الثلاثاء 13 صفر 1424 هـ الموافق 15 ابريل 2003 لو ترك الأمر لأحمد الجلبي ليفعل ما يشاء لكان الآن يحضر اجتماعاً للجماعات العراقية في الناصرية، وهي الخطوة الأولى في زحف ملكي للمطالبة بعرشه الشرعي. ولكن للأسف، فأن الامور نادراً ما سارت بشكل سليم بالنسبة لأشهر متنافس على منصب أول رئيس للعراق الجديد، الذي يفترض ان ينهض من الحطام الذي خلفته القنابل الاميركية. وفي خضم الضباب الذي يكتنف ساحة المعركة، ليس هناك من شيء أكثر ضبابية من الآفاق المستقبلية للجلبي. فقد تم تأجيل الاجتماع لبضعة أيام، على الأقل، ولايزال من غير الواضح من سيشارك فيه وأين سيعقد. وخلال عقد من الزمن، ومنذ أن قام بتأسيس المؤتمر الوطني العراقي، وهو تجمع المعارضة الأبرز في المنفى، كان الجلبي يمثل شخصية مثيرة للخلاف والشقاق. ولكنه مع ذلك، لم يكن أبداً محور استقطاب كما هو الآن عشية ما قدر يكون انتصاره الساحق أو هزيمته الماحقة. والانقسامات لها علاقة بالاختلافات داخل ادارة بوش بقدر مالها علاقة بالجلبي نفسه. ويبدو ان التاريخ يضع قوانينه الخاصة، وهذا هو ما يحدث، بحيث ان رجل اعمال عادي قضى أربعة أخماس حياته خارج البلد الذي ولد فيه، يعتبر شخصية محورية في صراع ستحدد نتيجته بشكل الأحداث في العراق وخارجه. ويعتبر الجلبي بمثابه التوابل الضرورية لطبق أميركي كلاسيكي مؤلف من الطموح والخصومات الشخصية والنزاعات البيروقراطية. ولكن النيران المتقاطعة بين البنتاغون الذي يتولى رئاسته دونالد رامسفيلد وبول وولفويتز ووزارة الخارجية برئاسة كولن باول تغطي على رؤى متنافسة بالنسبة لمستقبل منطقة الشرق الاوسط والعالم الغربي برمته. فبالنسبة للبنتاغون وانصاره من المحافظين الجدد، يعتبر الجلبي، المستقبل، وبالنسبة لوزارة الخارجية، فانه دجال، ومخزن لآمال مفرطة ستنتهي بذرف الدموع.استمع الى حديث المعجبين في البنتاغون وفي مكتب نائب الرئيس وفي العديد من مؤسساتهم الفكرية المحمسة في واشنطن، وستجد أنه من أشد المؤمنين بالديمقراطية، وانه احد النبلاء المنفيين الذي سيحظى بترحيب الابطال من أبناء بلده. خذ، على سبيل المثال، رويل غيرشت، الذي كان في يوم من الأيام محللاً لشئون الشرق الأوسط لدى الـ «سي. آي.ايه» والذي يشاطر وزارة الخارجية شكوكها بشأن الجلبي. ففي هذه الأيام، يبدي غيرشت رأيه باعتباره زميلاً في معقل الرأي المضاد، معهد اميركان انتربرايز، ساخرا من الميول السياسية الراهنة في وزارة الخارجية ومن مستخدميه السابقين في «لانجلي» التي تبدو أكثر سعادة في التعامل مع الطائفة التي تهيمن عددياً على العالم العربي، ولكنها تشكل أقلية في العراق نفسه والتي ينتمي اليها الجلبي. ويتوقع غيرشت ان تفشل جهودهم الرامية الى ازاحة الجلبي عن الخط، ويزعم انه على الرغم من جميع طرقه الغريبة، فان زعيم المؤتمر الوطني العراقي هو شيعي يستطيع ان يتصل مع رجال الدين المهيمن بصورة أفضل مما يعتقد المنتقصون من قدره. ثم هناك