السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 هل استمرار الهيمنة الأميركية أمر مضمون ومؤكد؟ وهل حقا، أميركا ذات الـ 240 مليون نسمة، وهي نسبة لا تتعدى 4% من عدد سكان البشرية ستحكم العالم إلى الأبد؟المؤلف، بيير بيرنيس، يؤكد أنه لا يوجد أي سبب للتفكير بهذه الطريقة. فالصين عاكفة على استعادة قوتها وأوروبا عازمة على أن تسترد مكانتها وموقعها، وهناك روسيا التي ستبعث من جديد، واليابان الآخذة بالتحرر، والهند التي تستيقظ في كل مكان، هكذا نجد أن رغبة المقاومة للهيمنة الأميركية مؤكدة وملموسة، وبالامكان التأكيد بأن هذه المقاومة ستنتصر.ومؤلف هذا الكتاب الذي تنشره «البيان» بالتعاون مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر، هو مسئول الشئون الخارجية للبرلمان الفرنسي، عمل خلال ما يقارب 25 عاماً مراسلاً لصحيفة «اللوموند» في أفريقيا، وقد نشر كتابين هما «أفريقيا للأفريقيين»، و «الفرنسيون في أفريقيا السوداء» . في صبيحة اليوم الرابع والعشرين من فبراير من عام 1989 وتحت أمطار غزيرة شديدة البرودة شيّعت طوكيو جنازة الامبراطور شووا، وهذا هو لقبه الجنائزي، حيث كان في حياته معروفاً باسم هيروهيتو ،الذي فارق الحياة في اليوم السابع من يناير بعد اثنتين وستين عاماً من الحكم، وفي حديقة سيمجوكو التي أقيم فيها القداس الجنائزي «شينتو» وفقاً لطقوس عريقة نقل الجثمان الامبراطوري على هودج ضخم يحمله نحو خمسين من رجال حرس القصر بزيّهم التقليدي ترافقهم أصوات المزامير الحزينة وقد قطّعتها أصوات الطبول المخنوقة. وقد دوت بعد ذلك الأنغام الخفيضة المنبعثة من أعماق الزمن عبر «نشيد الحزن الكبير» الذي لم يتردّد منذ جنازة والد الامبراطور المتوفى عام 1925. وقد كان العالم أجمع ممثلاً في هذه الجنازة المهيبة: فرنسا برئيسها فرانسوا ميتران الذي يعتبر من أكبر هواة الجنائز والمقابر حيث كانت جنازة الامبراطور المتميزة بطقوسها الآتية من عصور غابرة حدثاً «دارجاً» في نظر ميتران الذي استمتع بهذه الطقوس كرجل خبير أيما استمتاع. فقد واكب عهد هيروهيتو الطويل تاريخ اليابان المعاصر العظيم الحافل بالمفارقات، حيث جسّد كل العصور المهمة والتحولات العميقة التي ميزت هذا التاريخ من ملك أشبه بالاله الى ملك دستوري، ومن قائد عسكري معتد بنفسه يمتطي بالزي العسكري جواداً أبيض الى ممثل حليم طيب القلب لليابان الصناعية الحامل للبدلة وربطة العنق. ومن حليف لهتلر الى حليف للأميركيين. من ميجي الى هيروشيما ولد هيروهيتو عام 1901. كان حفيداً للامبراطور ميجي العظيم مؤسس اليابان الحديثة، اليابان التي لم يكن عمرها يجاوز الثلاثين والتي كانت لا تزال تعيش على الأعراف والتقاليد الاقطاعية ولا سيما فيما يرتبط بمقام وحياة الامبراطور أو «التنو» (أي إله السماء). فقد تلقى تربية قاسية كابن أي ساموراي، ولكنه كان يعامل في الوقت ذاته ككائن مقدس خاضع في كل ساعة من ساعات وجوده لبروتوكول محدّد وصارم كان يفصله عن أتباعه الذين كان حضوره المهيب يصيبهم «بالذهول والارتعاش». تلك كانت الأصول في ذلك العهد. منذ رجوع سلالة ميجي الملكية الى العرش صارت المملكة اليابانية التي لم يكن لها من دور على مدى قرون من الزمن سوى دورها كمرجع لكل الذين كانوا يمارسون حقيقة الحكم، رمزاً لقدسية الدولة العصرية وللقومية اليابانية، وبوجه