الثلاثاء 13 صفر 1424 هـ الموافق 15 ابريل 2003 يجب ان نعترف بأن اميركا تملك قدرة عسكرية تقنية مذهلة. فقد انتصرت على العراق خلال فترة قصيرة وبثمن منخفض. عدد المواطنين العراقيين الذين أصيبوا ومدى الدمار الذي تسببت به الحرب صغير نسبيا. من هذه الناحية يمكن القول ان السوداويين المتشائمين قد اخطأوا في توقعاتهم. ولكن هل يعني ذلك ان معارضي الحرب قد اخطأوا؟ وهل يحول النصر السريع هذه الحرب الى حرب أكثر عدالة؟ وهل سيكون العراقيون من الآن أحرارا أكثر من السابق وسيكون العالم أفضل من سابق عهده؟. صحيفة «صن» اللندنية نشرت مؤخراً رسما لمهداف وعليه عبارة «الخونة»: جاك شيراك وجيرهارد شرويدر وكوفي عنان ومعارضو الحرب الآخرون الذين يُدعى الجمهور لاطلاق رصاصة عليهم. وهؤلاء لا يستحقون ذلك. موجة من النشوة والفخار تصيب الآن من يؤيدون الحرب ومن بادروا اليها. المحللون سارعوا الى تتويج جورج بوش كأحد كبار رؤساء اميركا، ولكن التاريخ حافل بنماذج الحروب التي انتهت بانتصارات سهلة وسريعة خطفت أبصار الفائزين ولكنها جرت من خلفها كوارث لا تنتهي. بعد حرب 1967 مثلا غرقت اسرائيل في احتفالات النصر، وطوال 35 سنة بعدها ظل دم المنتصرين والمهزومين يراق بلا توقف. ماذا كان لنا في حرب الولايات المتحدة ذات الثلاثة اسابيع ضد العراق؟ اميركا شنت الحرب بسبب خطر قالت انه يحدق بأمن العالم. هذا الخطر لا يستند الى أدلة مثل اسلحة الدمار الشامل حتى الآن. هذا السلاح قد يكتشف ربما - وربما كان المفتشون سيجدونه من دون حرب - ولكن ليس من الممكن تجاهل حقيقة ان العراق لم يستخدمه خلال الحرب في كل الاحوال، لا إبانها ولا عندما أصبح ظهره الى الجدار، كما كانوا يتوقعون. كما ان هدف الحرب المعلن الثاني «تحرير العراق» لم يحرز حتى الآن. النظام الاستبدادي أسقط فعلا، ولكن أحدا لا يعرف ما اذا كانت ستحل محله سلطة استبدادية اخرى وربما أكثر سوءاً. صدام حسين لم يكن هتلر ولا ستالين حتى، كما قال عنه دونالد رامسفيلد. فقد كان حاكماً استبداديا ولا تشبهه الا قلة قليلة في العالم. العراق المحرر من ظلمه واستبداده قد يجد نفسه في ظل نظام أكثر ظلامية بحيث يصبح تهديدا أكبر للسلام والأمن العالميين. العراق الدولة التي لم تكن مركزا للنشاطات الارهابية الدولية قد تتحول الى قاعدة لها لاحقا. ايضا بالنسبة للشعب العراقي يمكن القول ان زغاريد الفرح هي مبكرة جدا. من السهل تفهم مشاعر المحتفلين، ولكن التحرير الذي يبدأ بالسطو والفوضى العارمة لا يحمل بشائر الخير معه. من قارن تدمير تماثيل صدام حسين باسقاط سور برلين عليه ان يتمعن في الفوارق بين الامرين الالمانيون الشرقيون أسقطوا الجدار الذي سجنهم ولكن بأيديهم هم، وبعدها توجهوا للغرب حيث الحرية. أما تماثيل صدام فقد كانت دبابات اميركا هي التي أسقطتها، أما الشعب الحر فقد ذهب لنهب قصوره. هذا الشعب قد يجد نفسه قريبا في حرب أهلية مريرة. حقيقة ان مشاهد سور برلين واسقاط تماثيل صدام قد بثت في مشاهد حية لا تحولهما الى وقائع متماثلة. اذا كان تدمير التماثيل لا يحمل في طياته تغييرا أكثر عمقا فانه قد يصبح مسألة هامشية في صفحات التاريخ. رُسل الحرب الذين جلبتهم اميركا الى العراق الآن هم شخصيات مريبة مثل احمد الشلبي المحكوم باثنين وعشرين سنة سجنا غيابيا في الاردن بتهمة نهبه لبنك ومعه 60 من مرتزقته ليسوا سببا للفرح والابتهاج بالنسبة للعراقيين. هناك أُمنية بأن يبزغ فجر جديد الآن في سماء الشرق الاوسط، وليس واضحا بعد اذا كانت ستظهر في العراق ديمقراطية جديدة، والامر المؤكد ايضا انه لا يمكن التنبؤ بانشاء انظمة ديمقراطية في دول عربية اخرى. أضف الى ذلك ان الصراع الاسرائيلي - الفلسطيني ما زال الأكثر خطورة والذي ينطوي على تهديد جدي لسلامة العالم وهذا الصراع لن يسوى الا اذا ما وضعت نهاية للاحتلال الاسرائيلي. اذا أحدث النصر الاميركي السريع فعلا تغيرا عميقا في سياسة اميركا تجاه اسرائيل وتجرأت الادارة الاميركية على المخاطرة لأول مرة في تاريخها ومارست الضغط القوي والمتواصل على حكومة اسرائيل حتى تخرج من المناطق المحتلة، واذا تم التوصل للسلام، فسيكون من الممكن التحدث عن شرق اوسط جديد. من هذه الناحية ومثلما هو الامر من كل ناحية اخرى، يمكن القول ان فرحة النصر مبكرة جدا. ومن المحتمل ان تتمخض المرارة عن شيء حلو المذاق وان ينشأ عن الحرب غير المبررة تغير ايجابي حقيقي. والآن يمكن القول ان من يفاخرون بالنصر السريع والسهل على العراق أبعد من ان يضمنوا ذلك. بقلم: جدعون ليفي _ عن « هآرتس »