الاحد 18 صفر 1424 هـ الموافق 20 ابريل 2003 من المفارقات ان اليابان هذه التي تتخبط في أزمتها، كما رأينا، هي التي تنمو فيها منذ بضع سنوات مشاعر القومية الجديدة ذات الطابع الراديكالي المتشدد، والطموحات الاقليمية والدولية الحديثة، التي قررت التخلي عن سياسة الانقياد الدبلوماسي المتبعة خلال نصف القرن المنصرم منذ نهاية الحرب. فما أكثر الذين يعتقدون اليوم في طوكيو بأنه على غرار ألمانيا، ونتيجة أيضاً لنهاية الحرب الباردة، ينبغي على اليابان ان تصبح «بلداً عادياً» من جديد في كافة المجالات، ولا سيما على الصعيدين الدبلوماسي والعسكري، وبأن على اليابان أيضاً ألا ترهق نفسها بالتحفظات السلمية التي كثيراً ما ألجمته نتيجة لهزيمتها وللمغامرة الامبريالية التي سبقتها وما زالت تلجم الى اليوم، في رأيهم، نشاطها الخارجي ولا سيما في منطقة نفوذها الآسيوي التقليدي الواسع. وقد كان رئيس الوزراء الياباني السابق ريوتارو هاشيموتو الذي لا يزيد عمره على الستين عاماً هو واحد من رموز الجيل الجديد من الرجال السياسيين الذين لا يتحرجون من الافراط في التذكير بجرائم امبراطورية الشمس المشرقة كلما فكروا في القيام بمبادرة دبلوماسية خارج الاطار المحدود الذي يسعى العديد من شركائهم وبدءاً من العديد من نظرائهم في البلدان المجاورة وعلى رأسهم القادة الصينيون، الى محاصرتهم في داخله باسم جرائم أسلافهم ـ فبوصفه رئيساً مؤثراً لجمعية قدماء الحرب العالمية الأخيرة ـ على الرغم من انه لصغر سنه لم يشارك في تلك الحرب ـ لا يعد من الذين ـ وما أكثرهم في الواقع ـ يحرجهم الحديث عن ذلك الماضي المرير، بل انه يفضل كمعظم مواطنيه كلما أوقعه أحدهم في فخ الماضي، التركيز على ان بلده كان ولا يزال الى اليوم الضحية الوحيدة للقنبلة الذرية، بالاضافة الى ذلك يعتبر ريوتارو هاشيموتو على الخصوص رجلاً ذا رؤى مستقبلية حاملاً لأفكار واضحة عن الدور الذي ينبغي على اليابان ان تلعبه مستقبلاً على الساحة الدولية وقد عرض هذه الأفكار في كتاب مهم نشر عام 1995 تحت عنوان «رؤية اليابان». ومثل ألمانيا على الخصوص فان اليابان ذلك المهزوم الكبير الآخر في 1945يجب في رأيه ان تصبح عضواً دائماً في مجلس الأمن للأمم المتحدة الى جانب الأعضاء وأن تتساوى معهم في الحقوق. هامش ضيق غير انه اذا كانت الطموحات اليابانية منطقية ومفهومة، فان هامش الحركة الممنوح للقادة اليابانيين هامش ضيق الى حد كبير. ففي منطقة تهيمن عليها ديموغرافياً، وأكثر فأكثر عسكرياً، الصين التي تمتلك السلاح النووي، فان اليابان باعتبارها قوة اقتصادية كبرى، باتت تحظى بتطور سلم علاقات القوى في العالم الذي صار اليوم يمنح المزيد من الثقل لهذا العامل أكثر من أي وقت مضى. غير ان اليابان الحريصة على الحفاظ على الاستقرار الاقليمي الضروري لازدهارها وبالأحرى لتأمين تمويلاتها البترولية واقعة اليوم في تناقض كبير. فهي من ناحية مضطرة لمداراة مصالح الولايات المتحدة التجارية والاستراتيجية