عام يعتبر المؤرخون عام 1869 عاماً لانطلاق هذا التحول العميق الذي صار سريعاً جداً فيما بعد. ففي خلال سنوات قليلة امتدت حركة التغيير والتحديث الى كل قطاعات الحياة الوطنية في اليابان كبناء المؤسسات (حيث قسمت البلاد الى محافظات عام 1871 ، أنشئ مجلس للشيوخ عام 1875 ومجلس تشريعي عام 1890، ومجالس بلدية عام 1880، كما اعتمد دستور للبلاد وفقاً للنموذج الروسي عام 1889) وتم انشاء شبكة للاتصالات (حيث أسس أول خط تلغرافي عام 1869، وأنشئ أول نظام بريدي حديث عام 1871، كما دخل أول خط لسكة الحديد الخدمة عام 1872) وبناء الاقتصاد (اصدار عملة وطنية «الين» عام 1871، وبورصة طوكيو عام 1878)، وانشاء قطاع التربية (حيث فرض التعليم الاجباري عام 1871 وأسّست جامعة طوكيو عام 1877)، وتنظيم الحياة الاجتماعية (اعتماد التقويم الغريغوري بالنسبة للأحداث الدولية ونظام جديد للأوزان والقياسات عام 1873، وانشاء طبقة جديدة للنبلاء تضمنت مراتب الأمير والكونت والفيكونت والبارون عام 1884، وانشاء الرياضات البدنية الى جانب بعث الفنون العسكرية القديمة عام 1884، بالاضافة الى رفع الحظر عن استهلاك اللحوم بعد ان أكل الامبراطور نفسه لحم البقر بالشحم والجزر عام 1871، وظهور الشغف بالموسيقى الكلاسيكية الأوروبية ولرقصة الفالس، واعتماد الطرق الغربية في الملبس والأناقة). لقد حدث كل ذلك على نحو سريع ومذهل. أما الصناعة فلقد وثبت وثبة هائلة وتطور الجيش براً وبحراً تطوراً رائعاً حتى أصبح يضاهي أكثر جيوش البلدان الغربية تجهيزاً وتنظيماً.غير ان هذا التحديث الذي سار بخطى جد سريعة سرعان ما أدى الى سياسة خارجية عدوانية وفقاً للنموذج الاستعماري والأمبريالي الأوروبي، تجاه أولاً الصين وكوريا المجاورتين. كانت اليابان قد احتكت بهذه الأخيرة في بدايات القرون الأولى من التاريخ، فقد أرسلت اليها عام 1891 حملة عسكرية بحجة مساعدة ملكها على قمع حركة العصيان التي حركها الصينيون وبعد ان أخضعتها للحماية عام 1904 قامت في النهاية بضمها عام 1910 . وفي العام 1895 أعلنت الحرب على الصين وهي في أوج انحطاطها واستولت على ميناء بورت آرثر (الذي كان مطمعاً للروس أيضاً حتى يمدوا اليه طريقهم العابر لسيبيريا) واستعادت فرموزا والبسكادورز بموجب معاهدة شيمونوزيكي. ولم يجد الروس الذين أثارت سياسة التوسع الياباني هذه مخاوفهم بدًّا من التقهقر أمام التقدم الياباني. فقد انهزموا عام 1904 في بورت آرثر الذين كانوا قد استولوا عليه بدورهم قبل ذلك ببضع سنوات) وفي موقدن بمنشوريا. وفي العام الموالي في 27 مايو عام 1905 دمر الأميرال توغو في مضيق تسوشيما أسطولهم المرابط في البلطيق الذي دار بافريقيا حتى يصل الى هناك. وقد اضطروا بموجب معاهدة بورتسموث الى التنازل للمنتصرين عليهم عن لياتونغ الصينية وجنوب ساخالين. وأخيراً في العام 1919 وفي عهد يوشيهويتو (الذي خلف والده الامبراطور ميجي عام 1912 فاتحاً بذلك عهد تايشو الذي انتهى عام 1925) حصلت اليابان على الممتلكات الألمانية في المحيط الهادي (الكارولين، الماريان والمارشال) بالاضافة الى وكالة كياوتشيوو التجارية تعويضاً عن مشاركتها في الحرب العالمية الأولى الى جانب الفرنسيين والانجليز. وفي العالم 1920 انضمت الى عصبة الأمم من دون اعتناقها للمبادئ السلمية. وعلى أثر ذلك بدأ في العام 1926 