الاربعاء 14 صفر 1424 هـ الموافق 16 ابريل 2003 في آسيا الوسطى لا يختلف الوضع تناقضاً وتعقيداً عن باقي أجزاء الاتحاد السوفييتي السابق، وهنا أيضاً ولأسباب شبيهة تقريباً بتلك التي رأيناها في ترانس قوقازيا تواجه روسيا الطموحات نفسها المنافسة لطموحاتها، وهي طموحات الولايات المتحدة البترولية والاستراتيجية من ناحية وطموحات كل من تركيا وايران ذات الطابع الثقافي من ناحية أخرى. فعلى غرار أذربيجان تتحدث كل آسيا الوسطى اللغة التركية باستثناء طاجيكستان التي ينطق سكانها باحدى اللغات الفارسية. وبالاضافة الى ذلك تنتسب الشعوب الاسلامية لكل هذه البلدان الى المذهب السني باستثناء القيرغيزيين الذين يتبعون المذهب الشيعي. ومما لا شك فيه ان هذه العناصر تعمل لصالح دبلوماسية أنقرة، وفي الدرجة الثانية لصالح دبلوماسية طهران. أما تركمانستان الواقعة على الضفة الأخرى لبحر قزوين والتي يحكمها الرئيس مراد نيازوف فهي عبارة عن صحراء شاسعة تكاد تعادل مساحة فرنسا يقطنها أربعة ملايين نسمة. لكن احتياطها من النفط يأتي في المرتبة الثالثة ان لم تكن الثانية عالمياً، ولذلك يجتهد قادتها من ناحيتهم في اثارة التنافس ما بين كل الذين يهمهم هذا المخزون المهم. لكن هذه الثروات الهائلة تكاد تكون غير مستغلّة في الوقت الحالي باستنثاء جزء من احتياطي الغاز الذي لا تزال صادراته لأسباب تاريخية وجغرافية محتكرة من قبل الشركة الروسية غازبروم وهو الاحتكار الذي يدفع نيازوف ثمنه غالياً. ففي عشق آباد اذن يسعى المسئولون الى ايجاد بديل مرض لهذا الوضع المزعج وتتطلع الأنظار الى كل الاتجاهات الأخرى الممكنة، ناحية أذربيجان، وأبعد من ذلك ناحية تركيا فيما يخص البترول وناحية ايران وأفغانستان فيما يتعلق بالغاز. غير ان أذربيجان تظل في هذا الشأن مترددة ما بين استراتيجيات عديدة. فالحل الايراني الذي يبدو الأكثر منطقية لا يزال يواجه تحفظات أميركية جد قوية، أما الحل الأفغاني الذي يحظى بالأولوية على الورق فلا يزال ينتظر انفراج الأجواء المضطربة المخيمة الى الآن على كابول. وفي انتظار ذلك تظل تركمانستان التي تمارس لهذه الأسباب مجتمعة سياسة الكرسي الشاغر في اتحاد الدول المستقلة التي أصبحت عضواً فيها، تتخبط في مصاعب اقتصادية واجتماعية هائلة، في حين يظل رئيسها يمارس حياة البذخ والترف في قصره الفاخر الفخم. النقطة الساخنة أما كازاخستان وأوزبكستان اللتان يحكمهما الرئيسان نور سلطان نزار باييف واسلام كريموف «الديمقراطيان الكبيران» اللذان كانا هما الآخران رئيسين لحزبيهما الشيوعيين، فانهما لا يثيران لروسيا أي مشكلات مهمة، في الوقت الراهن على الأقل، بل انهما يعتبران شريكين وفيين لموسكو داخل اتحاد الدول المستقلة على الرغم من سعيهما الدائم نحو تطوير علاقاتهما مع باقي الجيران وكذلك مع الولايات المتحدة التي تضاعف من ناحيتها مؤامراتها ودسائسها البترولية والدبلوماسية وحتى العسكرية في هذين البلدين. أما كازاخستان، هذا البلد الصحراوي أساساً الممتد على أكثر من 000,700,2 كيلومتر مربع والذي يقطنه ستة عشر مليون مواطن نصفهم تقريباً من الناطقين بالروسية - التي لا تتحرج من تطوير تعاونهما ولا سيما البترولي مع