا. وهذا يعني ان لدينا جذورا مختلفة في عصر التنوير الاوروبي ونشترك في جملة الافكار التي انبعثت من مرحلة الانعتاق في السلطة المكتسبة. ولقد عملنا معا على مدار نصف القرن الأخير لصياغة نظام قانوني دولي لا يغطي التجارة والامن فحسب، بل يشمل حقوق الانسان والحريات الاساسية ايضا. ومهما كانت حدة الخلافات التي تنشأ بيننا من حين الى آخر، ومهما تعالى صوت صراخنا على بعضنا البعض، فإننا نتبنى رؤى عالمية متشابهة جدا، كما في معارضتنا المشتركة لـ «الحلول المطلقة» سواء للشيوعية او الاشتراكية الوطنية او النزعة المتشددة. ان أولئك الذين يحثون الرئيس جورج بوش على التنصل من الأمم المتحدة بدعوى ان «الغرض الرئيسي في مجلس الأمن هو لجم الولايات المتحدة وليس لجم الحكام الطغاة»، كما يقول تشارلز كراوثامر، لا يستحقون الانتهاء لجيل عظيم من رجال الدولة الاميركيين الذين بنوا سلطة القانون من خلال المؤسسات العالمية قبل 50 عاما وأكثر. ومن حسن الحظ ان هؤلاء يشكلون اقلية صغيرة في الولايات المتحدة التي لا تزال مصممة على التميز بطابع الدولية. وفيما نحن نستشعر طريقنا عبر مسلك صعب للغاية، ليس في العلاقات عبر الاطلسية وحسب، بل في العلاقات الاوروبية الداخلية ايضا، فمن الاهمية بمكان ألا تدفعنا المشاعر الانفعالية للمبالغة في حجم اختلافاتنا حول السياسة الخارجية. وحتى فيما يتعلق بقضية العراق، فقد تركز الخلاف حول ما اذا كان من الصواب مصادرة قرار مجلس الأمن رقم 1441 وحتى يمكن فعل ذلك اذا كان جائزا اصلا. لا احد منا يختلف على الحاجة لتخليص العراق من اسلحة الدمار الشامل، وليس لدى احد ادنى شك في ان اوضاع العراق ستتحسن بدون صدام. لكن ما هو الدرس الذي ينبغي ان نتعلمه نحن كصانعي سياسة؟ ان اوروبا وأميركا يجب ان تعملا على صون مصالحهما المشتركة وتقليص اختلافاتهما قدر الامكان لزيادة نفوذهما المشترك في فعل الخير. وذلك يعني اعادة مضاعفة جهودنا المشتركة لتقوية دفاعات العالم ضد الارهاب الدولي. وهناك الآن قدر كبير من العمل، الفني في غالبه، الجاري على ضفتي الاطلسي حول اجندة عريضة، تغطي كل شيء من امن حركة ناقلات النفط والخطوط الجوية وابرام الاتفاقيات المشتركة بشأن تسليم المتهمين الفارين بين الدول الى تحسين فعالية القيود على عمليات غسيل الاموال ومساعدة البلدان النامية للوفاء بالتزاماتهم في مكافحة الارهاب. علينا ان نمضي قدما في هذه الجهود لضرورات عديدة ليس اقلها شأنا ضمان ان المبادرات الجديدة في هذا القبيل سوف تركز بشكل فعال ودقيق على كبح جماح الارهاب، دون تقييد التجارة والاستثمار الدوليين. وهذا يتطلب منا بذل مجهود اكبر من اي وقت مضى لتطوير تعاوننا الناجح في البلقان في اعقاب اهوال التسعينيات. ما كان بالامكان التفاوض على اتفاقيات دايتون او كسب حرب كوسوفو بدون اميركا ومع ذلك فإن الاتحاد الاوروبي هو الآن القوة الرئيسية الفاعلة في استقرار المنطقة. والاحتمالات المستقبلية للانضمام الى الاتحاد الاوروبي تقدم دعائم اساسية لتلك البلدان التي تناضل لاستعادة حريتها وازدهارها. والاتحاد الاوروبي هو اكبر متبرع بالمساعدات لبلدان منطقة البلقان الغربية، ليس هذا فحسب، بل اننا نساهم ايضا بأكبر عدد من جنود حفظ السلام هناك. والقصة ذاتها تتكرر بشكل مشابه جدا