الاربعاء 14 صفر 1424 هـ الموافق 16 ابريل 2003 النجاح العسكري الانجلو ـ اميركي السريع في العراق رفع وتيرة المناظرات حول دور الامم المتحدة في عراق ما بعد صدام. ومنذ حرب كوسوفو ونحن نعيش في ظل ادارة الامم المتحدة ولذلك يمكننا تقديم بعض الدروس في هذا السياق.اذا تولت الامم المتحدة ادارة عراق ما بعد صدام، فإنها على الارجح سوف تمضي معظم السنة الاولى في تنظيم نفسها، وانا شاهدتهم لأول مرة في شوارع كوسوفو قبل اربع سنوات، بعد الحملة الجوية الناجحة التي شنها الناتو، وفيها كانت قوات سلوبودان ميلوسيفيتش تغادر ومع وصول اولى سيارات الامم المتحدة ذات الدفع الرباعي، نشأت حالة فراغ هائلة في الادارة، وفجأة ادركنا جميعاً انه لم تكن هناك جهة رسمية مسئولة عن امدادات الطاقة والماء، ناهيك عن المهام اليومية المتصلة بتنظيم المجتمع وحفظ الامن، وكانت القوة المؤهلة الوحيدة الموجودة هي قوة الناتو لكن قائد قوة كوسوفو المعروفة اختصاراً باسم «كفور» التابعة للامم المتحدة قال لي في اوائل يونيو 1999 «نحن لسنا قوة أمن» وكذلك فهم لم يكونوا مستعدين لادارة الشئون المدنية، والآن بعد مضي اربعة اعوام مازلنا نعيش في هذه الظروف الادارية تقريباً كما كنا نعيش في يونيو 1999. ان الفراغ في حكم القانون، اذا لم يملأ في الايام الاولى سيستغرق ملؤه سنوات عديدة، ثم بعد ذلك ستزداد مهمة الادارة صعوبة نتيجة لعواقب هذا الفراغ.وفي سنوات ما بعد الحرب هنا في كوسوفو نشأت ثقافة جديدة قوامها الفساد والجريمة المنظمة وصلاتها السياسية وفي ظل حكم الامم المتحدة ايضا سادت القوة السياسية القائمة على القوة المادية الى جانب اقتصاد اشتراكي بسمات رأسمالية جامحة. واليوم ندعو، نحن الكوسوفيين، بلدنا من قبيل السخرية ب«اونميكستان» اشتقاقاً من كلمة «اونميك» «بعثة الامم المتحدة في كوسوفو». ينبغي لعراق ما بعد صدام تفادي الوقوع في اخطاء حكم الامم المتحدة التي عانينا منها نحن، ومن منظور تجربتنا الخاصة فإننا نتفهم الموقف الاميركي في ابقاء الامم المتحدة خارج لعبة ادارة عراق ما بعد الحرب. لكن مثل هذا الموقف ينطوي على اشكاليات عديدة، فهو لا يساعد على رأب الصدع عبر الاطلسي او تلطيف وقع التقليل من شأن دور الامم المتحدة. ثم ان مثل هذا الموقف سوف يسيء للولايات المتحدة في عيون العراقيين والعرب العاديين الذين يعتبرون الوجود الدولي في العراق بدون شرعية الامم المتحدة احتلالاً. لكن كيف يمكن التوفيق بين الموقف الاميركي الراهن والحاجة المتأصلة لشرعية ودعم الامم المتحدة؟ ينبغي على القوات الاميركية والبريطانية ان ترسخ ثلاث قواعد بموافقة الامم المتحدة وهذه تتضمن ثلاث مراحل اساسية للفترة الانتقالية في العراق: الحكم، التفويض والاجماع. مرحلة الحكم تعني اضطلاع قوات التحالف بكامل مسئوليات الامن والادارة العامة الاولية، وهذا يعني بالنسبة للمواطن العراقي العادي انه حين يستيقظ في الصباح، سيعرف من هو المسئول عن امنه وعن تيار الكهرباء والماء. وبالنسبة لقوات التحالف، فإن هذا يعني ادارة الشئون اليومية بمختلف تفاصيلها من إرساء قانوني عسكري الى تعيين مهندسين عراقيين لادارة محطات الطاقة. واذا سمحت الظروف يعني هذا ايضا تعيين مجالس ادارة عراقية مؤقتة في مختلف المدن والمناطق لتتولى تدريجيا هذه الادارة الرسمية الجديدة. وحالما ترسخ قوات التحالف السيطرة على العراق بكامله تبدأ ايضا آلية التفويض الكامل، وهذا يعني انشاء مجلس وطني مؤقت مؤلف من عراقيين معينين مسئولين عن ملء الفراغ الاداري حتى يصار الى تأسيس نظام ديمقراطي. ونظراً لان هذا ما تقترحه قوات التحالف بشكل أو بآخر، إذن اين هو دور الامم المتحدة؟ يجب ان تكون الامم المتحدة جزءاً من هذا المسعى في الميادين الثلاثة التي اثبتت نجاحها فيها، اولاً، ينبغي لوكالات الامم المتحدة تلبية الاحتياجات الانسانية العاجلة للسكان. ثانياً، يجب على الامم المتحدة تأسيس محكمة خاصة للجرائم ضد الانسانية التي ارتكبها نظام صدام حسين. ثالثاً: يجب ان تقوم الامم المتحدة بدور تنظيم مؤتمر دستوري للعراق الديمقراطي، وينبغي ترسيخ توازن جديد من اللامركزية والفدرالية لملاءمة تغاير التركيبة الطائفية والاثنية للبلد. ولن يكون المجتمع العراقي مهيأ للتعامل مع هذه القضية في توازن القوى الراهن خاصة عندما يكون التركيز الاكبر على الشئون اليومية. ويجب ان تشترك الامم المتحدة في عملية التحول الديمقراطي بمجملها بما في ذلك المناظرات الدستورية المهمة للغاية، حيث يمكن اثراؤها بالتجارب العالمية لمختلف انماط الحكومات التمثيلية. وبهذه الطريقة يمكن للامم المتحدة ان تلعب مع قوى التحالف دوراً مهماً ايضاً في المرحلة الثالثة، المتمثلة في بناء اجماع داخل المجتمع الذي خرج لتوه من ويلات الحكم الطاغي والحرب وايضاً بناء اجماع داخل الامم المتحدة حول بذل مساع مشتركة لايجاد عراق ديمقراطي ومسالم.الامم المتحدة لا تستطيع ادارة العراق، وكذلك فإن قوات التحالف لا تستطيع ان تنجح في بناء مستقبل العراق على المدى البعيد بدون الامم المتحدة. ترجمة : علي محمد _ خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»