الاربعاء 14 صفر 1424 هـ الموافق 16 ابريل 2003 أشهر الجنود الاميركيون الاربعة مسدساتهم، وهم يركضون باتجاه حشد من عدة آلاف من اللصوص حول وزارة الاسكان العراقية، وصرخ احد الجنود: «ان معه سلاحا! معه سلاح ارم السلاح من يدك!» قالها «وهم يوجهون مسدساتهم نحو رجل يحمل قاذفا صاروخيا من طراز آر بي جي على كتفه. لم يكن هذا هو التهديد الوحيد. فقدا بدا ان كل من في بغداد معه سلاح من نوع ما. كان الناهبون يتناولون الاسلحة من النوافذ المحطمة والابواب المهشمة. بل كان هناك من يغرفون غرفا قاذفات «الآر بي جي» والهاونات الثقيلة والكلاشنكوف والألغام والقنابل الصاروخية والمسدسات والصناديق والأكياس الملأى بالذخائر. على جسر الجمهورية القريب، يجر عجوز وصبي صغير صندوقا من طلقات الاسلحة الخفيفة فيما كان الرجل يجرب اطلاق بضع طلقات من بندقية بيده، ورجل آخر عاري الصدر يمشي على الجسر، وهو يوجه بندقية الكلاشنكوف بيده الى المارة ضاحكاً. ويتقافز الأولاد وجيوبهم عامرة بالرصاص. ثم ظهر فتى برشاش. اسرع اثنان من الجنود الاميركيين من فرقة المشاه الثالثة الى قبو الوزارة. واشار لهم عراقي يحمل راية بيضاء الى مكان السلاح، فيما كان جندي شاب يحرس كومة من الاسلحة نجت من ايدي الناهضين وان كان لايزال يحيط بها الرعاع. صرخ الجندي الشاب حينما عاد اليه الرقيب رئيسه وهو يوقع ارضا احد الناهبين، الذي حاول سحب سلاح اخفاه في ملابسه: «لا أحب ان تتركوني وحدي للقيام بهذا. احتاج بعض الدعم». والتقط الجندي مخزن مسدسه من الارض فيما كان العراقي يحاول ان يمسك به ويضعه تحت قدمه. اصبح سبب خوف الجنود الاميركيين باديا، بعد بضع دقائق، حينما اطلقت قذيفة من احد قاذفات «الآر بي جي» المسروقة على مبنى مجاور، مما جعل الجنود الاميركيين الغربيين يتراكضون بحثاً عن ساتر. لم يكن الامر مخططا ليكون على هذه الحال. ففي ثلاثة ايام تحول المشهد في بغداد من الابتهاج بالتحرير الى مشهد من انعدام القانون نهائيا في كل مكان وصلته القوات الغازية في كل البلاد. ففي كل مدينة حررها التحالف من صدام، ابتداء بأم القصر في الجنوب مرورا بالبصرة وبغداد كركوك والموصل، كانت حشود المبتهجين تتحول الى عصابات للعنف والنهب وبعضهم من ذوي الدوافع الفئوية، قاموا بتجريد كل ما لم تدمره الدبابات والقاذفات الاميركية من محتوياته. وفي بغداد تحديدا كان السلب والنهب يجري بقدر كبير من العنف. فيوم الجمعة الماضي، اخذ الرجال المسلحون باسلحة نهبت من مخازن السلاح في المدينة التي لم يدمرها الاميركيون بعد، يقيمون دوريات حراسة لوقف النهب. لكن هذه الدوريات نفسها اخذت تشارك في النهب لاحقاً، حيث أخذت تنزل السائقين خارج سياراتهم عند نقاط توقفهم. بعض شوارع المدينة اصبحت مهجورة تماماً، نتيجة اطلاق المسلحين للنار على السيارات، مما جعل العراقيين الغاضبين يحتشدون امام موقع قيادة المارينز للمطالبة بتدخل الجنود الاميركيين، والتي لم توفر سوى بضعة جنود لحراسة المدينة الكبيرة وبدون رغبة منهم ايضاً». لقد جرت الامور بطريقة لم تبد اي اكتراث بالحاجات العامة أو حتى الفطرة أو اي احساس بالمجتمع. ففي أقل من اسبوع جرد الشعب العراقي بلده من كل ما فيه. واصبح العراق اقرب الى ارض عصابات من دون قانون أو اي شكل من اشكال العمل الشرطي. في البصرة وبغداد هاجم السارقون المستشفيات وسطوا على أسرتها وحتى تلك التي كان عليها مصابون من جراء القصف. وتقول اللجنة الدولية