الصين - فقد أبرمت مع روسيا عام 1996 اتفاق اتحاد جمركي انضمت اليه كل من بيلوروسيا وقيرغيزستان. وقد وقعت موسكو وألماتي (المآتا سابقاً، الواقعة على حدود كسينجيانج الصينية والتي فقدت في ديسمبر 1997 موقعها كعاصمة للاقليم لصالح أكمولا في وسط شمال البلاد والتي لا يزال الروس يشكلون أغلبية سكانها المهددين اليوم بمضايقات الموظفين الكازاخ) أيضاً على اتفاقيات مهمة في المجال العسكري والفضائي. وقد قبلت كازاخستان عام 1995، على غرار أوكرانيا بأن تعيد الى روسيا كل الرؤوس النووية التي كانت موجودة على أراضيها. ومن ناحية أخرى فقد وضعت في السنة نفسها مركز بايكونور الفضائي تحت السلطة القانونية الروسية لفترة تمتد لعشرين عاماً. وبذلك يظل التعاون ما بين الجيشين وثيقاً جداً. أما أوزبكستان، الأكثر سكاناً وكثافة (ما يقرب من ثلاثة وعشرين مليون نسمة موزّعين على أقل من 000,500 كيلو متر مربع) والأفضل بموقعها الجيوسياسي المميّز بحدودها المشتركة مع كافة بلدان آسيا الوسطى الأخرى بما في ذلك أفغانستان، باستثناء كسينجيانغ التي تظل حدودها غير بعيدة مع ذلك، فانها تعتبر نفسها كوريث لأمبراطورية تاميرلان المدفونة في سمرقند. كما أنها تعلّل نفسها بطموحات شبه اقليمية كثيراً ما تسبب القلق لكافة جيرانها. كما أنها تنتهج سياسة أكثر اصراراً وعزماً على التخلص من النفوذ الروسي والتي تصل الى حد الاستفزاز أحياناً. ولما كانت أوزبكستان بلا حدود مع القوة الوصية السابقة فضلاً عن التناقص المنتظم لسكانها الناطقين بالروسية (أقل من 6% اليوم) فانها تعبر عن استعدادها لأسباب تجارية للتوقيع على اتحاد جمركي مع روسيا مثلما فعلت كازاخستان، ولكنها ترفض كل تعاون عسكري معها اللهم الا في أضيق الحدود. غير أنها في المقابل لم تتردد في التوقيع عام 1995 على اتفاق للتعاون العسكري مع الولايات المتحدة بل ولقد قدمت ترشيحها بالانضمام الى منظمة معاهدة الأطلسي الشمالي. أما قيرغيزستان الذي تضطرم فيها توترات اقليمية وعرقية قوية ما بين الشمال ذي الأغلبية القيرغيزية وحيث تقع عاصمته بشكيك والذي ينحدر منه رئيس البلاد أسكار أكاييف، وما بين الجنوب الغربي الذي تقيم فيه أقليات أوزبكية قوية ولا سيما حول مدينة أوش الواقعة على حدود أوزبكستان، فلا تزال في حاجة ماسة الى القوة الروسية لتحقيق استقرارها والحفاظ على وحدتها. لكن طاجيكستان تظل بالتأكيد النقطة الساخنة الحقيقية في آسيا الوسطى منذ العام 1990، ولذلك وبالاتفاق الكامل مع قادة جمهوريات آسيا الصغرى الأربعة الأخرى المتخوفة جميعها من الصحوة الاسلامية التي باتت نشطة في كل المنطقة، وبتشجيع من بكين أيضاً، بسبب كسينجيانغ، فقد تورط الجيش الروسي بشكل مكثف في الصراع الاستراتيجي المهم الذي لا تعرف نهايته، المحتدم في هذه الجمهورية ما بين محميّيها من أصحاب الامتيازات السوفييتية الاستثنائية القديمة (النومنكلاتورا) وما بين خصومهم الاسلاميين المدعمين من قبل العديد من الجماعات الأفغانية الاسلامية. وبذلك بالفعل تصبح دوشامبي مسرحاً لاستمرار الحرب الضائعة في كابول. وأخيراً لا يسعنا ان ننهي هذه الالمامة حول الوضع الحالي للعلاقات ما بين روسيا وباقي جمهوريات الاتحاد