عهد هيروهيتو. وقد كان الامبراطور الجديد الذي تلقى تربيته في بيئة مغلقة انطوائي الطبع، هادئ الأعصاب، حتى في أحلك الأوقات. وأرعن في علاقاته الانسانية. وقد تعوّد ألا يفعل الاّ ما يوحى به اليه، وقد تلقى من معلميه ولا سيما من مهذّبه الجنرال المتقاعد نوغي المنتصر في بورت آرثر، تعليماً مفعماً بالقيم الوطنية والعسكرية، وقد مارس ما بين 1922 و 1926 ـ بعد رحلة الى أوروبا (ولا سيما الى باريس التي تجرأ فيها على ركوب مترو الأنفاق) كانت هروبه الوحيد من عالمه المغلق ـ الوصاية على العرش بعد ان أبعد أبوه الذي أصيب بخلل عقلي خطير. وقد نودي به ملكاً وحارساً لكنوز العرش الثلاثة ـ الجوهرة والمرآة والسيف ـ فور وفاة هذا الأخير في 25 ديسمبر عام 1925، لكن احتفالات التتويج لم تتم الا عام 1928 في كيوتو العاصمة القديمة في أبهة واحترام أعرق العادات الملكية مثل «الوجبة الالهية» التي يتناولها الامبراطور الجديد في كوخ من اللحاء (قشرة الأشجار) لا يرافقه فيها سوى ضيف واحد غير مرئي، جدّه الأول ممثلاً في الهة الشمس أماتيراسو، ومنذ تسلمه مقاليد العرش ظل هيروهيتو ينتهج دون أي تبصّر سياسة الغزوات المباغتة العنيفة التي كانت سارية تحت قيادة سلفه. وفي العام 1930 انطلقت اليابان انطلاقاً من ممتلكاتها الكورية في غزو كافة أقاليم منشوريا. وفي العام 1932 أقامت على هذه المقاطعة الصينية دولة مسخ ونصبت على رأسها عام 1934 آخر سليل من العائلة الملكية المخلوعة، الامبراطور بويي وهو لا يزال طفلاً. وبعد ذلك وبعد ان أدانتها عصبة الأمم التي انسحبت منها عام 1933 واصلت قواتها الزحف حتى منغوليا الداخلية، وابتداءً من تلك اللحظة أصبحت كل الصين مستهدفة حيث غزت تلك القوات مقاطعاتها في لياونيتغ شمال بكين، وفي هابي جنوباً، بينما سقطت من الشمال الى الجنوب شنغهاي وننكين عام 1937، وهنكيو وكنتون عام 1938 وجزيرة هينن عام 1939 وبذلك وقع كل الساحل الصيني تحت الاحتلال. وقد كان اليابانيون عند كل عملية عسكرية جديدة ينفذون الاعدام في عشرات الآلاف من الصينيين بل ومئات الآلاف أحياناً. ولم يستطع احتواء التدفق الياباني في شمال منشوريا سوى الروس الذين كان المارشال جوكوف على رأس قواتهم. لكن ساعة الجنون النهائي كانت وشيكة. ففي السابع من شهر ديسمبر من عام 1941 قامت القوات الجوية اليابانية ودون اعلان سابق للحرب بمباغتة الأسطول الأميركي وتدميره في المحيط الهادي في ميناء بيرل هاربور بجزر هاواي. أما بقية تلك الأحداث فهي معروفة وسنكتفي بتلخيصها. أبناء مكارثر قفزت اليابان أولاً من انتصار الى انتصار. وكانت من قبل قد قامت بمغامرتها في الهند الصينية الفرنسية في سبتمبر عام 1940 في الوقت الذي دخلت فيه في تحالف ثلاثي مع ألمانيا وايطاليا حيث كانت من ناحية أخرى تتهيأ لابرام معاهدة حياد مع الاتحاد السوفييتي قبل دخوله الحرب ضد هتلر. وبعد ان افتكت هونغ كونغ من يد الانجليز أنزلت اليابان قواتها في ماليزيا وتايلاند، وثم قامت هذه القوات بعد ذلك وخلال الأشهر الأولى في عام 1943 بالاستيلاء على مانيلا وسنغافورة والفلبين وجافا وأخيراً على برمانيا في ديسمبر من العام نفسه. وبذلك أصبحت اليابان تكاد تسيطر على كامل جنوب شرق آسيا وفي نفس الوقت على العديد من أرخبيلات المحيط الهادي. وفي كل مكان كانت المجازر تلو المجازر وكانت الأقليات