السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 المقابلة التي أجراها آري شفيت مع رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون كانت بمثابة فطيرة مدهونة بالشوكولاتة. أنت تقضم قضمة واحدة الا انك تجد صعوبة في فهم هدفها. هل هو تسهيل عملية بلع الفطيرة الجافة أم يأتي لابتلاع الشوكولاتة الحلوة. في اليوم نفسه الذي طالعتنا الصحيفة من خلال هذه المقابلة مع شارون، رجل السلام، كتبت صحيفة «يديعوت احرونوت» بأن «رئيس الحكومة لن يقبل أي إملاء يفرض عليه حول خريطة الطرق التي تحدق الخطر بأمن اسرائيل - حسب رأيه - حتى وان كان الثمن المترتب على ذلك التصادم مع الرئيس بوش». ولكن قبل ذلك بأيام كانت صحيفة «يديعوت احرونوت» قد سبقت غيرها في نقل عبارات اخرى ذات نزعة قتالية من دوائر شارون. الاولى: «اسرائيل لن تدفع أي ثمن فقط من اجل إرضاء طوني بلير عندما يتعلق الامر بأمن مواطنيها». والثانية كانت: «رئيس الحكومة لن يتردد في التصادم مع ادارة بوش اذا طولب بتجميد المستوطنات أو المس بها حتى». فمن هو شارون الحقيقي اذا؟ هل هو ذاك المتشدد الصلب العنيد الذي أطل علينا من خلال «يديعوت احرونوت» أم هو سائل الشيكولاتة اللذيذ المستعد لجلب الأمن والسلام مقابل تنازلات مؤلمة كما ظهر لنا من خلال مقابلة آري شفيت في «هآرتس»؟. السلام والأمن والتنازلات المؤلمة هي وعود شارون المركزية الثلاثة خلال ولايته الانتخابية الاولى والثانية. فهو يتحدث كزعيم ويسير كزعيم ويعد كزعيم، الا ان ما تبين في عامه الثالث في سدة الحكم انه ليس بزعيم أو قائد. الامر لم يقتصر على عدم تلبيته لأي وعد من وعوده، وانما نجد ان الوضع قد أصبح اسوأ من أي وقت مضى على المستوى الأمني والوطني. وحتى الآن عندما يعبر شارون لصحيفة «هآرتس» عن استعداده لتقديم تنازلات من اجل السلام الحقيقي نجده يعلق في كل سؤال يفترض استخدام كلمة «اخلاء» في الاجابة عنه.على سؤال لماذا لا يتنازل عن نتساريم مثلا، رد رئيس الحكومة بجواب مطول يفيد بأنه لم يتنازل ولن يتنازل عن امور تتعلق بأمن اسرائيل. جواب مشابه ورد على لسانه منذ عامين ايضا. وعلى سؤال آري شفيت حول سبب عدم إخلائه للمستوطنات المعزولة رد بجواب مسهب لا يتضمن كلمة «إخلاء». أما سؤال استعداده في المرحلة الاولى لتجميد البناء في المستوطنات أو إخلاء المواقع الاستيطانية غير القانونية فقد أعطى مرة اخرى جوابا بلا اجابة: «هذه المسألة حساسة.. ولا حاجة للتطرق اليها اليوم». هناك كلمات ليس لدى شارون استعداد أو قدرة على التلفظ بها حتى عندما يتحدث عن السلام. بذلك يذكرنا بالدمى التقليدية في برنامج «الحرتسوفيم» التلفزيوني حيث لم يتمكن من يقلده من لفظ كلمة نتنياهو بأي شكل من الاشكال. شارون يكرر الشعار الاجتراري حول عدم وجود طموحات لشخص في عمره باستثناء جلب السلام والأمن لهذا الشعب. من المحتمل ان يكون رئيس الحكومة قد بدأ يستوعب العلاقة بين الوضع الامني والوضع الاقتصادي المتدهور. ليس من الطبيعي ان يكون الشعب راضيا عن قائده الا انه ليس راضيا عن أدائه لدوره. عندما يبدأون في الحديث عن اسرائيل بكلمات تشبهها في الارجنتين وما يحدث فيها يستوعب رئيس الوزراء ان هناك حاجة لاظهار خطوات تسير باتجاه التسوية والمفاوضات قبل ان يكتشف الجميع ان الملك عار. ليس عليه ان يقرأ تصريح ريتشارد بيرل الاخير - الأب الروحي للهجوم على العراق - اذ قال ان امريكا ليست مدينة بشيء للعرب، حتى يستوعب انه لا يتوجب عليه ان يخاف من ضغوط رئيس امريكي مقبل على الانتخابات بصفته بطلا قوميا. على ذلك، من الأسهل له ان يبدأ بصرعة المفاوضات من دون الوصول فعلا الى تسوية دائمة مع الفلسطينيين. التغير الأساسي الذي يرغب في ادخاله على خريطة الطرق هو «المرحلية»، أي عدم الانتقال للمرحلة التالية من دون استكمال ما قبلها. شارون يطالب اعترافا بحق اسرائيل في الوجود كدولة يهودية، وتنازل عن حق العودة كشرط تمهيدي لنهاية الصراع. وهو يريد ان يكون عرفات مجردا من قوته وان يكون أبو مازن قويا بحيث يقضي على الارهاب بدلا من التوصل الى تسوية مع حماس. وما سيحدد الامر في نظره هو معايير النوايا والجهود المبذولة والنتائج. ليس في تزامن وتوازي وانما مرحلة تلو الاخرى. حكاية طويلة ومسألة تسويف واضاعة للوقت - تماما مثلما يحب شارون ويرغب. رئيس الحكومة أرسل للرئيس الامريكي في منتصف الاسبوع رسالة من خلال صحيفة «هآرتس»: «سأكون ولدا عاقلا». أما المستوطنون، شركاؤه في معسكر اليمين وفي حزبه وحكومته، فسيكتفون بغمزة عين ايضا. عن «هآرتس»