السوفييتي الفيدرالية القديمة دون الاشارة الى التهديدات التي تخيم على المدى البعيد على شرق روسيا الأقصى - الذي يتناقص سكانه الناطقون بالروسية - حتى وان كانت هذه المناطق تشكل هي الأخرى جزءاً من فيدرالية روسيا. فالصينيون الآن يتظاهرون بعدم الاهتمام بهذه المسألة ولكن مما لا شك فيه أنهم لن يتنازلوا عن مطالبهم في استعادة الأراضي الواقعة في ما وراء أمور وأوسوري التي أخذها القياصرة منهم في القرن التاسع عشر حين فرضوا على الأسرة المالكة مادشو «معاهدات غير عادلة». في هذا الجزء نفسه من العالم لا يزال الروس من ناحية أخرى يعانون من تسمّم العلاقات بينهم وبين اليابان بسبب مسألة الجزر الأربع الصغيرة الواقعة الى الجنوب من شبه جزيرة كوريل. فقد استولوا على هذه الجزر اثر الحرب العالمية الثانية ويرفضون الى الآن اعادتها الى أصحابها وبذلك فهم يحرمون أنفسهم من رؤوس أموال يابانية ثمينة هم في أمس الحاجة اليها لتطوير هذه الأراضي التي بحكم موقعها الاستراتيجي في أقصى الشرق قد جعلت الصينيين يصبون اليها أيضاً. لكن هذه الجزر المهمة تقع على مشارف مضيق أوخوستك ولذلك يتمنى الأميرالات الروس الاحتفاظ بها لتظل ممراً آمناً لعبور بواخرهم من فلاديفوستوك وبحر اليابان في المحيط الهادي. استعادة الهيبة هكذا اذن تسير الأمور في اتحاد الدول المستقلة التي تجري فيها الرياح بما لا تشتهيه السفن، شأنها في ذلك شأن روسيا التي لم تخرج بعد من «زمن الاضطرابات» الجديد الذي أوقعها فيها ميخائيل غورباتشوف باسم الليبرالية السياسية وبوريس يلتسين باسم الليبرالية الاقتصادية. ان المغامرة الشيوعية على نحو ما أرادها وطبقها لينين وستالين لم يكن لها ان تنتهي على غير ما انتهت اليه فعلاً. هكذا يقول المراقبون الذين سرعان ما ينسون أنهم ذهلوا بمفاجأة انهيار الاتحاد السوفييتي. فحتى وان كان من العبث محاولة اعادة كتابة التاريخ فان من الممكن ان نتصور أنه لولا هذين المغامرين لكانت الأمور اختلفت كثيراً. وذلك على أي حال هو ما يفكر به ويردده الآن الكثير من الروس وكذلك البيلوروسيون والأوكرانيون والجيورجيون وغيرهم من الكازاخيين أو الطاجيكيين الذين يواجهون جميعاً مشكلات كبيرة ومعقدة تدفعهم اليوم الى القول بأنه حتى وان لم تكن حصيلة الاتحاد السوفييتي في مجملها ايجابية بالقدر الذي تصوره جورج مارشيه فان آثار الفوضى التي أعقبت ذلك الانهيار كانت في مجملها أكثر سلبية مما تصوره الكثير. لقد تداعى كل شيء، الايمان بمستقبل أفضل وبنظام اجتماعي يؤمن لكل واحد قدراً أكبر من العيش الكريم حتى مع استمرار هيمنة أصحاب الامتيازات الاستثنائية، الاعتزاز بالانتماء الى قوة كبرى كانت مهيمنة أو على الأقل مؤثرة تأثيراً بالغاً في نصف الكرة الأرضية وكانت السباقة الى غزو الفضاء. فالروس اليوم تعسون وخائبون - باستثناء بعض «البويار» (أي النبلاء الأثرياء) وبعض آلاف من الشباب الأرعن من أبناء هؤلاء النبلاء أو أحفادهم الذين بهرهم نمط الحياة الأميركي. في نهاية الأسبوع الأول من سبتمبر عام 1997 احتفلت موسكو بكثير من البذخ بالذكرى 850 لتأسيسها. كانت الاحتفالات الضخمة التي افتتحت على ساحة الكاتدرائيات داخل حرم الكرملين