السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 جورج بوش يتصرف كما لو انه يعمل لصالح بن لادن، على حد قول نعوم تشومسكي الذي اجرى معه هذا الحوار مؤخراً حول الحرب ضد العراق وما تجره من ويلات على الشرق الاوسط وما تعكسه من تصورات اميركية للعلاقات الدولية. وفي ما يلي نص الحوار: ـ في نقاشات دارت مؤخراً مع اشخاص يدعمون الحرب ضد العراق، بدا أن الموضوع الاهم هو انهم يشعرون بأن صدام حسين كان يحقد على الولايات المتحدة. هل تعرف عملاً أو تصريحاً ما اطلقه صدام يمكنه دعم وجهة النظر تلك وهل هدد صدام الولايات المتحدة يوماً ما؟ ـ لا أعرف ما الذي كان يدور في رأس صدام ولا حتى ما كان يحقد على الولايات المتحدة. ومهما كان يعني ذلك، فإن فكرة ان ذلك يمكن ان يكون بالنسبة لواشنطن تبريراً للحرب ما هو الا فكرة مجنونة لا تستحق النقاش. فحتى النازيين لم يصل الامر بهم إلى هذا الحد. اما فيما يتعلق بما اذا كان صدام قد شكل تهديداً للولايات المتحدة، فإن الفكرة برمتها تدخل في الافكار المنافية للعقل. ذلك ان صدام حتى عام 1990، عندما كان يرتكب أسوأ جرائمه، كان صديقاً وحليفاً للذين قادوا العرض اليوم في واشنطن. وبعيداً عن رؤيته كتهديد، فإنهم قدموا لهم الوسائل اللازمة لتطوير اسلحة تدمير شامل. لكن حرب الخليج والعقوبات قلصت العراق إلى القوة العسكرية الاكثر ضعفاً في المنطقة، إلى درجة جعلت البلدان التي اجتاحها صدام تتخلى عن اعتباره يشكل تهديداً او تحاول اعادة دمج العراق بالمنطقة طوال سنوات وعلى الرغم من الاعتراضات القوية من جانب الولايات المتحدة التي تمثل البلد الوحيد في العالم الذي يعتبر العراق مصدر تهديد سواء كان ذلك على الصعيد العسكري ام الارهابي، لذلك اريد القول ومن اجل الولايات المتحدة ان الصورة المقدمة من قبل وسائل اعلام الحكومة منذ شهر سبتمبر 2001 قد احدثت تأثيرات كبيرة في المواقف الشعبية. ـ من أين تأتي هذه النزعة الوطنية وهذه الغطرسة (كما يراها الكثيرون من غير الاميركيين) وهذه الفكرة القائلة ان الولايات المتحدة هي ملاك تقريباً لا يمكن ان يرتكب اي سوء؟ ـ إن ذلك يدعو إلى ذهول كبير، فخلال عامين استطاعت ادارة بوش ان تجعل من الولايات المتحدة الامة الاكثر اثارة للمخاوف في العالم والاكثر حقداً أو الاكثر تعرضا للكراهية. وهذا انجاز بالغ الغرابة فمنظرو المؤامرة يستطيعون التوصل الى نتيجة مفادها انهم يعملون في الواقع لصالح ابن لادن. اما فيما يتعلق بالنزعة الوطنية، فإنها مرتبطة بالثقافة منذ زمن، لكنها ليست غير مألوفة، اذ كانت بريطانيا العظمى تمثل الشيء نفسه في أوج ازدهارها، ولايزال الصدى يتردد حيث تشكل التجربة التقليدية حول «التدخل الانساني» لجون سيتورات ميل انموذجاً بارزاً ومثيراً للاهتمام على الوجه الخصوص، لانه كان شخصا يتمتع بذكاء واستقامة غير اعتياديين الى حد كبير. والشيء نفسه صالح بالنسبة لأي قوة غازية اخرى اعرفها وخصوصا القوى الغازية الصغيرة مثل اسرائيل بحيث يصبح من الصعوبة بمكان الاجابة عن السؤال المتعلق، بجذورها، هذه الاجابة التي لا يمكن ردها فقط الى خصائص تاريخية، على الرغم من وجودها بكل تأكيد. