الخميس 15 صفر 1424 هـ الموافق 17 ابريل 2003 لقد انتهت اللعبة، كما يقولون. وانتهى كل شيء كما يؤكد المتشائمون فقد اصبح العراق بين ليلة وضحاها مرتعا للسرقة والنهب لاهم كنوزه التي ميزته عن دول العالم كدولة حضارية تمتد جذورها الى سبعة الاف عام، كأن قوة الاحتلال ارادت محو العراق شعبا وتاريخا وثروة من الوجود، ولم يكن السبب هو الاطاحة بالرئيس صدم حسين الذي لا يعرف احد مكانه حتى كتابة هذه السطور او جلب الديمقراطية الى شعبه. يقول المتشائمون انتهى كل شيء بغض النظر عما اذا كان ذلك لعبة او مسرحية او صفقة، او قل ما شئت، لكن النهاية هي النهاية نفسها، تعددت الاسباب والموت واحد، وتعددت اسباب غزو العراق والخراب واحد. هل ذاق ام سيذوق العراقيون الديمقراطية الاميركية بعد صدام؟ هل سينعمون بالرخاء عبر نفطهم الذي اصبح الآن في أيد «أمينة» كما يقول الاميركيون والبريطانيون؟ كثيرون يشبهون العراق باليابان، ويؤكدون ان ما فعله الجنرال مكارثر بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية سوف ينطبق على العراق لكن الى أي حد تتسم هذه الرؤية بالدقة؟ فلا العراق هي اليابان .. ولامكارثر هو جاي غارنر ولا احمد الجلبي هو الشخص الذي يمكن رصد اوجه الشبه بينه وبين يوشيدا. والاهم من هذا وذلك، ليس عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية هو عالم ما بعد الهيمنة الاميركية. في ضوء هذا كله تبرز الاهمية الكبيرة التي يتمتع بها هذا الكتاب الذي نناقشه هنا، فهو مهم في توقيت صدوره وفي توقيت عرضه بعد ان انتهت اللعبة كما يقال او انتهى كل شيء كما يقول المتشائمون. وهذا الكتاب في جوهره مرجع بكل ما تحمله الكلمة من معنى بالنسبة للعراق شعبا وتاريخا وسياسة واقتصادا ومؤلفه يعرض للتسليح العراقي ومدى غزوه للكويت والدور الاميركي في ذلك والحرب العراقية الايرانية والدور الاميركي في ذلك ايضا ويتطرق للعراق وصلته بمفتشي الامم المتحدة والطريق المسدود الذي وصلوا اليه. ويتجول المؤلف في اروقة البيت الابيض والامم المتحدة بحثا عن وثائق استخدمها في هذا الكتاب، الذي غدا في النهاية عملا قيما عن العراق، من الالف الى الياء، من المؤامرة الى الاحتلال. قبل ان يغادر مكتبه في البيت الابيض لآخر مرة في العشرين من يناير عام 2001 كان يتعين على الرئيس بيل كلينتون ان يوجه كلمة شكر الى الرئيس العراقي ـ الراحل او الهارب او المختفي حتى تظهر الحقيقة ـ يقول فيها: «عزيزي صدام، من اجلك فقط مكثت في البيت الابيض ثماني سنوات. نكتة سخيفة؟ تهكم ساخر؟ لا، انها حقيقة اعتمدت على التاريخ والمنطق. فبعد ان انتصر في حرب الخليج بين الولايات المتحدة التي قادت التحالف الدولي والعراق في مارس 1991 ارتفعت شعبية الرئيس جورج بوش الى 91% وبدت عملية اعادة انتخابه تؤكد ان سياسيين بارزين من الحزب الديمقراطي لم يدخلوا السباق في ترشيحات الحزب، ولملء هذا الفراغ ظهر شخص غير معروف كان يشغل منصب عمدة ولاية اركانساس الجنوبية: بيل كلينتون. بعد