حتى وان كانت هذه المصالح منافسة أحياناً لمصالحها الخاصة وأن تتعاون تعاوناً وثيقاً معها لأن أمنها المنشود في النهاية مرهون حتماً بتلك المصالح. لكن اليابان من ناحية أخرى لا يسعها ان تذهب في ذلك النهج أبعد ما يحق لها دون ان تثير أسوأ الشكوك لدى جيرانها الصينيين والكوريين وغيرهم. وللخروج من هذا المأزق دون التنازل عن طموحاتها الاقليمية، على اليابان ان تتحفظ في الكشف عن «هدفها الأكبر» في قارة آسيا وبأن تكتفي في هدوء واصرار وسرية باتباع سياسة نفوذية مبنية أساساً على قوة استثماراتها يكون الهدف منها النمو التدريجي لـ «منطقة الازدهار المشترك» ذات الحدود غير الثابتة والتي تقع بالتأكيد ضمن منطقة نفوذها. والواقع ان هذا المشروع، من أوجه عديدة، قد أصبح واقعاً بالفعل وان جزئياً. لكن الاستمرار في تنفيذه قد يصطدم ببعض العقبات، ولا يزال سيره يتغير وفقاً للبلدان وللمناطق الخاضعة لتلك البلدان. فقد قبلت معظم البلدان الأعضاء في «الآسيان» (رابطة أمم جنوب شرق آسيا التي تضم سلطنة بروناي وأندونيسيا ولاوس وماليزيا وميانمار والفلبين وسنغافورة وتايلاند والفيتنام) بعض الدعم لدور اليابان السياسي بحكم وجودها الاقتصادي القوي حيث تفضل هذه الدول ينات اليابان على اعتذاراتها عن الماضي. لكن في المقابل تعترض الصين والكوريتان التي كانت أكثر من عانى من البلدان من تسلط الجيش الياباني، بقوة على ذلك التطور الذي يتعارض في كل الأحوال مع طموحاتها وأطماعها الخاصة. ان استراتيجية اليابان في جنوب شرق آسيا استراتيجية واضحة كل الوضوح: لقد أعقبت سياسة التعهد من الباطن وتنمية المنتوجات الموجهة للأسواق المحلية التي انتهجها اليابانيون في الستينيات، أعقبت هذه السياسة، خلال العقد الموالي سياسة برامج التصدير نحو بقية العالم، ثم ابتداء من العالم 1985 وكنتيجة لارتفاع قيمة الين الذي أدّى الى ارتفاع ملحوظ في تكلفة المنتجات اليابانية، سياسة الترحيل الصناعي للاستفادة من اليد العاملة الأقل تكلفة بكثير من اليد العاملة في الأرخبيل. ففي خلال ثلث قرن استثمرت امبراطورية الشمس المشرقة أكثر من 100 مليار دولار في بلدان الآسيان (رابطة أمم جنوب شرق آسيا) منها أكثر من النصف بعد سنة 1985 فقط، وهو ما يمثل واحداً من أغزر التدفقات المالية ومن أسرعها أيضاً في التاريخ المعاصر في اتجاه العالم الثالث. وقد رافقت هذه الاستثمارات الخاصة قروض عمومية مهمة للغاية، فقد صارت اليابان تمثل اليوم بنحو ثلاثة عشر مليار دولار سنوياً أي ضعف الولايات المتحدة، أهم مساهم عالمي في برنامج المساعدة العمومية للتنمية قبل فرنسا بثمانية مليارات ونصف المليار دولار وتتوزع هذه المساعدة أساساً ما بين الصين وجنوب شرق آسيا. ولما كانت المضاربة في هذه الاستثمارات ضعيفة فقد استفادت المؤسسات المرحّلة الى هذه البلدان من انخفاض سعر عملات هذه الأخيرة بالنسبة للدولار الذي أعقب الانهيار في البورصة في صيف عام 1997 والذي جعل منتجاتها المخصصة للتصدير