الاربعاء 14 صفر 1424 هـ الموافق 16 ابريل 2003 قصص السلب والنهب التي تدفقت من بغداد وصفت مدينة محطمة، تحكمها عصابات قتل بلا كوابح، اجتاحت كل المدينة. هذا الوصف لا يتطابق مع الواقع. ففي غمرة الاضطراب يتبين انها كانت محصورة بالأساس في دوائر الحكم البغيضة وانه لم يشارك فيها سوى بضعة آلاف من المشاغبين من أصل مدينة تعد عدة ملايين نسمة، وان الأملاك الخاصة لم تتضرر تقريبا، وانه لم تسلب المستشفيات والعيادات، بل مراكز الحزب ورموز السلطة. في الصور الأخيرة التي تصل من بغداد (بعد ان تعبت القنوات التلفزيونية من البث للمرة الألف صور عصبة الشبان الذين ينقضون على المركز الاعلامي لحزب البعث ويخرجون منه اجهزة التلفزيون القديمة)، ترتسم مدينة كبرى، بدأ سكانها يعودون الى حياتهم الطبيعية. مئة ساعة فقط بعد تحريرها، هي لا تزال مدينة في حالة صدمة، ولكن ليست مدينة في حالة دمار. لا شيء في مشاهد بغداد يشبه الخراب الذي أحدثته الحروب والثورات بمدن اوروبا. لا اوروبا في الحرب العالمية الثانية ولا اوروبا في العقد الأخير. لمن نسي، ها هي تذكرة بذلك: سراييفو مدينة في البوسنة دمرت من حيث الاساس في حرب أهلية بين الصرب والبوسنيين، أمام ناظري الاوروبيين. ومن يتحدث اليوم عن «حكم الرعاع في بغداد» لا يبدو أنه زار تيرانا عاصمة البانيا بعد سقوط النظام الستاليني هناك. ولم يعلق في تبادل النار بين العصابات. حجم السلب والنهب في بغداد والبصرة والموصل كان أقل من موجة السلب والنهب التي اجتاحت المراكز التجارية في الارجنتين الديمقراطية قبل نحو عام، عندما انقطعت الصلة بين العملة الارجنتينية وبين الدولار. وقوة الفوضى في بغداد كانت أقل من قوة اضطرابات الصيف العنصرية في مدن بريطانيا، المانيا وفرنسا، بل ان بغداد نجت من مصير بيروت اثناء الاحتلال الاسرائيلي في العام 1982. كل الاضرار التي لحقت بمدن العراق وبالشعب العراقي، سواء بقصف قوات التحالف ام باعمال السلب والنهب، لا تصل الى 001,0 في المئة من الضرر الذي الحقه بهذه الدولة نظام الرعب لصدام حسين. واحيانا فان جهل المراسلين الذين ينقلون التقارير من العراق يكون مذهلا: فمثلا قيل ان «البنك المركزي» في الموصل قد سلب. ولكن لا يوجد «بنك مركزي» في الموصل، رغم اللافتة المرفوعة على البوابة. ليس للعراق على الاطلاق هيئة مصرفية مركزية. ولم يكن في الموصل سوى مخزن من الاموال النقدية (قيمتها صفرية) للدفعات المخصصة للموالين للسلطة، شرطة الامن السرية، المخبرين، الواشين واعضاء الحزب المخلصين. معظم المستشفيات في بغدد كفت عن اداء مهامها كما ينبغي - ولكن ليس بسبب السلب والنهب، كما ادعى «الصليب الاحمر». فهذه المنظمة الدولية أطلقت صوتها على حين غرة. فقد حرصت على الا تقول شيئا عندما قمع صدام حسين بوحشية فظيعة التمرد في الجنوب والشمال وذبح مئة الف مواطن. جنود «الحرس الجمهوري» هم الذين افرغوا المستشفيات من الادوية والمعدات الحيوية. فهل يعرف أحد كم من القطع الاثرية من «المتحف الوطني» في بغداد سرقها قبل الحرب صدام وافراد عائلاته؟. ان معارضي أميركا، الذين تغشى الكراهية عيونهم، عولوا على الهزيمة العسكرية وهزيمة الوعي في العراق: الاف القتلى، عشرات الاف الجرحى، معارك شديدة. اما هذا، كما هو معروف، فلم يحصل. وبعد ذلك عولوا على استبسال الحرس الجمهوري في بغداد، ليلقن الاميركيين درسا. وهذا أيضا، كما هو معروف لم يحصل. اما الان فانهم يعولون على الاضطرابات، على السلب والنهب وعلى فقدان السيطرة التي ستجبر الاميركيين على أن يتحولوا من محررين الى محتلين. هذا أيضا لم يحصل ولن يحصل. فأميركا ستخرج من العراق، ستوقف المجرمين العراقيين وتنصب شرطة محلية. ولكن الامر يستغرق وقتا. ستمر اسابيع الى ان يبدأ التطبيق العملي لخطة الحكومة الذاتية والديمقراطية في العراق. ستمر أشهر الى ان يتبلور هناك مجتمع مدني، صفاه صدام حسين. لا يمكن لاحد ان «يعيد» بسرعة القانون والنظام الى بغداد: ففي ثلاثين عاماً من القمع لم يسد هناك لا قانون ولا نظام، بل دكتاتورية مجنونة فقط، ثمنها دفعه الشعب. بقلم: سيفر بلوتسكر _ عن «يديعوت أحرونوت»