الصينية هي المستهدف الأول فيها. ثم جاء زمن الجزر، فقد تلقت اليابان أول ضربة عنيفة على يد القوات الجوية الأميركية في يونيو عام 1942 في أرخبيل ميدواي بجنوب غرب هاواي. وفي ديسمبر نزلت قوات المارينز في غود لكنال بجزر السالومون ـ وبعد مرور عامين كان الأميركيون وحلفاؤهم ولا سيما البريطانيون قد استعادوا من اليابانيين كل فتوحاتهم. وفي ربيع عام 1945 كان الأميركيون قد ضيقوا الخناق على اليابان بينما كان الروس يتهيأون للدخول بدورهم في الحرب في منشوريا شمالاً. وفي بداية مارس كانت طوكيو قد تعرضت لأول مرة لهجوم مئات عديدة من الطائرات المحملة بالقنابل المحرقة،. وفي يونيو كانت أوكيناوا أكبر جزر أرخبيل يوكيو قد سقطت. ثم في الثامن آب أغسطس كانت القنبلة الذرية الأولى قد ألقيت على هيروشيما وتلتها بعد ثلاثة أيام القنبلة الثانية على ناغازاكي. وفي الخامس عشر من أغسطس أظهر هيروهيتو لأول مرة سلطته متحدياً ارادة المتطرفين الضواري المحيطين به حيث أعلن بنفسه في رسالة عبر الاذاعة عن استسلام اليابان. وفي الثاني من سبتمبر استقبلت هذه الرسالة رسمياً من قبل الجنرال دوغلاس مارك آرثر من على الباخرة الطرادة «ميسوري» بميناء طوكيو.لقد لقي أكثر من ثلاثة ملايين ياباني حتفهم في هذه المغامرة وهو يصرخون لآخر مرة: (تنو يانازاي) «يحيا الامبراطور!». وقد انتحر أكثر من سبعة وعشرين ألفاً آخرين خلال الشهور الموالية من فرط مشاعر الاذلال والحزن والغضب. وكان يوجد من بين هؤلاء بعض من أهم مسئولي الحرب كالجنرال تاناكا والمارشال شوجيياما والجنرال هنغو والأمير كونويني الذين أفلتوا بهذه الكيفية من محكمة جرائم الحرب التي أنشئت بعد ذلك بقليل والتي كانت ستحكم بالاعدام وترسل الى المشنقة أعضاء الديوان الذين قرروا الهجوم على بيرل هاربور وبعض القادة العسكريين الكبار. وقد عفا الجنرال دوغلاس مكارثر عن هيروهيتو حرصاً منه على تأمين الحد الأدنى من الشرعية التاريخية ومن الاستقرار للمؤسسات الديمقراطية التي كان الامبراطور المهزوم ينوي تثبيتها، لكن القائد العام الأميركي اشترط من «التنو» (الآمبراطور) ان يزوره مشياً على الأقدام في مقرّ أركان الحرب المقام قبالة القصر. وقد استقبله ذات صباح في ذلك المقر ومن دون ان يدعوه للجلوس راح يملي عليه بلهجة آمرة قاسية بعض الشروط. وفي أمسية ذلك اليوم أذاع الامبراطور بياناً أعلن فيه لشعبه انه لم يعد الهاً وبأنه لم يكن يوماً الهاً قط. وهكذا نزل هيروهيتو من عليائه وسرعان ما قلصه الدستور الجديد الذي اعتمد عام 1945الى رمز متواضع للدولة والشعب. وبذلك بدأ هيروهيتو حياة ثانية. وقد ظل على مدى أربعين عاماً يمارس مع أسرته حياة هادئة ومتواضعة كامبراطور دستوري لا يملك من السلطات سوى التمثيل، مسافراً الى الخارج من حين لآخر ـ فقد أعاد عام 1971 رحلة شبابه الى أوروبا ـ ومقرّباً من أتباعه الذين كان يزورهم في مواقع عملهم من حين لآخر برفقة الامبراطورة أحياناً، وممارساً الأبحاث في البيولوجيا البحرية، ومستمراً في احتشام ممارسة الطقوس القديمة، فيزرع بنفسه في مرزعة حظيرته الأرز المخصص للآلهة، ويرتدي عند حلول كل عام جديد. ثو ب أكبر كهنة الشينتو تكريماً لأرواح أجداده، وأكثر من ذلك واحياءً لتقليد كان قد ألغي منذ 1945 قام في 1974 بزيارة معبد ايزا Ise لكي يتحادث مع الآلهة أما