أكثر منافسة لكن اذا كان كل هذا مهماً على الصعيد الاقتصادي فاننا لا نرى بوضوح ما الذي يمكن ان تستفيده اليابان على الصعيد السياسي. لعبة معقدة في كوريا والصين تلعب اليابان لعبة أكثر تعقيداً. فقد عانت كوريا والصين الأمرين من استعمار امبراطورية الشمس المشرقة الذي امتد من نهاية القرن التاسع عشر الى منتصف القرن العشرين والذي كلفهما أكثر من أربعين مليون قتيل تعرضوا للكثير من التعذيب الذي كان وسيلة لزرع الخوف من المحتل. لذلك بل انه كثيراً ما يفيدهما في التذكير بما ارتكبته اليابان كلما تطاولت وتمادت في الدفاع عن مصالح مناقضة لمصالح سيئول وبيونغ يانغ أو بكين. ومن ناحية أخرى لا يستطيع القادة اليابانيون في هذه المدن الثلاث التباهي باستثمارات شركاتها الكبرى ولا بما تقدمه للصين من مساعدة عمومية للتنمية رغم أهميتها (810 مليارات دولار من القروض ما بين 1990 و1995 و 580 ملياراً ما بين 1996 و1998 بشروط جد ميسرة). فكوريا الشمالية تعيش في حالة من الاكتفاء الذاتي الفعلي لخشيتها الشديدة الى الآن من الاستثمارات الأجنبية. ومن باب أولى الاستثمارات اليابانية. أما كوريا الجنوبية فقد صارت بلداً متطوراً يكاد يضاهي من كانت تحتلها بالأمس، حيث صارت تنافسها وبشدة في العديد من المجالات مثل صناعات السيارات والصناعات البحرية أو الالكترونية. أما في الصين فلا تزال الاستثمارات اليابانية على الرغم من أهميتها من حيث القيمة المطلقة ضعيفة نسبياً بالمقارنة بمجموع الاستثمارات الأجنبية ولا سيما بالنسبة لاستثمارات الجالية الصينية المهاجرة، ولذلك لا يسع طوكيو ان تستخدم تلك الاستثمارات كوسيلة للضغط لا سيما وأن أرباب الصناعة اليابانية الذين رحّلوا الى هناك بعضاً من نشاطاتهم بسبب انخفاض سعر التكلفة والذين تعنيهم كثيراً آفاق السوق الصينية مثلما تعني نظراءهم الأوروبيين والأميركيين لا يفكرون لحظة واحدة في الدخول في تلك اللعبة بأي حال من الأحوال. باختصار ليس أمام المسئولين اليابانيين سواء في شبه الجزيرة الكورية أو في الجمهورية الشعبية سوى ان تتحدث بصوت خفيض متواضع وتكتفي في صبر بنسج صلات متعددة للتعاون مع هؤلاء الشركاء الثلاثة الذين لا غنى لها عنهم وحسبها في ذلك رغم ما يفرضونه عليها من تعقيدات أنهم جيرانها الذين لا مناص لها منهم. فالصين على الخصوص تمثل بالنسبة لليابان شريكاً مزعجاً وخطراً. فبينما يتأكد صعودها كقوة اقتصادية وعسكرية يوماً بعد يوم وبينما لا تخفي ارادتها في الهيمنة على آسيا من دون أي تحفظ تستمر اليابان التي تزداد مخاوفها من هذه الأطماع بعد مرور نصف قرن على استعادة علاقاتها الدبلوماسية مع بكين في 1972، في التصرف معها بكثير من الاحترام والوقار راضية بلا اعتراض أو تذمّر بكل ما توجهه لها من اذلال واهانات معتذرة لها بلا انقطاع عن جرائمها الماضية سعياً منها لتفادي ما هو أسوأ والحفاظ على حصصها في السوق. فعلى غرار العديد من الوزراء اليابانيين أظهر الامبراطور أكيهيتو أثناء