الاربعاء 14 صفر 1424 هـ الموافق 16 ابريل 2003 تعقد القمة المقبلة للدول الصناعية اجتماعاتها في الثاني والثالث من شهر يونيو المقبل في مدينة ايفيان الفرنسية في ظل اوضاع سياسية خاصة جدا، حيث ستكون الحرب على العراق قد وضعت اوزارها وسيتقاسم المنتصرون غنائمهم من مشروعات اعادة الاعمار وعائدات النفط. من جانب آخر وبما ان المرحلة الثانية ادنى بكثير من الاولى، فسيكون الصراع محتدماً وبالتالي ستكون هناك ضرورة لتناول عواقب الازمة الاقتصادية والمالية التي ستضاف اليها مخاطر الارهاب المعتبرة والصراع في الشرق الاوسط وتفكك الدول الافريقية. نقاش كل هذه الموضوعات يفترض ان يتم في يومين فقط، وسيعرض الدول الاكثر قوة في العالم لخطر فقدان فرصة المعالجة الجدية للسبب الرئيسي لجميع هذه المشكلات والذي يشكل رحم الكثير من العنف، وهذا السبب لا يعدو كونه الفقر المادي والأخلاقي، على حد سواء، الذي يكابده اكثر من نصف سكان الكرة الارضية. ومن الناحية العملية، اذا كانت بعض بلدان الجنوب تشهد ازدهارا كنتيجة للمدخل الى الاسواق ورؤوس الاموال الخاصة، فتلك الحالة لا تنطبق على البلدان الاكثر فقرا التي لا تتلقى لا هي ولا تلك البلدان التي تشهد نوعا من الازدهار اكثر من جزء زهيد من ثمار ذلك النمو. وإذا كان الفقر المدقع قد تقلص الى النصف خلال السنوات العشر الاخيرة في شرق آسيا، فإن عدد الفقراء لا يتوقف عن الازدياد في الجانب الاكبر من بلدان الجنوب، ففي الارجنتين، على سبيل المثال يعيش 54% من السكان تحت خط الفقر، وكذلك الامر بالنسبة لكل من اندونيسيا وباكستان اللتين تعيشان في ظل وضع ينذر بالخطر. الطبقة المتوسطة اختفت عمليا في افريقيا جنوب الصحراء وعدد الاشخاص الذين يعيشون في فقر شديد تجاوز 240 مليون نسمة الى 300 مليون نسمة في العقد الاخير. وعشرون بلدا تحشد اكثر من نصف سكان المنطقة هي في الوقت الراهن افقر مما كانت عليه عام 1990. وبشكل اجمالي يعيش نحو ملياري شخص ـ ثلث سكان العالم ومئة مليون اكثر من العام المنصرم على الاقل ـ معتمدين على اقل من 2 يورو في اليوم. و90% من الاربعين مليون مريض بنقص المناعة المكتسبة في البلدان الفقيرة لا يحصلون على عناية طبية. اما الاجراءات التي تكرر وتنتقل من قمة الى اخرى فإنها لم تتمكن من تقليص حالات عدم المساواة تلك اذ تسبب انفتاح الاسواق، وهو ما يشار به في جميع المجتمعات منذ 15 عاما، بتدمير قواعد الاقتصاد التقليدي بدون استبدالها باحلال مداخل تصدير ثابتة. وعلى الرغم مما يعرب عنه من نوايا حسنة الا ان المؤسسات المالية الدولية لم تتمكن من تطبيق برامج فعالة للحد من الفقر. من جانب آخر تشهد المساعدة على التطوير الحيوية جدا بالنسبة للبلدان الاكثر فقرا تشهد تقليصا ثابتا منذ عام 1990 اذ انها لا تتجاوز في الوقت الراهن اكثر من 53 مليون يورو ما يعادل 22,0% من الناتج المحلي الاجمالي للدول الاكثر ثراء مع العلم ان 10% فقط من تلك المساعدة تخصص للاحتياجات الاساسية للسكان. ويبدو انه من الضرورة بمكان توظيف اسلوب اكثر تواضعا بكثير لا يحاول تقليص الديون الحكومية وبناء اعمال كبيرة ولا فتح الاسواق للاستيراد القادم من الشمال، وانما يساعد الناس الاكثر فقرا على التخلي عن الاعتماد على الاحسان والصدقة، بعد ان يقدم لهم الوسائل الضرورية للبدء في نشاطات تنتج ثروة. ذلك هو دور التمويل المحدود الذي يقدم قروضاً محدودة ولأجل قصير للفئات الاكثر فقرا التي لديها مشروع اقتصادي قابل للحياة في القطاع الزراعي او التجاري او الحرفي وللذين لا يملكون الموارد لتمويل مشروعهم لانهم مستثنيين من النظام المصرفي. المؤسسات