تيرازو في مشكلات الامبراطورية. في تلك الأثناء كانت اليابان تنبعث من رمادها مثل العنقاء. حدود النجاح بعد مرور خمسة عشر عاماً كانت اليابان قد أصبحت ثاني قوة اقتصادية في العالم، وعلى الرغم مما شهده نموها من تباطئ ملموس منذ بداية هذا العقد فلايزال هذا النمو الى اليوم كما كان عليه منتوج داخلي خام بلغ عام 1977 أكثر من 5000 مليار دولار مقابل حوالي 7500 مليار دولار في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من هزيمتها الرهيبة فلم يعرض اقتصادها للدمار الكامل. فلم تنطلق اليابان في اعادة بناء مدنها وبنياتها التحتية التي تعرضت للقصف وفي تكييف اقتصاد الحرب الى اقتصاد السلم ومن الصفر. وفضلاً عن ذلك فقد استطاعت اليابان التي حجر عليها اعادة التسلح حجراً كلياً ان تكرس أهم مواردها لمهام اعادة ترتيب جهاز انتاجها ولتنميته. وعلى الرغم من ضحاياها العديدين فلم تتأثّر طاقاتها البشرية تأثراً بالغاً حيث كانت تتمتع بعدد وافر من السكان (75 مليون نسمة عام 1945 و100 مليون عام 1970 و 125 مليوناً اليوم) يتمتعون بمستوى تعليمي عال وبالانضباط وبحب التوفير والادخار وبقدرة عالية على الخلق والابداع، يضاف الى ذلك ان بعض الاصلاحات البنيوية ولا سيما الاصلاح الزراعي (تقسيم الممتلكات الكبرى) والمناخ الاجتماعي الجيد بفضل نظام ذي أداء متطور في مجال علاقات العمل في المؤسسات الكبرى (كالتشغيل لمدى الحياة والأجر المرتبط بالأقدمية ونقابات المنزل) والاستقرار السياسي الكبير قد شكلت جميعها أوراقاً رابحة قوية جديدة.وعلى مدى أكثر من أربعين عاماً ظل متوسط معدل النمو للاقتصاد الياباني يدور حول 7% بل وقد وصل الى 10% في الستينيات. وقد نما الانتاج الصناعي ما بين عامي 1965 و 1975 بـ 175%. وقد غزت المنتجات اليابانية ـ التي أصبحت منذ زمن طويل لا تشبه في شيء المنتجات الرديئة لما قبل الحرب ـ العالم : السيارات، أجهزة التصوير (الكاميرات)، والراديو والتلفزيون، والأجهزة ذات التكنولوجيا العالية (الراغيت الالكترونية، البلورات السائلة، الآليات الكربونية الخاصة بالطيران). فقد صارت أسماء أهم ماركاتها وشركات انتاجها أو توزيعها الكبرى (هوندا، تويوتا، فوجي، نيكون، سوني، مازدا، نيسان، متسوي، متسوبيشي، كانون، ياماها) معروفة عالمياً. ومع هذه السلع دخلت الثقافة اليابانية أيضاً العديد من الدول: الفنون القتالية، الآداب، السينما، طريقة التأثيث، والملبس وتغيير اطار الحياة والتسلية . الجيدو، الاكيبانا والكاراوكي والننتندو والتاماغوتشي.لكن منذ عقد من الزمن صارت اليابان في أزمة وصار اليابانيون قلقين على مستقبلهم.في العام 1992 انخفض معدل نمو المنتوج الداخلي الخام فجأة من 5,5% قبل سنة الى 1% ومنذ ذلك الوقت استمر على ذلك المستوى المتدني. وفي ذات العام 1992 انخفض الانتاج الصناعي بـ 2,6% وانخفضت فوائد الشركات المسعرة في البورصة بـ 15%. وعلى الرغم من مخططات الانعاش العديدة (الاستثمارات العمومية، المساعدات الضريبية، وغيرها المقدمة للاستثمارات الخاصة) التي بلغت تكلفتها الاجمالية أكثر من 500 مليار دولار في نهاية 1997 فلم تحقق اليابان الازدهار الاقتصادي من جديد. وعلى خلاف ما حدث على اثر الصدمة البترولية لعامي 1973 و 1979 فلا يزال الركود الحالي يقاوم العلاجات المعروفة لأن الركود في هذه المرة ركود