زيارته الأولى الى الصين عام 1992 الكثير من مشاعر الندامة على ما اقترفته بلاده من أخطاء فادحة في حق اليابانيين. وحديثاً أيضاً في صيف عام 1997 أقر الوزير الأول الذي قبل بالذهاب الى منشوريا التي كانت أهم مركز للابتزازات اليابانية خلال النصف الأول من القرن العشرين بذنب بلاده في حق الصين. غير انه على الرغم من حرصها الكبير على ألا تغضب جارتها القوية فلم تتردد اليابان القلقة الجزعة عام 1996 في قبول دعم تعاونها العسكري الاقليمي مع الولايات المتحدة وفي الشروع معها في انتهاج ما يمكن ان يسمى بسياسة «احتواء» الصين حتى وان كانت هذه السياسة لا تزال تلطفها أي الآن ارادة حقيقية في التعاون في واشنطن وفي طوكيو على السواء رغم تنامي مشاعر العداء في الأرخبيل ازاء الأميركيين خلال السنوات الأخيرة. لقد بات أرباب الصناعات في الأرخبيل ينظرون بعين الحذر والانزعاج الى ضغوط الولايات المتحدة على اليابان لارغامها على فتح المزيد من أسواقها لمنتجاتها ولا سيما لأنواع سياراتها الفخمة تحت طائلة الانتقام بحجة العجز الكبير الذي بات يعاني منه ميزانها التجاري فهؤلاء المقاولون لا يجسرون على الاعتراف بأن الأسلوب الذي تستنير به تجمعاتهم الكبرى أو ما يسمى عندهم بـ «الكيراتزوس» بات يثقل كاهلهم لعدم نجاعته لكنهم لا يترددون أمام ضغوط الدبلوماسيين الأميركيين في التذكير بالأسلوب الذي لجأ اليه القائد البحري «بيري» وزوارقه العسكرية خلال القرن التاسع عشر، في ارغام الشوغون على السماح للتجار الأجانب بممارسة المقايضة على أرضه، ومن ناحية أخرى فقد بات اليابانيون بعد مرور نصف قرن على هزيمة 1945 يتذمرون من استمرار وجود نحو خمسين ألف جندي أميركي على أراضيهم، وهو الوجود الذي يتحملون أعباءه المالية التي تكلفهم أكثر من أربعة مليارات من الدولارات كل سنة وقد أحدث اغتصاب فتاة يابانية من قبل ثلاثة من المارينز في سبتمبر 1995 في جزيرة أوكيناوا في جنوب الأرخبيل الياباني حيث يتمركز الجزء الأكبر من تلك القوات، صدمة قوية في الرأي العام الياباني، وقد ارتفعت خلال الأشهر الموالية أصوات عديدة مطالبة بتقليص هذا الجهاز بل وبتفكيكه تفكيكاً كلياً. وأكثر من ذلك فقد حاول هاشيموتو المقرب من الأوساط المتبنية لسياسة المراجعة وبعد تأثره بموجة الغضب السعي بعد تلك الجريمة الاندفاع وراء مشاعر السخط ومطالبة شركائه من ما وراء المحيط بمراجعة معاهدة الأمن الياباني الأميركي لعام 1960 المحددة للعلاقات العسكرية ما بين البلدين، ومع ذلك فقد انحاز للموقف المعاكس في الأخير. كره وازعاج ان سياسة الولايات المتحدة في آسيا ليست مختلفة عن تلك التي ينتهجونها في أوروبا اذ تتمثل في السعي للاحتفاظ بأقوى نفوذ ممكن فيها بل وبهيمنة كاملة ولا سيما في المجال العسكري وبأقل التكاليف الممكنة. والكل يعرف هذه الحقيقة في طوكيو (مثلما في سيئول حيث يتمركز النصف الآخر من القوات الأميركية وفي ظروف مماثلة في كوريا الجنوبية)، غير انه مثلما لا تستبعد معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي امكانية عودة الخطر السوفييتي على المدى البعيد، ممّا يجعلها متمسكة بمبدأ الاحتفاظ بالناتو حتى وان كان بعضهم يطمح الى اعادة التوازن في العلاقات داخل منظمة شمال الأطلسي فان اليابان وبلداناً آسيوية غير شيوعية أخرى قد صارت في الأخير حريصة هي الأخرى أمام تصاعد الخطر الصيني والكوري الشمالي، على ألا تستغني عن الولايات المتحدة حتى وان كانت لا تجهل ارادة هذه الأخيرة في النفوذ والتسلط وحتى وان كانت عازمة على ان تبني معها علاقات أكثر تعادلية من تلك التي كانت سائدة في الماضي. ومن ناحيتهم يرى الداعون الى نفوذ عسكري ياباني أكبر بأنه مهما كان في الاحتفاظ بل وفي دعم التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة من اكراهٍ وازعاج فانه في النهاية أفضل وسيلة، ان لم تكن الوحيدة، في المرحلة التاريخية الحالية، للاستمرار في تنمية وتطوير صناعاتها العسكرية وقواتها المسلحة بالرغم من المحظورات العسكرية لدستورها ومن اعتراضات الأوساط السلمية في الأرخبيل وعداوتها لذلك التحالف. ألا يشكل المئة والخمسون ألفاً من رجال قوات دفاعها الذاتي بتجهيزاتهم وتدريباتهم العالية واحدة من الجيوش الأولى في العالم بقواتها البحرية والجوية عالية المستوى ووسائلها البالستية وأقمارها الصناعية ذات الأداء المتطور، ناهيك عن قدرة اليابان في التزود بالسلاح النووي في أي وقت شاءت كلما دعت الحاجة الى ذلك. وانطلاقاً من هنا لم يجد الأميركيون أي صعوبة في اتخاذ أزمة ربيع 1996 في مضيق فرموزا ـ الأزمة التي لهم ضلع في انفجارها ـ وكذلك في تصاعد عدوانية كوريا الشمالية في ذات الوقت ذريعة لدعم علاقاتها العسكرية مع اليابان. ففي تصريح مشترك نشر في 17 ابريل 1996 بمناسبة الزيارة الرسمية لرئيس البيت الأبيض الى الأرخبيل أكد الرئيس كلينتون والوزير الأول هاشيموتو عزم بلديهما على تشكيل «تحالف القرن الواحد والعشرين» ما بينهما، تحالف يجعل من اليابان على الصعيد العسكري أهم نقطة دعم للسياسة الأميركية في آسيا وفي المحيط الهادي، في مواجهة الصين أساساً حتى وان لم يفصح الطرفان عن ذلك صراحة، فحتى ذلك التاريخ لم يكن التحالف الياباني الأميركي يشمل سوى اليابان نفسها وتايوان وكوريا وشمال الفلبين. فتلك هي المناطق الوحيدة التي كان يمكن للقوات اليابانية التدخل فيها. ولذلك وبعد المراجعة فستصبح معاهدة 1960 شاملة لمجموع منطقة آسيا والمحيط الهادي وفي هذه المنطقة برمتها يمكن للجيش الياباني ان ينتشر فيها في حال حدوث الأزمة الى جانب انتشار قوات الولايات المتحدة. وقد كان من الطبيعي ان ينزعج القادة الصينيون من ذلك التحالف. ولذلك فقد علم في بكين بعد الاعلان في طوكيو عن ذلك التحالف الجديد بأيام قليلة، انه وعلى اثر الزيارة التي قام بها بوريس يلتسين الى امبراطورية الوسط، وقعت روسيا والصين وكرد فعل على ذلك التحالف على نص مشترك يحدّد معالم «الشراكة الاستراتيجية للقرن