على حساب رئيس بلديتها الانتهازي يوري لوجوكوف وهو «أباراتشيك» شيوعي سابق ممن اعتنقوا فضائل الليبرالية الاقتصادية الملطفة بالاستبدادية المطلقة. قبل ذلك بيومين وليس بعيداً عن هذا المكان كرست كاتدرائية «المسيح المنقذ» الجديدة على حساب كوكاكولا والعديد من المصرفيين المشبوهين في موقع الكاتدرائية القديمة التي كان ستالين قد أذن بهدمها حتى يقيم مسبحاً على أنقاضها. وبعد مرور يومين على تلك الاحتفالات الشعبية أقيم الحفل الختامي في الساحة الحمراء بسهرة موسيقية أحيتها فرقة لوشيانو بافوروتي بحضور ستة آلاف مدعو - أداروا ظهورهم لضريح لينين - اختيروا من ا لعصر الروسي الجديد وشخصيات أجنبية عديدة من المتحمسين أو الساخرين. أما الذين لم يدفعهم الفضول الى رؤية ما كان يجري وراء الديكور فلم تكن هذه الاحتفالات الغريبة المنفّرة سوى صورة صارخة لموسكو اليوم. لقد باتت عاصمة الشيوعية العالمية القديمة ذات الشوارع الشاحبة التي لا تسلكها سوى السيارات الرسمية بستائرها المسدلة، والحافلات المنهكة والشاحنات الثقيلة، تشهد اليوم اختناقات مرورية تذكرك بالمدن الغربية الضخمة التي تستورد موسكو منها اليوم الآلاف من أفخم السيارات. وفي وسط المدينة التي تكاد الاضاءة تنعدم في شوارعها ذات الواجهات القذرة المسودة بالدرن والغبار المتراكم نجد المباني الصغيرة القديمة وفنادق ما قبل الثورة التي استأثر بها الأغنياء الجدد وقد استعادت ألوانها الباهية الوردية والصفراء والخضراء والزرقاء- كالكنائس بقببها البصيلية (أي في شكل البصلة) ذات البياض الناصع - أما «ناطحات سحاب» ستالين ذات القمم الهرمية فقد احتجبت وراء الأبراج الحديثة الجديدة التي احتوت البنوك الكبرى والمراكز التجارية الضخمة على غرار مدينة لندن وميلانو وفرانكفورت أو «فاست فود» لُُن-َُّّفن في أميركا، ناهيك عن مجتمع «ماكدونالدز» المنتصب بلا حشمة في ساحة بوشكين. فالآن كل ما تشتهيه الأنفس متوفر في المحلات التجارية. ولو خرجنا من هذا المحيط الذهبي الذي يمتد ما بين تفيرسكيا (شارع تغير) وكوزنتسكي موست (الحي الفرنسي القديم لما قبل عام 1917) مروراً بساحة ستاريا بلوتشاد القديمة، وهو في ذات الوقت اقليم الحكومة والرئيس والبنك المركزي لأدركنا ان وراء هذا «الديكور البوتنكيني» (نسبة الى الأمير بوتنكين الذي شيده بآلون الرأسمالية المتوحشة أرباب البلاد الجدد) تنتصب مدينة مختلفة كل الاختلاف وهي نفسها التي كانت في عهد بريجنيف بشوارعها المليئة بالحفر وبناياتها الرمادية الهرمة التي يتكدس فيها من دون أي مظهر من مظاهر الرفاهية نحو تسعة ملايين من الموسكوفيين الذين يعانون أسوأ الظروف المعيشية حيث يمارسون بعض الأعمال الاضافية يكملون بها أجورهم الضعيفة (بمعدل 900 فرنك فرنسي شهرياً) أو مرتباتهم التقاعدية الزهيدة التي لا يتقاضونها بانتظام بينما اختفت الامتيازات العينية التي كانوا يتمتعون بها في السابق (الايجارات الرمزية ومجانية التعليم والصحة) اختفاء كلياً. رياح المتاعب مما لا شك فيه أنهم أساءوا كثيراً، ذلك السكير يلتسين وعصابته من الطغاة المهووسين باختلاس أموال الدولة، الآباراتشيك الشيوعيين الذين أصبحوا بين عشية وضحاها ستاخانوفيين