للصليب الاحمر ان معظم مستشفيات بغداد مغلقة نتيجة ما تعرضت له من اضرار خلال القتال أو النهب أو الخوف من النهب، فيما لم تبق سوى اعداد محدودة من الاطباء والممرضين يمارسون عملهم. وقال الصليب الاحمر في بيان عبر فيه عن «تخوفه العميق» من حالة الفوضى التي تعم العراق: «ان النظام الطبي في بغداد قد انهارعملياً. الاموات يتركون في مكانهم دون دفن، كما ان حرارة الصيف التي بدأت في الارتفاع وقلة المياه والكهرباء توجد مناخاً من المجازفة المرتفعة بانتشار الوبئة. وقد ذكرت اللجنة ومقرها سويسرا، يوم الخميس الماض بان مستشفى الكندي في بغداد قد تعرض لهجوم لصوص مسلحين، سرقوا كل شيء فيه، بما في ذلك الاسرة والتجهيزات الطبية والكهربائية، كما ان المدينة الطبية ذات الـ 650 سريراً قد توقفت عن العمل ايضا. وقد طلب الصليب الأحمر من القوات الاميركية التي تسيطر على معظم العاصمة بغداد ان تتدخل بسرعة لاستعادة النظام قائلة ان من واجبها تبعاً لمعاهدة جنيف فعل ذلك. غير ان الوقت قد يكون اصبح متأخراً جداً بالنسبة لاصلاح الضرر الحاصل فبغداد ليست سوى نموذج عما يحصل في العراق بكامله ففي البصرة الاسبوع الماضي، كان العراقيون من الأرياف المجاورة، يخرجون من المدينة وهم يقودون كل سيارات بلدية المدينة التي ستحتاجها اي حكومة جديدة من سيارات الزبالة الى سيارات المطافئ والجرافات وحتى السيارات العسكرية وقد ذكرت مصادر حكومية بريطانية امس ان بعض الحياة الطبيعية قد عادت للمدينة، بعد ان بدء بتسيير دوريات امن مشتركة من مسئولين عراقيين وجنود بريطانيين وعادت المحلات تفتح ابوابها والاسواق تستعيد حركتها. لقد سببت ايام السلب والنهب صدمة للكثير من العراقيين، وهم يرون الجنود الاميركيين غير مكترثين بها لقد كان سلباً وابادة لمجتمع بأكمله فقد مصداقيته ووسط هذا الخراب كله برز سؤال جديد: ربما يكون الاميركان قد انتصروا في هذه الحرب تقريباً، وصدام حسين انتهى، لكن اي مستقبل ينتظر العراق الآن؟ في واشنطن لم يبد ان احداً يعرف الجواب ففيما بدأ الاميركيون بمشروع ارساء عراق جديد، كان المشهد الخلفي ساحة مهاترات واقتتال داخلي واعادة رسم لخطوط المعركة الدبلوماسية التي ألقت بظلالها على الطريق نحو الحرب فداخل ادارة بوش كان الجدل يسود بين وزارة الخارجية والسي آي ايه والبنتاغون حول دور الامم المتحدة وحول قيادة الحكومة العراقية المقبلة اما اعضاء مجلس الشيوخ والكونغرس فكانوا يتجادلون حول تأمين التمويل للحرب والاعمار، فيما جماعات المصالح الخاصة والعقود تتداخل في الحوار وهم يوافقون على ميزانية ضخمة لهذا الهدف بلغت 80 مليار دولار. ويجتمع اعضاء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن بداية الاسبوع المقبل ليستمعوا الى مناشدات اميركية لتوفير استثمارات التمويل لبناء العراق عبر توفير المال وتشجيع بعض الدول على الغاء ديونها على العراق. وتسعى الولايات المتحدة جاهدة لتجنيد الدعم المالي الوظيفي في اكبر عدد من الدول لدفع فاتورة الاعمار التي تتزايد قيمتها مع كل يوم من النهب والخراب، خصوصاً للمستشفيات والمباني الضرورية الاخرى لجهود الاغاثة. وهذه المناشدة اتت بشكل غير مباشر من جانب البنتاغون نفسه، حينما قال نائب رئيس هيئة الاركان العامة المشتركة الجنرال بيتر بايس ان وزارته ارسلت لوزارة الخارجية قائمة بالحاجات المستعجلة ومن ضمنها ضباط شرطة وقوات شبه عسكرية لحفظ النظام وقالت وزارة