ذاتي المنشأ متمثل في انفجار «فقعة» مالية هائلة. وقد نتج ذلك عن المضاربة الجامحة للسنوات السابقة والتي تستمد أصولها من خلل وظيفي في المجتمع الياباني نفسه وفي أزمة أخلاقية يشهد عليهما سلسلة لامتناهية من الفضائح المالية التي تمس بوجه عام أعلى مستويات الحياة العمومية والتي يتورط فيها في أغلب الأحيان أعضاء في الحكومة أرغموا على الاستقالة لتقبلهم الرشاوي من أمثال الوزير الأول كاكوي تاناكا (قضية لوكهيد) عام 1985، وتوبورو توكيشيتو (قضية روكرويت كوسموس) عام 1989. ولتقويم هذه الوضعية يظل هامش تحرك القادة السياسيين جد محدود. فالكل يقيّد الكل ولا أحد يبذل الكثير من الحماس والاندماج للانطلاق في اصلاح عميق للنظام الذي أتاح مثل هذه الانحرافات: القيادة العمومية للنشاطات الاقتصادية التي تفضي الى صدامات على كافة المستويات ما بين الادارة وأوساط الأعمال من ناحية والتواطؤ المنهجي ما بين المؤسسات التي تشمل لعبة المنافسة الحرة من ناحية أخرى. وتجد النقابات نفسها الراضية «بالتسيير الأبوي» لعلاقات العمل منفعة لنفسها في هذه الأوضاع (فعلى الرغم من زيادة ما يقرب من نقطتين خلال هذه السنوات فلا تزال نسبة البطالة في حدود 5,3% ويصل متوسط الدخل الفردي الى حوالي 25000 دولار أي أقل قليلاً من متوسط ذلك الدخل في الولايات المتحدة الذي يصل الى 29000 دولار). لذلك لا تتمنى هذه النقابات أكثر مما تتمناه اللوبيات (الجماعات الضاغطة) السياسية المالية التي تدور حول الوزارات ولا سيما حول وزارة الصناعة والتجارة الخارجية المعروفة باسم «ميتي». وتتميز الشركات الكبرى بالتقاء مصالحها وتكاملها لتشكل التجمعات العملاقة، والكيريتسوس التي تحول دون بروز الشركات الناشئة. وتفضي المعاملات التي تجري في الكواليس ما بين مؤسسات البناء والأشغال العمومية الى اقتسام الصفقات المكلفة للدولة وللجماعات المحلية. وتتورط البنوك في هذه المناورات المشبوهة تورطاً كاملاً فيما يجعلها تفقد سمعتها الدولية. غير ان هذا الوضع لم يمنع هذا النظام المنحرف من ان يسير بانتظام طالما ان تكلفة الأراضي وأسعار قيم البورصة في ارتفاع مستمر. وتسعى المؤسسات الى التنسيق فيما بينها من أجل رفع الأسعار، وتستخدم أصولها المبالغ في تقديرها لتحقيق مكتسبات وفيرة جديدة ثم اقتسام المغنم بعد ذلك. ومع انتهاء مرحلة النمو القوي والهبوط في قيم بورصة العقارات تدهورت أسعار الأصول ولم تفد العلاقات المتميزة في أي شيء. ولا سبيل أمام البنوك والمؤسسات التي تشهد انخفاضاً ملحوظاً في فوائدها سوى التخلص من ديونها المشبوهة وبيع أكبر قدر من الأسهم، لكنه ليس من السهل عليها الحصول على مساهمين جدد، ناهيك عن ان العاصفة التي ضربت خلال صيف وخريف عام 1997 بورصات جنوب شرق آسيا والتي تعرضت الشركات اليابانية فيها لخسائر فادحة لم تزد الوضع الاّ سوءاً. واليوم ونتيجة لهذا الركود المتفاقم، وما ترتب عنه من انحرافات ارتفع عجز الميزانيات العامة والدين المتراكم على الدولة وعلى الجماعات المحلية الى 7% للأولى و90% للثانية من المنتوج الداخلي الخام. وبذلك صارت اليابان أبعد ما يكون عن معايير ماستريخت. وما ان جدّد تعيينه وزيراً أولاً بعد انتخابات أكتوبر التشريعية حتى أعلن ريوتاردو هاشيموتو الذي يقود الحكومة منذ يناير عام 1996 على رأس تحالف من القوى المحافظة التي ظلت