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، كان ضروريا العثور على مبرر للقضاء على السكان الاصليين ولجعل الاقتصاد يعمل مروراً بالعبودية (بما في ذلك اقتصاد الشمال في المرحلة الاولى حين كان القطن نفط الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر)، والطريقة الوحيدة لتبرير وضع الحذاء على رأس آخر هي عندما يعتبر المرء نفسه عظيماً بصورة غير اعتيادية والآخرين فظيعين بشكل غير اعتيادي ايضا. وهذا مصدر مهم للعنصرية التي تتمادى حتى اللحظة الراهنة وهي متأصلة بشكل عميق في الثقافة الغربية عموما، الى درجة تذهب فيها الى ما هو أبعد من الوعي وبالكاد يمكن ان تكون مفهومة من قبل أناس متعلمين جيداً عندما يشار اليها. ـ ما هو تقويمك العام لمعالجة المشكلات بالوسائل العسكرية في هذه المرحلة؟ الا تلاحظ ان التغطية هي أكثر انتقاداً من المعتاد؟ ـ لم أشاهد التلفزيون الا بشكل متقطع، بما في ذلك قناة «سي.إن.إن» لكن انطباعي هو انها تسخن الولايات المتحدة. فوسائل الاعلام والتغطية التي تقوم بها معقدة اكثر بقليل على الرغم من انها مازالت تتصرف بشكل مثقل داخل اطار دعاية مسبقة لجيش غازٍ. واذا اردنا دراسة هذه المسألة، فستكون طريقة جيدة مقارنة بما نجده في الخارج، الامر غير الصعب كثيرا الآن مع الوصول الى الانترنت. ـ ما الذي سيحدث مع كوريا الشمالية في ظل احتمال وقوع عمل عسكري؟ ـ على حد علمي، ثمة دافع مباشر كي لا تقوم الولايات المتحدة بمهاجمة كوريا الشمالية: لديها مدفعية كافية لشطب سيئول على وجه السرعة. وأنا أفترض ان استراتيجيي البنتاغون يفكرون بطريقة معاكسة لهذا، فلعلهم يفكرون بأسلحة تصويب موجهة وربما بأسلحة نووية تكتيكية. من يدري؟ انني لا اعرف بكل تأكيد. اما كوريا الجنوبية واليابان والصين وفي الواقع أي شخص سليم العقل، فجميعهم ينتظرون حلا سلميا لهذه المشكلات. وخذ بعين الاعتبار ان حكومة الولايات المتحدة تقوم بتلقين العالم درسا بشعا للغاية، اذا أردتم الا نهاجمكم، فمن الافضل ان يكون لديكم كابح يمكن تصديقه. وهذا يفسر لماذا يقف الجزء الأكبر من التيار الرئيسي في المؤسسة ضد روح المغامرة التي تتمتع بها ادارة بوش، بما في ذلك الحرب ضد العراق. اذ انهم يستطيعون رؤية احتمالية تكاثر اسلحة التدمير الشامل والارهاب وعواقب أخرى وخيمة، رغم ان هذا لا يشكل على الارجح مكبحاً لقوة عظمى منبوذة كما تعتبر الولايات المتحدة في جزء كبير من العالم، ربما الجزء الاكبر. ـ ما هي العواقب التي يتعين على الذين عارضوا الحرب انتظارها؟ ـ لم يكن الاختيار مقتصرا أبدا على الحرب أو العقوبات القاتلة التي قوت الطاغية ودمرت المجتمع. فهناك امكانية اخرى تمثلت بالسماح بأن يعيد المجتمع بناء نفسه كي يتمكن العراقيون من تحديد مصيرهم، وفي حالته، ربما كان صدام حسين سيتبع الطريق نفسه الذي اتبعه طغاة آخرون مدعومون من قبل واشنطن، ان الأعمال الكفيلة بمنع تطوير أسلحة تدمير شامل هي مسألة مختلفة تماماً ويجب التصدي لها في المنطقة بكاملها (انسجاماً مع قرار الأمم المتحدة 678، الذي يشير إليه بوش ـ بلير.. إلخ بشكل انتقائي) وفي العالم عموماً حيث لابد ان نتذكر ان القوى النووية ملتزمة «بنية طيبة» من أجل القضاء على هذه الأسلحة، التي يمكنها تدميرنا جميعاً. ـ ما هي من وجهة نظرك السياسات التي كان يتعين على الولايات المتحدة اتباعها لمساعدة العراقيين بدون اللجوء إلى هذا «التحرير» العنفي والمدمر؟ ـ ربما تعتبر غالبية سكان العالم الولايات المتحدة كتهديد للسلام العالمي، وهذه مسألة خطيرة وذلك ان تهديد قوة عظمى للسلام العالمي هو في واقع الامر تهديد للوجود والبقاء، نعم انهم على حق فالعالم سيكون أفضل بكثير (على سبيل المثال ستكون هناك فرصاً أكثر لبقاء الأجناس) لو تم القضاء على النظام الحالي، أو مؤسسات المجتمع،. هل تشك إذن بأنه كان يتعين علينا جميعاً الانضمام إلى القاعدة أو محاولة تحقيق الهدف ذاته؟ هناك كمية كبيرة من الأنظمة الفظيعة في العالم، لنأخذ واحداً منها يمثل أطول احتلال عسكري في العالم: «اسرائيل» هناك شكوك قليلة بأن حال أولئك الذين يرزحون تحت نير الاحتلال العسكري سيكون أفضل بكثير لو أن الاحتلال انتهى.. وهل تستنتج من ذلك انه يجب علينا مهاجمة «اسرائيل»؟ انه من السهولة بمكان الاستمرار على هذا النحو، ولربما يمكن لتلك الأسلحة ان توجه من قبل أولئك الذين يعتبرون أنفسهم «إلهاً» مع حق بتحديد كيفية استخدام العنف من أجل «التخلص من الشر» كما في حكايات الجنيات أو في العصور القديمة، ترى هل نحن ممجدون إلى هذا الحد حتى نملك حق اتخاذ مثل تلك القرارات؟ جميعنا يعرف ان العراقيين سيكونون بحال أفضل بدون صدام حسين، لكن جميع الطغاة هزموا من الداخل، فجميع الاسباب موجودة للاعتقاد بأن صدام كان سيتبع المصير ذاته لو لم تلح الولايات المتحدة في تخريب المجتمع المدني معززة بذلك موقف الطاغية ودافعة الناس للوثوق به من أجل البقاء على قيد الحياة، الأمر الذي يمثل النتيجة الأولى لعقوبات الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى، كما تمت الاشارة طوال سنوات من قبل غربيين يعرفون العراق بشكل أفضل وإداريي برامج الأمم المتحدة مثل دنيس هاليداي وهانس سبونيك وآخرين. فلو توفر بعض الاهتمام بترك العراقيين يحددون مصيرهم بأيديهم لأشارت هذه الاعتبارات إلى الطريق، لكنه لم يتوفر، من هنا جاء النداء بأن على الجلادين استخدام العنف لـ «تحريرهم» حقاً لو أن مريخياً نظر إلى هذا العالم لوقف مدهوشاً ولعجز عن وصفه بصوت خفيف، ففي فترة انتفاضة عام 1991، كان من الممكن فعل أشياء كثيرة لو كان هناك اهتمام بالسماح للعراقيين بأن يديروا شئونهم، إذا كان ممكناً على سبيل المثال عدم السماح لصدام باستخدام الطائرات الحربية لسحق الانتفاضة أو عدم انكار على المنتفضين المدخل للقبض على أجهزة عسكرية عراقية، المفتشون من جانبهم ظلوا في البلاد بشكل ثابت حتى عام 1998. وإذا راجعنا التفاصيل فسنجد ان أعمال الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى قد ساهمت بشكل فعلي بانسحابهم وأن أوضاع حقوق الانسان لم تتحسن لكن حصلت عمليات مكثفة لنزع الأسلحة إلى درجة جعلت من العراق أحد أضعف الدول في المنطقة. ترجمة: باسل أبو حمدة عن «ريبليون» ـ اسبانيا