الواحد والعشرين»، فقد عادت الدولتان بذلك الى زمن التحالف الصيني الروسي في عهد الحرب الباردة في مواجهة «النمر الورقي» الأميركي والمتعصبين له من اليابانيين الرأسماليين. اللهم الا ان كل ذلك ليس له أي علاقة بالايديولوجيا ولا يعبّر الاّ عن مرحلة جديدة لعلاقات القوى ما بين القوى الكبرى في آسيا الشرقية. ومنذ ذلك الوقت ما فتئت تندّد من حين لآخر بعودة روح الحرب والامبريالية اليابانية لكن لحد الآن ولأول مرة لم تقدم اليابان اعتذاراتها كالعادة تاركة العاصفة تمر. الماعز والوتد لكن ذلك لا ينفي كون اليابان تظل مثل الماعز المربوطة الى الوتد الأميركي. ولا يرضي هذا الوضع المهين القادة اليابانيين. ويمكننا ان نتساءل في المقابل ان لم يكن الصينيون في النهاية وبصرف النظر عن الصياح والتشكي، غير راضين عن هذا الوضع، ألا يفسح هذا الوضع المبدّل الذي لا يمثل وضع «البلد الطبيعي» الذي يحلم به الناس في طوكيو، والذي ستظل اليابان راضية به الى أمد لا محدود، المجال واسع لأطماع الصين في الهيمنة الاقليمية وهي البلد الوحيد الذي يملك حرية التصرف في آسيا التي يظل زعماؤها الوحيدون في هذا الجزء من العالم القادرون حقاً على التحدث الند للند مع رئيس البيت الأبيض ومع قادة البنتاغون ؟ فعلى الرغم من غناها تظل اليابان محاصرة. فعلى الصعيد الدولي يظل هذا العملاق الاقتصادي قزماً سياسياً مثلما كان يطلق على ألمانيا منذ عهد قريب. وأقصى ما يمكن ان تفكر فيه ان تمنح نفسها قدراً من الحرية بمحاولة التقرب من روسيا المهددة هي الأخرى على المدى البعيد من قبل الأطماع الصينية، وبتكثيف تعاونها الاقتصادي معها في سيبيريا، وفي كمتشاتكا وفي ساخالين وفي الكوريل ـ وهو أمر قد يصبح ممكناً في موسكو وكما تبشّر به المحادثات المهمة التي أجراها في بداية اكتوبر عام 1977 في كراسنويارسك الرئيس يلتسين والوزير الأول هاشيموتو، حيث قبل القادة بأن يظهروا مرونة أكبر ازاء الادارة اليابانية في استعادة الجزر الجنوبية الأربعة الصغرى في أرخبيل كوريل التي استولى عليها الجيش الأحمر عام 1945 (ايتوروفو، كوناشيري، شيكوتان وهابوماي) وقد كان يلتسين منتظراً في زيارة رسمية الى طوكيو في منتصف أبريل 1997. سوف تصبح اليابان واحداً من الأقطاب الاستراتيجية في عالم الغد. ولكن ذلك لن يتأتى الا عندما يقوم آخرون مثل الصين وأوروبا بفك الأصفاد الأميركية المكبّلة للعالم. وفي انتظار ذلك يظل طموح امبراطورية الشمس المشرقة في ان تقبل عضواً دائماً بمجلس الأمن للأمم المتحدة بعيد المنال اللهم الا عن طريق المخادعة دون حق في الفيتو ـ وهو الحل الذي يفكر فيه البعض بالنسبة لألمانيا وأربعة دول كبرى من دول العالم الثالث، لكنه حل سيظل يصطدم لزمن طويل بعقبات كثيرة بسبب تنافس الأطماع تحت القبة الزجاجية على ضفاف نهر الهدسون. «نحن أيضاً خسرنا الحرب !» هكذا ظل ينادي خلال السنوات الأخيرة ممثل ايطاليا بالأمم المتحدة كلما ذكرت أمامه مشروعات توسيع مجلس الأمن هذه.