في افغانستان، حيث يناضل المجتمع الدولي لمساعدة البلد في الوقوف على قدميه من جديد بعد سنوات من الرزوح تحت دولة يرعاها الارهاب، وهنا ايضا فللاتحاد الاوروبي بدوله الاعضاء، وجودا عسكريا اكبر من وجود الولايات المتحدة، كما انه يساهم بتبرعات اكبر ـ لكننا نتعاون عن كثب في خدمة استراتيجية واحدة. وفي الاسابيع والاشهر المقبلة، ستشكل عملية السلام في الشرق الاوسط والتحديات المرتبة على مساعدة البلدان في المنطقة للتكييف مع تبعات الحرب في العراق، ستشكل اختبارا كبيرا لأداء الغرب، فالولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي عملا مع روسيا والامم المتحدة (فيما يعرف بالرباعي) على وضع «خطة طريق» للوصول الى ضمان امن اسرائيل واقامة دولة فلسطينية ضمن حدود معترف بها دوليا، والحقيقة ان معظم الناس في المنطقة يعتقدون ـ صوابا او خطأ ـ ان الولايات المتحدة تمثل مصالح اسرائيل. ولذلك فليس بمقدور الولايات المتحدة ان تلعب دور الوسيط النزيه وحدها ولن يكون هناك تسوية دائمة بدون تعاون عبر اطلسي وتعاون اقليمي اوسع. وفيما يتعلق بالسياسات التجارية والاقتصادية، علينا القيام بثلاثة امور. اولا نحن بحاجة للعمل سويا لضمان نجاح الاجتماع الوزاري لمنظمة التجارة العالمية في كانكون بالمكسيك في سبتمبر عام 2004. ثانيا نحتاج لبذل مجهود اكبر في اي وقت مضى لايجاد حلول منسجمة في قوانين منظمة التجارة العالمية لخلافاتنا الشائكة العالقة حول عدد من القضايا ـ مثل شركات المبيعات الخارجية، تجارة الفولاذ والكائنات المعدلة وراثيا ، ثالثا علينا ان ندفع الى الامام الاجندة الايجابية حول قضايا تجارية اساسية، مثل تعزيز العطاءات الالكترونية لعقود الشراء وحل النزاعات التجارية قبل وصولها الى آلية منظمة التجارة العالمية. ويجب علينا احراز تقدم حقيقي بحلول موعد القمة الاميركية الاوروبية التالية في يونيو. دارت احاديث كثيرة مؤخرا في الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة على حد سواء عن الحاجة لعزل التجارة والاقتصاديات عن الحرب. هذا امر طبيعي لكن علينا ان نعمل لتحقيق هذا بالفعل. وهذا لن يحدث بالتمني بل يحتاج منا ان نشمر عن سواعد الجد. وفي هذه الآونة يشعر مواطنو بلدين هما فرنسا وبريطانيا بأن الاحداث الراهنة جعلت علاقات بلديهما متوترة وغير مستقرة تماما كما جعلت العلاقات عبر الاطلسية متوترة. ورجاؤنا البسيط هو ان تضع الاطراف المتجادلة حول قضية العراق أبواقها جانبا وتعترف بحجم الروابط التي توحدنا على ضفتي الاطلسي ونقر بمسئوليتنا المشتركة لتوفير قيادة دولية. في اوروبا، ينبغي للحقائق الصارخة التي عرتها الازمة الراهنة ان تمنح زخما جديدا للجهود الجارية لتعميق الاتحاد الاوروبي، خاصة على صعيد البحث عن سياسة امنية خارجية مشتركة تليق باسمه. وفي الوقت ذاته فإن على اميركا وأوروبا ان تضاعفا جهودهما لتقوية السيادة الدولية الضرورية رغم كونها مفتوحة. ان التعاون بين اوروبا والولايات المتحدة لم يكن في يوم من الايام ميزة اضافية اختيارية. وهذه الحقيقة لا تزال راسخة على كلا جانبي الاطلسي. بقلم: كريس باتن _ المفوض الأوروبي للشئون الخارجية _ باسكال لامي _ المفوض الأوروبي للتجارة ترجمة : علي محمد خدمة « لوس انجلوس تايمز» خاص لـ « البيان »