تمسك بزمام الحكم بلا انقطاع منذ نهاية الحرب، قلت لقد أعلن هذا الوزير باسم الحزب الليبيرالي الديمقراطي الممثل لهذا التحالف في حمية وحماس عن عزمه واصراره على رفع التحدي وعلى مجابهة كافة الصعوبات. فبعد ان عجزت مخططات الانعاش الاقتصادي التي شرع في تنفيذها منذ العام 1992 عن تحقيق النتائج المتوقعة، قرّر ادخال البلاد في سياسة جديدة تقوم على التقليص الجذري للعجز العمومي، مستوحياً هذه السياسة من تلك التي انتهجها الأميركيون والانجليز منذ حوالي خمسة عشر عاماً، بل وقد ذهب الوزير الأول في هذا الشأن الى حد الحديث عن «بينغ بانغ» حقيقي (أي الانفجار الأعظم) مبشراً بميلاد يابان جديدة، أو ميجي جديدة. وتحقيقاً لذلك شرع في وضع مخطط واسع لاعادة الهيكلة شمل معظم قطاعات الاقتصاد وسوق العمل مع التركيز على المنافسة الأجنبية القويّة. لكن ما ان أعلنت الحكومة عن هذه الاصلاحات الجذرية حتى أثارت مسألة اعادة هيكلة وتنظيم القطاعات المالية والخصخصة الأساسية ولا سيما خصخصة المصالح البريدية التي شملها مخطط الاصلاحات، مناقشات حادة في صفوف الأغلبية نفسها، وليس من المؤكد على الاطلاق ان كان هاشيموتو الذي لم يتخلص من تصارع المصالح والنفوذ الذي يحرك الحزب الليبرالي الديمقراطي سيصل الى أهدافه وتحديداً الى انعاش النمو الاقتصادي في المستقبل المنظور انعاشاً حقيقياً. فبالنسبة لبلد يظل رغم مصاعبه الحالية، القوة الاقتصادية الثانية في العالم، تظل ضرورة اعادة اصلاح نفسه من جديد اصلاحاً عميقاً وجذرياً، أمراً غير بديهي في الوقت الحالي. فعندما كان تقويم اليابان ثم السباق نحو الرخاء والازدهار هما الشعاران الرسميان لليابان قبل الحرب ـ ولا سيما وأن أغلبية مواطنيها كانوا أكثر المنتفعين من ذلك الرخاء والازدهار ـ كانت الرهانات محدّدة واضحة ولذلك كان الاستمرار فيها يلقى المزيد من القبول والالتحام. لكن شتان ما بين الأمس واليوم، حيث لم يعد الوضع الآن كما كان عليه قبل بضع سنوات. فمعظم اليابانيين لم تعد تعترضهم اليوم مشاكل اجتماعية خطيرة، ولكنهم صاروا في ذات الوقت يتألمون أكثر فأكثر في داخل مجتمعهم الاستهلاكي المتأثر الى حد كبير بالنموذج الأميركي، ويعانون من حالة الاكتئاب الوجودي العميق ومن انعدام المعالم الحياتية ـ يشهد على ذلك بوضوح كتابهم وسينمائيوهم. خيبة أمل عميقة لقد ظل اليابانيون على مدى نصف قرن يعملون ويكدون بلا كلل ايماناً منهم بأن الثراء الاقتصادي سيجلب اليهم السعادة الروحية، لكن الأيام خيبت آمالهم. ولذلك ما ان أصيب نظامهم الاقتصادي بالعطل حتى صاروا أكثر فأكثر رغبة في التوقف عن السباق ولا سيما في أوساط الجيل الجديد منهم الذي أرهقت البرامج التعليمية المجنونة عقولهم، حتى صاروا جميعاً على استعداد لتقبل أدنى معدلات النمو مقابل حصولهم على حياة أفضل وأسعد. يضاف الى ذلك ان تقدم الشعب الياباني في السن يزيد تلك الظواهر خطراً وسوءاً. هناك اليوم أكثر من 20% من اليابانيين تزيد أعمارهم عن الخمسة والستين سنة مقابل 10% فقط قبل عشر سنوات، وهو تطور أعنف بكثير من مثيله في باقي الدول المتطورة ناهيك عن انه تطور مستمر وتتظافر آثاره مع آثار التفكك السريع للأسرة التقليدية التي ظلت قيمها تقاوم التأثيرات الخارجية أكثر من غيرها في أي مكان آخر. ثم ان تأخر سن الزواج ونمو العزوبية والعلاقة