الخميس 15 صفر 1424 هـ الموافق 17 ابريل 2003 ترحب المنظمات القائمة بالحفاظ على الطبيعة عادة بالتبرعات التي يقدمها الاشخاص والمؤسسات بهدف دعم الجهود الرامية إلى حماية الأنواع الأحيائية من الانقراض. ومن أجل ذلك، ابتدعت وسيلة تجعل المستثمرين يقبلون على مشروعات تتعلق بالحفاظ على الطبيعة ويمكنها أن تحقق لهم ربحاً استثماريا جيدا. وتعمل منظمات الحفاظ على البيئة من منطلق المبدأ القائل إذا اعطيت رجلا سمكة، فانك تسد حاجته للعشاء، ولكنك إذا علمته كيف يصطاد، فانك تسد حاجته طوال حياته. ويبدو هذا التوجه غير المباشر لحماية الأنواع المختلفة توجها سائداً وتتمثل الفكرة في ترويج طرق مستديمة بديلة لاستغلال الموارد من أجل الربح. وهذا من شأنه أن يساعد المجتمع المحلي ويرفع الضغط عن الأنواع المراد حمايتها. ولكن من ناحية عملية، لايمكن اعتبار الفكرة دقيقة جدا، لأن الصلة بين التعليم والحفاظ على البيئة غير واضحة المعالم. وإذا ما دخلت الحوافز النقدية إلى القضية، فليس هناك من ضمان بأن لا يقوم الناس بأخذ الأموال الاضافية والاستمرار في قطع الغابات أو صيد الطرائد عندما تشتد الأوضاع. إذن ما هو البديل؟ تعتقد أغنيس كيس، وهي عالمة أحياء في البنك الدولي وبول فيرارو، عالم اقتصاد في جامعة ولاية جورجيا في اتلانتا ـ يعتقد ان من الأفضل إنفاق المال في دفعات تكافيء الاشخاص بصورة مباشرة لقيامهم بحماية التنوع الأحيائى. وهما يزعمان أن التوجه غير المباشر، الذي يصفاه بـ «المحافظة عن طريق الإلهاء» قد فشل بشكل كبير وأن الدفعات المباشرة تعتبر طريقة أرخص لتحقيق الهدف. إن فكرة الدفعات المباشرة ليست جديدة تماماً. فهناك بالفعل مشروعات عديدة تستفيد فيها شركات أو هيئات عامة من «خدمات النظام البيئي» التي تقدمها الطبيعة، مثل تنقية المياه التي تؤديها التربة والغابات، وهذه المشروعات تدفع مقابل جهود حماية البيئة. وأحد أفضل الأمثلة على ذلك هو برنامج دفع الخدمات البيئية في كوستاريكا، الذي يدفع لملاك الأراضي لكي يحافظوا على الغابة في مناطق مستجمعات المياه الرئيسية. ولكن اقتراحات كيس وفيرارو تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. فهما يريدان أن تحدد قيمة للتنوع الأحيائي بذاته بصرف النظر عن مدى فائدته لنا.. بنفس الطريقة التي تدفع به الحكومة اليونانية، للصالح العام، من أجل الحفاظ على قلعة أمتنا «الأكروبوليس» أو الطريقة التي يدفع بها أحد المتاحف نفقات ترميم إحدى اللوحات لفان جوخ. ولتوضيح تفوق ونجاح هذا التوجه، يشير الباحثان إلى هولندا كمثال، ففي إطار جهد يهدف إلى حماية طيور المزارع المهددة بالانقراض مثل طائر أبوطيط والبقيقة السلطانية (من الطيور المخوضة)، تلقى بعض المزارعين منذ عام 1980 تعويضات مالية لتبينهم ممارسات زراعية أقل كثافة. ولكن كان من الصعب مراقبة الخطة وتنفيذها. كما أنها تميل إلى دق إسفين بين المزارعين ونشطاء الحفاظ على البيئة لأنها تروج لفكرة مفادها أن الزراعة المربحة وانقاذ الطيور هما هدفان متعارضان. ولكن خطة مبتكرة وضعت في عام 1993 لمكافأة المزارعين على تحقيق نتائج ملموسة في مجال الحفاظ على البيئة حققت نجاحاً أكبر من حيث عدد الحضنات التي فقست على أراضيهم. وتكلف الخطة الجديدة 40 دولاراً لكل حضنة مقارنة بتكلفة تتراوح ما بين 100 و400 دولار للحضنة الواحدة في الأسلوب القديم. كما أنها عززت من وجود عقلية مختلفة تماماً في أوساط المزارعين، فقد بات ينظر الى الطيور باعتبارها منتجاً قيما آخر من منتجات مزارعهم، ولهذا، فان لديهم حافز للخروج بأفكار مبتكرة لمساعدتها على التزاوج. ويحقق توجه مباشر مماثل نتائج واضحة في محيط متنزه نيروبي الوطني في كينيا. ويهدف هذا التوجه الى حماية طرق الهجرة للحيوانات الكبيرة مثل النوّ وحمار الوحش. وكان المسار الذي يمر عبر المتنزه ينكمش باستمرار مع قيام ملاك الأراضي من الماساي بتسييج الأرض وزراعتها. والآن تقوم مؤسسة الحياة البرية الأفريقية وأصدقاء متنزه نيروبي الوطني، وكلتاهما تقعان في نيروبي، تقوم بإصدار «عقود استئجار للمحافظة على الحياة البرية» إلى ملاك الأراضي الذين يوافقون على عدم تسييج أو زراعة جزء من أراضيهم مقابل مبلغ قدره 4 دولارات للفدان الواحد. وتمثل هذه الدفعات، والتي تصل إلى ما بين 400 و 800 دولار للمزارع الواحد، نصف دخل الأسرة ويمكن الاعتماد أكثر من الاعتماد على العرض من المحاصيل. ويذهب كيس وفيرارو إلى القول إن هذه المشروعات أسهل من حيث التنفيذ وأقل خطراً من الطريقة غير المباشرة في الحفاظ على الطبيعة السائدة اليوم. غير أن هذا الموقف لايروق للكثيرين من أنصار التوجه القديم الذي يقوم على مبدأ الدعم غير المباشر، الذين يرون فيه وسيلة لزيادة الإساءة إلى الطبيعة لأنه لا يوجد ضمان بأن لا يستمر المزارعون في قطع الغابات واستغلال الأرض على حساب الكائنات الأخرى حتى بعد حصولهم على الأموال. ضرار عمير