من تراكم رأسمال المال في سويسرا، باسم المزايا التي اكتشفوها فجأة عن اقتصاد السوق ومن عقيدة سلفهم الموجيك الأرثوذكسية ما أغرب هؤلاء الأتقياء الجدد وهم يحيون عند كل عيد من أعياد الفصح «عودة يسوع المسيح» واقفين أمام الفاصل الأيقوني وهم يحملون شموعاً صغيرة بيضاء في أيديهم الغليظة. ففي هذا المناخ من الفوضى الفكرية والأخلاقية الكبرى وقع الانهيار السياسي لاتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية في عهد غورباتشوف الذي أعقبه الانهيار الاقتصادي لروسيا في ظل يلتسين - نتيجة لموجتين كبيرتين من الاصلاحات المشؤومة التي شرع فيها ابتداءً من العام 1992 والتي كان مخططاها على التوالي ايغور غايدار وأناتولي تشوبايس. فقد قوّض الأول وهو من أنصار العلاج بالصدمة كل نظام العلاقات الأفقية والعمودية للاقتصاد الاشتراكي القديم (الذي كان حل الحزب الشيوعي قد أضعفه). فقد كان هذا النظام على أية حال يشتغل بشكل عادي حتى وان لم تكن أداءاته في بعض القطاعات وليس كلها (ولنذكر على الخصوص الفضاء والبحث العلمي) عالية الجودة. أما المكار الثاني أناتولي تشوبايس فقد ربط اسمه بسياسة «الخصخصة» أي بتحويل التراث الصناعي والمالي للدولة الى بضع مئات من أصحاب النفوذ والامتيازات الخاصة القدماء مثل رئيس الوزراء الحالي فكتور تشرنو مردين الذي آلت اليه دون ان يدفع كوبكاً واحداً (نقد روسي يعادل واحداً من المئة من الروبل) ملكية واحد من أكبر الاتحادات الصناعية في البلاد العاملة في قطاع المحروقات الاستراتيجي ألا وهو الغازبروم الذي لم يكن فيه سوى مدير مأجور. وبذلك تحول بين عشية وضحاها الى رجل ثري، فقد أحدثت هذه «التحولات البنيوية» المطهرة كما يقال في المصطلحات الجديدة من قبل المؤسسات المالية الدولية انخفاضاً هائلاً في الانتاج (انخفض المنتوج القومي الداخلي الخام الى النصف ما بين 1992 و1997) وتضخماً بثلاثة أرقام (بل وأربعة: 1500% عام 1993) في خلال ثلاث أو أربع سنوات، بينما انتقل تكافؤ الروبل بالنسبة للدولار من دولار واحد مقابل روبل واحد الى دولار واحد مقابل ستة آلاف روبل (أي ستة «روبلات جديدة» منذ اصلاح 1 يناير 1998 الذي أنشأ «الروبل الثقيل» باقتطاع ثلاثة أصفار - كما كان الشأن في فرنسا في عهد «بينية» حيث أنشئ «الفرنك الثقيل» باقتطاع صفرين: انها اصلاحات ذات أهمية عملية ولكن دون تأثير على (تكافؤات الصرف). بذلك أصبح الملايين من الناس عاطلين عن العمل وتعرّض الملايين من المدّخرين للافلاس الذي تعرضت له الدولة برمتها أيضاً. وبذلك سرعان ما أصبحت هذه الأخيرة نتيجة نقص التحصيل الضريبي - ناهيك عن الاختلاسات والتبذير والتبديد، عاجزة على الالتزام بمعظم تعهداتها بما في ذلك واجباتها السيادية مثل صيانة جيشها (الذي قسمت القروض المخصصة له منذ عام 1991 على أربعة عشرة) أو متابعة جهدها الفضائي الذي ظل يمثل مفخرة روسيا. وما أسطول البحر الأسود الذي بات الصدأ ينخره في سيباستوبول ومغامرات المحطة الفضائية «مير» الفاشلة والهجوم على الشيشان من قبل الجيش الأحمر القديم الا صور معبرة عن هذا الشلل المالي المتفاقم باستمرار. رويداً رويداً أصبح الاقتصاد الروسي هرماً ضخماً من