الخارجية انها اتصلت بحوالي 70 دولة لتوفير هذا الدعم. اما وزير الخزانة الاميركي، جون سنو، فقال انه يأمل ان تعمل هاتان المنظمتان «فوراً» لمساعدة العراق الجديد وان يسقط دائنو العراق الكبار معظم ديونهم عليه البالغة عشرات المليارات من الدولارات. واضاف سنو انه يريد «حواراً جوهرياً حول كيفية عمل دولنا ومؤسساتنا المالية معاً لمساعدة الشعب العراقي على التعافي» وانضم اليه في هذه المناشدة المهندس الحقيقي للحرب وللرؤية الاميركية للعراق نائب وزير الدفاع بول وولفويتز الذي قال: «آمل انهم يفكرون كيف يستطيعون الاسهام في مساعدة الشعب العراقي للوقوف على قدميه من جديد واعتقد ان عليهم التفكير فيما اذا كانوا يرون من المناسب الغاء كل هذا الدين او بعضه». لكن لا يزال هناك قلق شديد يسود اوساط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مثلما هو الحال في الامم المتحدة حول ميزانية ترميم العراق بعد الحرب التي لم تصادق عليها الأمم المتحدة وعكس جيمس ولفنسون مطالبهم فيما يتعلق بمجال المساعدة المالية حينما اشار الى غياب قرار من الأمم المتحدة يضفي الشرعية على نظام جديد في بغداد وان البنك الدولي في مثل هذا الظرف لن يفعل الكثير الى حد ارسال بعثة الى بغداد. لكن البنتاغون هو من المعارضين لمثل هذ الدور الدولي كما هو واضح اذ قال وولفويتز الخميس الماضي انه يرى دوراً «حيوياً» للأمم المتحدة في العراق، لكن ليس «دوراً قيادياً» وهو الدور الذي سيبقى حصرياً للولايات المتحدة وحلفائها العسكريين واضاف: «يمكن للأمم المتحدة ان تكون شريكاً مهماً لكنها لا تستطيع ان تصبح الشريك المدير لا يمكن ان تدير هذه المهمة». وفيما كان النهب والسلب مستمرين، مؤخراً، كان الصراع متواصلاً ايضاً حول تشكيلة الحكومة العراقية الجديدة والخصومة بين وزير الخارجية كولن باول والبنتاغون التي صبغت المرحلة السابقة للحرب لا تزال مستمرة تشق طريقها في مرحلة السلم. الآن يصر باول على ضرورة التوصل لمباركة من الأمم المتحدة اكثر من مجرد برنامج المساعدات بما في ذلك لتفاصيل مثل اصدار عملة جديدة ومبيعات النفط وغيرها من اوجه استعادة العراق الى المجتمع الدولي. وتفضل وزارة الخارجية الابقاء على الحكم العسكري والابقاء على معظم الجهاز الحكومي العراقي الراهن على حاله مع امكانية تأهيل عدد من العراقيين في الداخل وعقد الانتخابات. لكن هناك فئة ثانية تضم نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد تريد ان تسحب القوات الاميركية من العراق بأسرع وقت ممكن وتجنب التورط كثيراً في العملية السياسية العراقية وعن هؤلاء يقول ايفو دالدر في معهد بروكنغز للبحوث والذي يعد الآن كتاباً عن العراق تحت عنوان «اميركا غير ملتزمة»، «لهؤلاء وجهة نظر سوداوية جداً عن العالم. رؤيتهم تقول ان هناك الكثير من الأشرار في هذا العالم وان مهمتهم هي الخروج للقضاء عليهم قبل ان يخرجوا هم ليواجهونا وحالما تتم المهمة، علينا ان نعود بأسرع وقت ممكن». غير ان دالدر يقول ان هناك فئة ثالثة: المحافظون الجدد بزعامة وولفويتز «الذين يؤمنون بأن من الممكن تحويل هذه الديكتاتوريات الى ديمقراطيات وهؤلاء يريدون الاستثمار في هذا المسعى وتقديم الجهود والالتزامات». الفئتان الثانية والثالثة ومعقلهما البنتاغون، تخالفان وزارة الخارجية وتقولان انه لم يعد هناك في الجهاز الحكومي الراهن في العراق سوى بضعة من الناس يمكن الوثوق بهم، وانهم «بعد دراستهم للقضاء على نازية ألمانيا» يريدون اعادة هيكلة الادارات الحكومية العراقية وتطهير البلد من حزب البعث والجهاز البيروقراطي مع اعطاء عراقيي المنفى دوراً مبكراً في هذا المسعى. ويقال ان الجنرال جاي غارنر المفوض العام لمكتب الاعمار، حسب ما تذكره بعض المصادر انه يفضل مزيجاً متعادلاً من عراق المنفى والداخل وان الاختلاف داخل الادارة حول هذا الموضوع يشتت جهوده لدرجة انه ناقش استقالته مع بعض المقربين منه حتى قبل ان يبدأ عمله. ويتركز هذا الخلاف حول المؤتمر الوطني العراقي في المنفى والذي يقوده احمد الجلبي وهو مصرفي وارستقراطي سابق في ظل العهد الملكي العراقي الذي اطيح به في الخمسينيات، ومنذ ذلك الحين حكم عليه غيابياً في الاردن بتهم الفساد والاختلاس ويحظى الجلبي بدعم وولفويتز وغيره في البنتاغون لترؤس الحكومة العراقية الجديدة غير ان الجلبي هو محط شكوك الخارجية والـ «سي.آي.ايه» اللتين تريان انه فاسد في احسن الاحوال اما في اسوأها فهو غير قادر على اكتساب الدعم الشعبي في العراق بعد حوالي نصف قرن قضاها في المهجر. كما تعرضت علاقة السي آي ايه مع جلبي لازمة شديدة بعد ان فشل المؤتمر الوطني العراقي في تقديم كشوف محاسبية كاملة عن ملايين الدولارات التي حصل عليها كمساعدات اميركية سرية. ويتعجب السفير الاميركي السابق في السعودية جيمس آكنز قائلا: «جلبي له معارف في الكونغرس اكثر من معارفه في العراق». والآن يخشى الكثيرون في العراق من ان التشظي الذي تعرض له البلد سيزداد ليرتسم وفق الخطوط الفئوية ما لم يتم فعل شيء بسرعة: الشيعة ضد السنة، المسلمون ضد المسيحيين، المتدينون ضد العلمانيين، الاقوياء ضد الضعفاء، الاكراد ضد العرب. والعنف الكردي ضد العرب قد بدأ بالفعل، فيوم الجمعة الماضي اتى مسلمون اكراد لبيت حمودي محمد عيسى الذي كان قد اتى الى كركوك من مزرعته ليرى عائلته في حي حدادين. سمع صمودي المسلحين يصرخون: «نحن نعرف انكم عرب، افتحوا الباب». وبدأ صوت الطلقات. خرج صمودي الى الباب ليحييه القادمون بصلية رصاص «أعطنا مفاتيح السيارات لنتركك حيا!» وأعطاهم المفاتيح ليغادروا بعد دقائق بسيارتي بيك آب يملكها الرجل، يقول صمودي: «الآن فقدت اثمن ما املك، ولم اعد استطيع ادارة المزرعة. لكني على الاقل مازلت حيا». غير ان آخرين لم يبقوا على قيد الحياة فقد اطلق اكراد الرصاص على مهدي مالي وهو من الاقلية التركمانية في كركوك وقتلوا خمسة لانه رفض اعطاءهم مفاتيح سيارته. ومؤخرا كان هناك الكثير من القتلى وأكثر منهم جرحى. طوال يوم الجمعة الماضي كان المواطنون الغاضبون والخائفون يتجمعون في مكتب الحاكم السابق وسط كركوك، وعلى بعد امتار منهم كان تمثال لصدام حسين ملقى على ارض الشارع. وفي داخل المكتب كان الزجاج المكسر وصور الرئيس السابق المحطمة يغطيان الارض، وفي مكتب الحاكم نفسه جلس المقاتلون الاكراد على الارائك مع اسلحتهم. وفجأة شق فريق من القوات الخاصة الاميركية الجموع الى الداخل الحافل بالفوضى. وبعد دقائق خرجوا وهم يجرون رجلا في اواسط العمر امام الجميع. صرخ احدهم: «لماذا تأخذونه، انه رجل طيب؟». دخل الاميركيون سيارة الحبيب واطلقوا النار لتفريق الحشد وابتعدوا مرورا بمبنى البلدية المحترق. وغير بعيد عنا سمعنا صوت رشاش. وبعد افراغ اللصوص للسوق من كل ما فيه تحولوا الى المستشفيات، سقطت كركوك صباح الخميس بعد قتال وجيز، وفي اليوم الثاني غرقت المدينة في موجة سلب