ذلك انضم العراق الى ايران في اقتحام الانتخابات الاميركية بطريقة مباشرة، ويعد هذا انجازا كبيراً لدولة تنتمي الى العالم الثالث. كان احد اسباب خسارة الرئيس جيمي كارتر في انتخابات الولاية الثانية عام 1980 فشله في تحرير الرهائن الاميركيين الذين احتجزتهم ايران في عهد آية الله الخميني. علاقات مرتبكة لقد مرت على العراق اثنتا عشر عاما من الحصار الاقتصادي الامر الذي قلل الاتصالات بين العراقيين وغير العراقيين. ولا عجب، فمن الصعب على شعوب المنطقة ـ دع جانبا من يعيشون في الغرب ـ ان يتفهموا كيف يدير العراقي العادي شئون حياته اليومية لكي يعيش. ويقول المؤلف في هذا الصدد لكي اسد هذه الثغرة او الفجوة، كشفت في كتابي هذا بعض تفاصيل الحياة اليومية، في العراق، وحصلت على هذه التفاصيل اما عن طريق الاشخاص بطريقة مباشرة، او عن طريق مصادر مكتوبة. وبعد ذلك يقول المؤلف ايضا ـ انه نظرا لصعوبة الحصول على تصريح من بعض الاشخاص، وتخوف البعض الآخر من التحدث اصلا، اعتمدت على تاريخ حزب البعث في العراق وصعود صدام حسين سلم السلطة للمرة تلو الاخرى. ويؤكد المؤلف انه منذ انتهاء حرب الخليج ـ الثانية ـ ظهرت قوة مركزية ثانية في بغداد: الامم المتحدة التي راحت منظماتها المختلفة تتولى مسئولية كل شيء تقريبا، بدءا من التفتيش على اسلحة الدمار الشامل ونزعها الى اطعام عشرات الالوف من الاسر البائسة. وقد خصص المؤلف فصلا بأكمله في هذا الكتاب للعلاقة بين العراق والامم المتحدة. في تلك الفترة كانت علاقات بغداد مع جيرانها تمر بعملية تغيير، كانت تمثل ظاهرة افرد لها المؤلف فصلا باكمله تناول فيه واحدا من اخطر الموضوعات : نفط العراق. ويقول المؤلف انه في هذا الفصل اوضحت كيف ان النفط ساهم في تشكيل السياسات ليس فقط سياسات الحكومة العراقية ولكن سياسات معظم القوى الغربية بدءا من بريطانيا. ويؤكد المؤلف ان الفصل الاخير من الكتاب خصصه لاحداث 11 سبتمبر ليس لان العراق لم يفعل شيئا في تلك الاحداث ولكن لان هذا التاريخ اصبح ذكرى مهمة في تاريخ العالم. منذ غزوها للكويت عام 1990 اصبح العراق مادة متكررة في اجندة مجلس الامن خاصة بعد ان قرر المجلس نزع اسلحة الدمار الشامل من العراق، في ديسمبر 1998 انسحب مفتشو الاسلحة من العراق ولكنهم عادوا مرة اخرى بعد ان اعتبرت الولايات المتحدة العراق احد محاور الشر الثلاثة في العالم وبالتحديد عندما اعلن ذلك الرئيس جورج بوش في اوائل عام 2002. ومنذ ذلك الحين وبسبب ان اصبح الصقور في الادارة الاميركية الحالية يدهم هي العليا في تشكيل وتطبيق السياسة الاميركية في الشرق الاوسط قفزت مسألة «تغيير النظام» في بغداد الى قمة الاولويات في الاجندة العلمية وبالتالي اصبح العراق مرة اخرى في عين العاصفة وسوف يظل كذلك الى حين. اسئلة شائكة تتمثل احد ابعاد اهمية الكتاب الذي نناقشه هنا في انه يجيب على الاسئلة العديدة، التي اثيرت حول العراق خلال فترة تأليفه بل انه يجيب عن اسئلة اخرى اثيرت خلال الايام الماضية بعد ان غزا الاميركيون والبريطانيون العراق. من بين هذه الاسئلة: ـ صدام شخص معتد، فقد غزا دولتين جارتين: ايران والكويت اليس كذلك؟ ـ بلى ، لقد هاجم صدام الكويت واحتلها عام 1990 واعتبرته الولايات المتحدة معتديا، وبقرار من مجلس الأمن قادت الولايات المتحدة قوات التحالف العسكري وقامت بطرد القوات العراقية من الكويت. وعلى العكس من ذلك عندما قام صدام بغزو ايران في سبتمبر عام 1980 اتخذت الولايات المتحدة موقف الحياد، وفي مجلس الأمن وضعت الولايات المتحدة المعتدي والضحية في كفة واحدة، وتبنت قرارا دعا الى وقف اطلاق النار. وعن طريق القنوات الخلفية شجعت الادارة الاميركية في عهد الرئيس جيمي كارتر صدام على الهجوم على ايران. ـ صدام ظل طويلا يهدد جيرانه اليس كذلك؟ ـ اي جيران؟ فكما حدث في اوائل سبتمبر 2002 فقد رفض مجلس وزراء العرب خلال اجتماعهم في الجامعة العربية التهديد بالعدوان على الدول العربية وخاصة العراق، واكدوا ان التهديدات لامن وسلامة اية دولة عربية يعتبر تهديدا للامن القومي العربي. وفيما بعد عندما اتجهت ادارة الرئيس جورج بوش الى الامم المتحدة في صراعها مع بغداد، استمع العراق الى نصيحة العواصم العربية ووافق على العودة غير المشروطة لمفتشي الامم المتحدة. وعلى عكس ما حدث عام 1990 فان العراق هذه المرة لم يحتل دولة عربية. ـ هل صحيح ان صدام ضرب شعبه بقنابل الغاز المميتة؟ ـ المسئولون الاميركيون يؤكدون ان العراق استخدم اسلحة كيماوية في بلدة حلابجة الكردستانية في العراق في مارس 1988 خلال الحرب العراقية الايرانية وبعد ذلك في مناطق اخرى. ومنذ نشر بغداد للاسلحة الكيماوية في الحرب بل وفي السلم ايضا اصبح السؤال المطروح هو: ماذا فعلت الولايات المتحدة في ذلك الوقت؟ لا شيء. بل والأسوأ من ذلك كان اللوبي المساند للعراق في الادارة الأميركية في عهد الرئيس ريغان يزداد قوة. وقد ساهم هذا اللوبي القوي في احباط محاولة مجلس الشيوخ بفرض عقوبات على بغداد بسبب خرقها اتفاقية جنيف حول الاسلحة الكيماوية. وقد أدى ذلك الى ان صدام اعتقد أن واشنطن تقف بجانبه، وهو الأمر الذي أدى الى غزوه الكويت، وخلال السنوات الخمس التي تلت عام 1983 استخدم العراق مئة ألف ذخيرة كيماوية. ـ هل صدام ارهابي؟ ـ طبقاً لصفحة بعنوان «دعم الارهاب الدولي» في وثيقة البيت الابيض المكونة من 20 صفحة بعنوان «عقد من الخداع والتحدي» نشر في 12 سبتمبر 2002، كان آخر عمل ارهابي التصق بالعراق هو محاولته الفاشلة في اغتيال الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش في ابريل 1993 خلال زيارته للكويت. ـ هل كان صدام يؤوي أعضاء تنظيم القاعدة؟ ـ وثيقة البيت الأبيض بعنوان «عقد من الخداع والتحدي» لم تثبت أي دليل على علاقة صدام بالقاعدة أو بالاجتماع المزعوم مع محمد عطا المتهم بقيادة الطائرة التي ضربت مركز التجارة العالمي. ـ هل صدام يموّل العمليات الاستشهادية في فلسطين؟ ـ العراق يعطي 25 ألف دولار لكل أسرة يقوم أحد أعضائها بعملية استشهادية، وبعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي عام 2000، قامت السلطة الفلسطينية بتسليم شيك بقيمة ألفي دولار لأسرة كل شهيد. وفي أعقاب ذلك قامت جبهة التحرير العربية الموالية للعراق بدفع شيك بقيمة عشرة آلاف دولار لأسرة كل شهيد فلسطيني. وعندما لجأ الفلسطينيون إلى استخدام القنابل الانتحارية رفعت الجبهة قيمة الشيك إلى 15 ألف دولار، من بين 1500 شهيد خلال أول عامين للانتفاضة كانت هناك 70 حالة فقط للقنابل الانتحارية، باختصار فإن صدام لم يكن يفرق بين شهيد وآخر في فلسطين. ـ هل قام صدام بطرد مفتشي الأمم المتحدة؟ ـ غير صحيح! فبناء على نصيحة من السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة بيتر بيرلينغ قام ريتشارد باتلر كبير المفتشين بسحب مفتشي الأمم المتحدة حتى يتمكن البنتاغون من بدء الحرب الخاطفة التي قدرها بنحو مئة ساعة على العراق حتى بدون ابلاغ بقية أعضاء مجلس الأمن. وبذلك يكون بتلر قد قدم معروفاً الى صدام من دون أن يقصد. ما حدث هو ان العراق رفض مفتشي الأمم المتحدة من الجنسية الأميركية، ثم قام بطردهم بعد ذلك، لكنه لم يسبق له أن طرد مفتشي الأمم المتحدة. ـ لكن صدام تصرف بطريقة أدت الى انسحاب المفتشين؟ ـ هذا التصريح أعلنه كولن باول وهو يفسر ما حدث بعد ذلك. وهو تفسير متناقض يقول انه في أواخر عام 1998 انتهت ادارة كلينتون إلى ان مفتشي الأمم المتحدة قاموا بأداء عملهم بقدر المستطاع وقد حان الوقت لاستخدام القوة العسكرية التي جمعتها بطريقة شرعية عن طريق الأقمار الصناعية وكذلك بطريقة غير شرعية عن طريق زرع جواسيس أميركيين بين مفتشي الأمم المتحدة. ـ هل عداء صدام الشديد لاسرائيل وقف حائلاً دون احلال السلام في الشرق الأوسط؟ ـ القمة العربية في بيروت في مارس 2002 وافق العراق على خطة سلام أعلنها ولي العهد السعودي الأمير عبدالله والتي أكدت حصول اسرائيل على السلام الشامل مقابل انسحابها من الأراضي العربية المحتلة بما فيها القدس الشرقية ومرتفعات الجولان السورية. حكاية الديمقراطية ـ هل العمل العسكري الأميركي ضد العراق والذي ستعقبه عملية احتلال للبلد، هل سيجلب الديمقراطية للعراقيين مثلما حدث مع اليابانيين في أعقاب الحرب العالمية الثانية؟ ـ سيتوقف ذلك على طول فترة الاحتلال الأميركي للعراق، وان ذلك سيحدده استقرار نظام ما بعد صدام. فإذا أثبتت الحكومة الجديدة انها ضعيفة جداً بل وهشة، فربما تضع واشنطن العراق في اطار عملية الديمقراطية التي انتهجها الجنرال دوغلاس مكارثر في اليابان عقب هزيمتها في الحرب العالمية الثانية عام 1945. ـ لكن السؤال هو: إذا فعلت الولايات المتحدة ذلك مع العراق هل ستضمن نفس نتائج ما فعلته مع اليابان؟ ـ بالتأكيد لا، لأنه على عكس الخسائر البشرية التي ستنجم (!) من عملية الاطاحة بصدام فإن مكارثر احتفظ بنظام الحكم في اليابان من دون أي خسائر، وقام بتسليم اليابان الى الامبراطور هيرو هيتو، واستخدم ذلك كوسيلة لدمقرطة اليابان.