الحرة ما بين الرجل والمرأة والأسرة الأحادية الأبوين، وانخفاض معدل الولادات، وارتفاع معدلات الحياة وازدياد تقبل منح التقاعد على مداخيل النشيطين (أي العمال) المترتب عن ذلك؛ والذي بات يرهق ميزانية الدولة، كل ذلك يفضي الى وضع من سوء التفاهم ما بين الأجيال ويهدّد بانحطاط خطير في التماسك الاجتماعي الذي كان حتى هذه اللحظة واحداً من مقومات اليابان الكبرى. لكل هذه الأسباب صار كتاب اليابان وصحافيوها أكثر فأكثر تعبيراً عن يأسهم وتشاؤمهم. «بينما كانت اليابان قبل حين لا تكاد تعرف المستحيل ها هي اليوم تفقد بغتة ثقتها بنفسها. فأزمة هويتها أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية في ذات الوقت. ولم يعد الأرخبيل يعرف أي مكان يحتله من العالم» هذا ما كتبته باختصار في حزيران 1995 االصحيفة اليومية الكبرى «أساهي شمبون» المعروفة بقساوتها ازاء نخبها. «تذكرنا يابان اليوم بانجلترا العهد الفكتوري قبل قرن من الزمن» وهذا أيضاً ما كتبه من ناحيته في مارس 1997 صحافي في جريدة «نيهون كيزاي شمبون» الناطقة باسم أوساط الأعمال في سلسلة من المقالات المتشائمة تحت عنوان «اليابان تختفي». فقد علّق هذا الصحافي على ذلك قائلاً: «بعد ان أصبحت مصنع العالم بفضل الثورة الصناعية تأخرت انجلترا المنخدعة برخائها في تغيير بنيانها» قبل ان يضيف: «بعد ثلاثين عاماً تأخر هذا البلد في قطاع صناعة الحديد والصلب عن الولايات المتحدة وألمانيا اللتين دخلتا السباق متأخرتين، وقد عرف تقهقراً مباغتاً وقاسياً. واليوم وقد أصبحت اليابان بدورها «مصنع العالم» ها هي معرضة للتأخر في سباق «مزايدة الاصلاحات» لمنافسيها ولأن تنتهي أي عزلة كاملة حتى دون ان يتسنى لها الوقت لفرض هيمنتها مثلما فرضتها انجلترا فيما مضى، ان شعوراً بالعزلة بات يخنق المواطنين اليابانيين. ففي مقبرة ياناكائي الكبيرة بقلب طوكيو كتبت على لوحات من البلاستيك مثبتة الى حوالي ثلاثين ضريحاً العبارات التالية: «على الذين يأتون للترحم على هذا القبر المهجور ان يتفضلوا بالتعريف بأنفسهم». لكن هذا الميل الى جلد الذات المميز للتشاؤم العام السائد في هذه الأيام في طوكيو ميل فيه الكثير من الافراط. صحيح ان اليابان قد فقدت خلال السنوات الأخيرة الكثير من مميزاتها التي تفوقت بها على أروبا وعلى الولايات المتحدة، لكن القول بأن اليابان آيلة الى الاختفاء أمر فيه الكثير من الشطط، فلا شيء يمنع من التفكير بأن هذا البلد الذي عرف في الماضي كيف يثب وثبات رائعة في مناسبات عديدة غير عاجز على ان يثب وثبة قوية من جديد، وكل المراقبين الذين يعرفونه جيداً يراهنون على ذلك. فخلال السنوات الخمس الأولى للأزمة من 1991 الى 1996 ارتفعت الصادرات اليابانية بأكثر من 30% لتنتقل من 315 ملياراً الى 411 مليار دولار بينما انشئ أربعة ملايين منصب شغل جديد. وفضلاً عن ذلك فلا تزال طاقة اليابان الابداعية على ما كانت عليه رائعة متميزة ـ وهو ما يشهد عليه مثلاً كون انه في العام 1996 من بين العشرة الأوائل الذين أودعوا براءات اختراع في الولايات المتحدة ثمانية منهم كانوا يابانيين، ولا يفصل ما بين «كانون» و«آي.بي.ام» الرائدين في العالم سوى 329 في عدد براءات الاختراع المودعة : 1538 لـ «كانون» مقابل 1867 لـ «آي.بي.ام». فنحن في النهاية اذن أمام مريض لا يشكو الا من وعكة خفيفة.