ونهب رغم دخول آلاف المقاتلين الاكراد. وعلى الرغم من ان النهب في بغداد كانت موجته اشرس فإنها في كركوك اخذت ابعادا عرقية تنذر بالسوء لاعمار العراق بعد الحرب، لا احد متأكد من الجانب الذي يقوم بمعظم النهب، بعضه تم على يد سكان المدينة وبعضه قام به المقاتلون الاكراد من الحزبين الكرديين الرئيسيين في المنطقة، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، غير ان معظمه على ما يبدو تم على يد لصوص استغلوا الفرصة وأتوا للمدينة للاستفادة من الفوضى، غير ان المؤكد هو ان الاقليتين العربية والتركمانية في كركوك عانتا الكثير. ولم يفعل القادة العسكريون الاكراد سوى القليل جدا لفرض النظام ويوم الجمعة قال رستم كركوكي من الاتحاد الوطني الكردستاني انه اصدر اوامره باعتقال اللصوص مع انه اعترف بأن احدا حتى الآن لم يعتقل. وأقام مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني نقاط تفتيش على الطريق الى كركوك وصادروا السيارات التي اعتقدوا انها مسروقة. غير ان « الاوبزرفر» وعلى بعد اميال قليلة فقط من مركز المدينة شهدت عيانا رجالا من مجموعات غير محددة يطلقون النار على السيارات من بنادق الكلاشينكوف لاجبارها على التوقف. قال رستم: «إننا ننتظر الاميركيين، من المفترض ان يكونوا هنا الأحد» ومع حلول مساء الجمعة لم تكن هناك سوى بضع عشرات من جنود القوات الخاصة. وأقل من مئة من القوة المحمولة جواً موجودين لضمان امن مدينة سكانها 600 ألف نسمة. وفي الموصل اكبر مدن الشمال كانت الامور اكثر سوءا فالجيش العراقي تفاوض على الاستسلام وتفكك بالكامل، واندلعت عقب ذلك الفوضى العارمة. وكل ما استطاعت القوات الاميركية فعله هو الاطاحة بالمدينة التي يزيد سكانها عن مليون نسمة ومراقبة دخان الحرائق وهو يملأ السماء والنهب على قدم وساق. واللصوص اقتحموا البنك ورموا برزم الدنانير العراقية في الهواء قبل سرقة اكياس بأكملها من العملة. كما لم يحاول المقاتلون الاكراد حفظ النظام ايضا وانشغالهم بالتوجه جنوبا نحو كركوك قد دفع بالاتراك الذين حشدوا ثلاثين الف جندي على الحدود العراقية للتهديد بالغزو ما لم ينسحب الاكراد منها، وبالنسبة للأكراد كان من شأن التحرك نحو الموصل ان يكون استفزازا للاتراك ولهذا حذرهم الاميركيون من الدخول اليها، وبعد دخولهم المدينة يوم الجمعة عاد المقاتلون الاكراد للانسحاب منها. لكن شأن العنف العرقي في كركوك يمثل ما حدث نذيرا بما يمكن ان يشهده المستقبل من مشكلات فالاتراك يخشون من ان الاكراد قد يعلنون دولة مستقلة لهم اذا ما سيطروا على كركوك وحقولها النفطية الكبيرة والموصل. وفي الامس بدأ المراقبون العسكريون الاتراك يدخلون كركوك لمراقبة الانسحاب الكردي العسكري منها وتسليمها للأميركان. وكان مراقبون آخرون في طريقهم للموصل للتأكد من ابتعاد الاكراد عنها. الاسبوع الماضي قال لي احد العراقيين من المفكرين: «كنا نخاف من صدام حسين، لكنه كان يبقي العراق موحدا وآمنا. اما اليوم فقد مضى صدام والخوف منه، ومع ذلك نشعر بخوف اكبر من السابق». هذا هو الشيء الذي يحرص الاميركيون والبريطانيون على حله، فهم يعرفون ان عيون العالم تراقب ما يحدث وهم لذلك عازمون على اقرار الامن لضمان ألا تشوب نصرهم شوائب الاضطرابات المدنية المطولة وهناك الآن خطط لفرض حظر تجول ليلي في بغداد. لقد انتصروا في الحرب، وهم يعملون الآن على الانتصار بالسلم. ترجمة: جلال الخليل _ عن «آوبزرفر»