التي تمنح تلك القروض هي بنوك من نوع خاص تقوم على العمل التطوعي وتذهب الى ما هو ابعد من متطلبات السوق ولديها توجهات ربحية اقل. ففي الوقت الحالي تفيد التقديرات بأن هناك نحو تسعة آلاف مؤسسة من هذا النوع في العالم وهي تخدم 34 مليون عائلة، كما انها فعالة للغاية حيث تبدو معدلات تسديد الديون افضل من معدلات البنوك التقليدية اذ انها تتجاوز نسبة الـ 98% احيانا. وفقا لدراسة اجراها البنك الدولي حول اولى تلك المؤسسات «غرامين بنك» الذي انشيء في بنغلاديش قبل 30 عاما خلت، فإن 5% من سحوبات القروض تخرج من الفقر وتسلم للصحة والتعليم. كما انها تهرب من تأثير مختلف التيارات الاصولية واغواء اقتصاد الجريمة وهناك حيث يوجد الاقتصاد صغير الحجم، لا تملك عصابات المخدرات والمجموعات الارهابية امكانيات كبيرة. لكن هذا لا يعني ان الاقتصاد المحدود هو حجر الزاوية، اذ لا يستطيع الازدهار مع غياب سياق ديمقراطي وحرية حقيقية فيما يتعلق بالمبادرات. فذلك يشكل وسيلة ناجحة لتسريع كلا الشيئين. لقد لعب البنك الدولي والمفوضية الاوروبية والتعاون الثنائي خلال العشرين عاما الاخيرة دورا اساسيا في ظهور هذه الممارسات. ومع ذلك تخصص البلدان الغنية في الوقت الراهن جزءا يسيرا من موارد المساعدة الخاصة بها للتطوير: اقل من 400 مليون دولار سنويا في جميع انحاء العالم، ما يساوي اقل من 7,0% من المساعدة الخاصة بالتطوير وأكثر من نصفها يخصص لافريقيا. وتضاف الى ذلك هبات المؤسسات الخاصة التي بدأت تبدي اهتماما، والنشاطات التي مازالت شحيحة للغاية، لبنوك تجارية بدأت تفهم ان التمويل صغير الحجم يمثل في الوقت نفسه شكلا اخلاقيا للقيام بوظيفتها وأسلوباً لاعداد زبائن للمستقبل. ولقد بدأت بلدان الجنوب بطرح مطالبة مهمة. اذ اقترحت الامم الافريقية التي تكون «المجتمع الجديد للتطوير» على مجموعة الثماني ان تقدم صفة الاولية للتمويل المحدود، وطالب الرئيس البرازيلي لولا قبل وقت قصير بأن تخصص مجموعة الثماني رصيدا عالميا جديدا لمحاربة الفقر والجوع في العالم الثالث ومن جانبها اشارت قمة مجموعة الثماني التي انعقدت في كناناسكس كندا في شهر يونيو عام 2002، بشكل مبهم للموضوع في معرض تفسيرها للدعم الذي كانت ستقدمه «للمبادرات التي تشجع التطوير الفعال لها كل التمويل ـ من بينها النشاطات التمويلية الصغيرة ـ ولنتائج العناية باحتياجات الناس الفقراء». لكن كل شيء بقي في تلك الكلمات الرائعة التي لم يكن لها اي صدى تمويلي. في حال تمكنا من تدارك نزاعات اللحظة يمكن لمجموعة الثماني في ايفيان ان تطلق بسهولة خطة حقيقية للنضال ضد الفقر. فهي تستطيع على سبيل المثال ان تقرر انشاء ارصدة اقليمية للتمويل المحدود وذلك للمساهمة في ان تقدم تلك المؤسسات قروضا اضافية. فمقابل كل مليار يورو تستطيع تلك الارصدة ان تمول كل عام اكثر من الفي مؤسسة للتمويل صغير الحجم التي ستتمكن بدورها من تمويل خمسة ملايين قرض من 200 يورو يمكن لعشرين مليون شخص ان يخرج بها من الفقر. ان وجود خمسة ارصدة من ملياري يورو لكل منها موزعة في مناطق حيث الفقر اكثر الحاحا سيعني ان يتمكن كل عام 200 مليون شخص وعائلاتهم من العودة الى درب الكرامة. وهذا ليس تصورا طوباويا ولا يتطلب موارد خاصة بالميزانية، بل انه يقتصر على تحسين تنسيق الموارد الموجودة، واستغلالها بشكل جيد وتحريك القطاع المصرفي الخاص. بهذه الطريقة وفي لحظات يحتاج فيها الغرب اكثر من اي وقت مضى لان يظهر للعالم انه ليس دركيا فقط، لا احد يستطيع الاستمرار بالقول ان مشكلة الفقر لا حل لها. بقلم: جاك أتالي _ ترجمة: باسل أبوحمدة عن «كلارين » ـ الارجنتين