السندات غير المدفوعة فبات بذلك أكثر فأكثر تعرضاً للانهيار. فمن أوجه عديدة أصبح اقتصاد روسيا يحمل مواصفات اقتصاديات العالم الثالث حيث لا يعيش الا على صادراته من المواد الأولية بعد ان أصبح ضحية لهروب رؤوس أموال هائلة تقدر بأكثر من عشرين مليار سنوياً (ومعظمها مداخيل لهذه الصادرات تظل مجمدة في الخارج على حسابات خاصة) تنخره الرشوة على كل المستويات وكذلك الجريمة المنظمة (أصبحت موسكو اليوم شيكاغو الثلاثينيات: فالكثير من الخلافات المرتبطة بالأعمال تحسم بالرشاشات. وكما هو الشأن في العالم الثالث أصبح أكثر من ربع السكان أي نحو 36 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر حيث يقدر الدخل الشهري رسمياً بـ 300 فرنسك فرنسي، ناهيك عن تراجع متوسط العمر وتناقص المدرسين واختفاء الطبقات المتوسطة. وفي المقابل فقد نشأت طبقة من الأقلية الحاكمة المستقرة المغلقة، سيدة البلاد - نحو خمسين الى مائتين من البويار (الأغنياء) الذين كانوا في «دولة الاشتراكية» القديمة وخير من تنطبق عليهم مقولة برودون الشهيرة: «الملكية هي السرقة». ولكن هل ستثب روسيا من جديد؟ لا تزال هذه القوة النووية العظمى والعضو الدائم في مجلس أمن الأمم المتحدة والمزودة بموارد طبيعية هائلة تحتفظ بالرغم من الانهيار الاقتصادي بأوراق رابحة قوية - لكن الولايات المتحدة رغم اصرارها على ألاّ تستعيد هذه الدولة مكانتها العالمية كقوة عظمى فانها لا تدّخر جهداً في مراعاة جانبها لما تراه فيها من أهمية في لعبة التوازنات الدولية الكبرى التي تريد ان تكون الآمر الوحيد فيها. لكن البلدان الرأسمالية الأخرى وشركاءها وكذلك الصين لا تستغني عنها أيضاً. وينتج عن ذلك ان روسيا بالرغم من تقلصها يظل هامش التحرك الدولي لقادتها من الأهمية التي يعتدّ بها. فلا يزال هؤلاء القادة الذين ورثوا خبرة دبلوماسية عالية يستعملونها بكثير من المهارة والحنكة. لكن لا بد من القول ان الحفاظ على موقع هام في العالم شيء واستعادة دور الهيمنة المفقود شيء آخر. نهضة روسيا غير أنه من المؤكد ان نهضة روسيا تظل مرهونة بها هي نفسها. وتلك مسألة سياسية وأخلاقية بسيطة ليس من الصعب البحث عن الحل المناسب لها حتى وان ظل تطبيق ذلك الحل أمراً مستعصياً. كيف يمكن اعادة أصحاب الامتيازات والنفوذ (البويار) الجدد الى الصواب والزامهم بالاستقامة؟ ومن سيقدر على ادراكه وفعله كما فعله قديماً ايفان الرابع وبيير الأول ذلك الرجل الذي يعتبر حسب التحريات وسبر الآراء أكثر زعماء روسيا شعبية على الاطلاق؟ من سيقدر على اخراج روسيا من «عصر الاضطرابات» الجديد الذي أوقعها فيه غورباتشوف منذ أكثر من عقد من الزمن وأنهى يلتسين من بعده اغراقها الكامل فيه؟ ومن سيعيد للدولة هيبتها؟ انه بكل تأكيد ليس رئيسها الحالي ذلك المستبد المتذبذب النزوي الذي نفدت جميع طاقاته ووسائله والذي يمكن ان يختفي في أي لحظة! فالآن لا أحد يتوقع رجلاً بحجم بيير الكبير على قمة الحكم في موسكو. وليس أدل على ذلك من شخص الجنرال ألكسندر ليبيد القوي الذي لعب الوقت ضده فأقيل قبل ان يثب وثبته لأنه لا يملك آذان رجال الأعمال ولا صلة له بالشيوعيين ولا يستأثر بالوطنية. ولكن هل يمكن بالفعل رفع التحدي يوماً على يد أحد هؤلاء البويار الجدد أنفسهم ربما ينجح في فرض قانونه على الآخرين مثلما فعلت المافيا في صقلية؟ ألم تؤسس كل العائلات المالكة على هذا المنوال؟ محارب لا ذمة له يملك ما لا يملكه الآخرون من الموهبة والعزم ينجح في جعل الآخرين يمنحونه الاخلاص والولاء ثم يصيرون خاضعين له ويأتمرون بأمره، مع بالطبع، مباركة أعلى السلطات الدينية في البلاد له. فمن وجهة النظر هذه بالذات لا تزال روسيا تملك ورقة رابحة قوية في يدها ألا وهي ذلة وعبودية البطريركية ازاء السلطة السياسية كلما مورست هذه الأخيرة بطريقة محكمة. وفي انتظار مجيء ذلك القيصر المحتمل الجديد، تظل قدرة روسيا على تقويم أوضاعها السيئة غير مؤكدة. فالجميع في موسكو متفق قولاً على ضرورة القيام دون تأخر باصلاحات جديدة أي بمحاربة الرشوة أولاً. أما عملياً فلا شيء يتحرك في اتجاه هذه الاصلاحات وليس من الصعب ان ندرك أسباب كل ذلك. فالدولة صارت رهينة للأقلية الحاكمة الجديدة، هناك قبل كل شيء بوريس يلتسين نفسه الذي يدين لها باعادة انتخابه الصعب في تموز 1996 بينما كان جسدياً مشرفاً على الموت وسياسياً مهدداً من المرشح الشيوعي غنادي زوجيانوف لسان حال ضحايا الانفتاح الاقتصادي الذين لا حصر لهم وآخرين لا يقلون عنهم عدداً ممن يحنون الى عهد الاتحاد السوفييتي الامبريالي. فقد صارت الأموال تتدفق بغزارة عند اقتراب الاقتراع وقد صارت الجرائد والقنوات التلفزيونية التي كان معظمها بين أيدي أصحاب الامتيازات والنفوذ «تقمع» المواطنين. بعد ذلك لم يتردد على لسان الناس سوى سؤال واحد: «من صنع منك ملكاً؟» وعاد فكتور تشيرنوميردين الى منصبه كرئيس للوزراء يرافقه نائبان لرئيس الوزراء أناتولي تشوبايس أب «الخصصة» وأبغض رجل في روسيا اليوم لم يظهر فجأة الاخلال الانتخابات بعد اختفائه عن الساحة السياسية لشهور طويلة، ثم بويس نمستوف ذلك الذئب الذي جلب الأنظار اليه بتسييره على رأس مقاطعة نيني نوفجورود: ثلاثة رجال يمكننا التأكيد رغم بعض التصريحات المضادة بأنهم لن يتحسروا على التصدي لجماعات الضغط العسكرية الصناعية الزراعية القديمة التي لا تزال ترابط في مواقعها، الجماعات المصرفية والصناعية الجديدة و «الاحتكارات الطبيعية» مثل غازبروم، ولا الى الادارات الاقليمية التي صارت أكثر فأكثر استقلالاً عن الكرملين في هذا الأرخبيل الديموغرافي الشاسع المتبقي تحت اسم روسيا، دون ان ننسى بعض رؤساء البلديات المستقلين هم أيضاً كرئيس بلدية موسكو المحصّن يوري لوجكوف صاحب واحدة من أكبر الشركات العقارية والتجارية في البلاد (بنك موسكو، تلفزيون الوسط، سيارات زيل وموسكفيتش والفندقان الشهيران متروبول وناشيونال والعديد من المراكز التجارية وعدد من العمارات وشركة بترولية ضخمة الخ...). ولكن ألا يمكن ان يصبح لوجكوف هذا بعد اختفاء يلتسين أو بواسطة الانتخابات الرئاسية المقررة لسنة 2000 قيصر البلاد الجديد؟ مما لا ريب فيه ان روسيا سوف تبعث من جديد آجلاً أم عاجلاً، ولكننا لا نعرف متى سيحدث ذلك. ولكن في انتظار ذلك ها هو روستروبوفتش يترك قوس كمانه لكي يخرج من جيبه حفنةً من الروبلات هي مساهمته الشخصية في تمويل اعادة بناء كاتدرائية.