العامل الاسرائيلي. فقد صّور صدام نفسه كأشد المناصرين للفلسطينيين واشار الى اسرائيل بوصفها «الكيان الصهيوني» وعلى النقيض من ذلك، فان الجلبي قد قام بزيارة اسرائيل كما القى خطابا في المعهد اليهودي لشئون الأمن القومي المتنفذ والذي يتخذ من واشنطن مقراً له ولا عجب ان يراه الكثيرون اداه في المخطط الكبير لوولفويتز وآخرين، الذي يهدف الى جعل العراق منارة للديمقراطية في العالم العربي تكون على علاقة جيدة ليس فقط مع جيرانها وانما مع اسرائيل كذلك. وفي وزارة الخارجية والـ «سي.آي.ايه» فان الموقف من الجلبي مختلف بصورة واضحة بحيث ان بطل المحافظين الجدد نجح في انجاز واحدة من اعظم الخدع في التاريخ الحديث. فقد تمكن بطريقة ما ذلك البائع الداهية في إقناع المثاليين السذج من أمثال وولفويتز بانه غاريبالدى العراق الحديث، وتؤكد الـ «سي.آي.ايه» بأن الحقيقة هي على العكس من ذلك تماماً. وتستشهد على ذلك بتقرير داخلي للوكالة حول فترة ما بعد حكم صدام في العراق، خلص الى نتيجة مفادها أن «اعداداً كاسحة» من العراقيين ينظرون بعين الشك الى الجلبي، الذي يعتبرونه متكسباً وأداه بيد واشنطن عاش خارج سطوة صدام في نعيم المنفى. ويشير الفصيل المعارض للجلبي الى حديث وزير الخارجية العربي الذي رفض ذكر اسمه الى صحيفة «لوس انجلوس تايمز» والذي جاء فيه: «لن يكون هناك أحد تقريباً أسوأ للعراق أو للعالم العربي (من الجلبي) ويضيف ان اربع دول من بين الدول الست التي تحيط بالعراق حذرت واشنطن من مغبة منح الجلبي سلطة كبيرة. ومن وراء ظهره، كان خصومه اشد قسوة. فقد اطلق عليه لقب «سبارتاكوس» لاصداره اللامتناهي على أنه لو قامت الولايات المتحدة بارساله الى العراق على رأس بضعة آلاف من المقاتلين، لا نتفض العراقيون واطاحوا بالسلطة التي تقمعهم. ان الملك المنتظر المفترض كان في الحقيقة امبراطوراً بلا ملابس، ورجلاً تافهاً ومغروراً سنده في واشنطن وليس العراق. اذن من هو المحق؟ ومن هو أحمد الجلبي الحقيقي؟ ان الارتباك يعود الى البدايات. فقد ولد، استناداً الى المصدر الذي تعتمده، اما في عام 1944 أو 1945، لعائلة بغدادية بارزة شغل أفرادها مناصب حكومية رفيعة منذ اللحظة الأولى التي قام بها البريطانيون بتشكيل العراق الحديث بعيد الحرب العالمية الأولى. وفي عام 1956 أو 1958، ومن جديد استناداً الى مصادرك، غادر العراق الى الولايات المتحدة، حيث التحق بمعاهد تقنية مثل معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا وجامعة شيكاغو. وحصل الجلبي على شهادة الدكتوراه في الرياضيات مكرساً اطروحته على «نظرية الاعداد العقدية» ويقول أحد المراقبين المقربين في اعجاب اقل بقدرته على انشاء عراق جديد: «بصرف النظر عن اي شيء آخر، الرجل ذكي». وفي وقت لاحق، قام بالتدريس في الجامعة الاميركية ببيروت الى ان اندلعت الحرب الاهلية اللبنانية في عام 1975 ثم انتقل الى عمّان، حيث كانت صلاته محكمة تماماً كالعادة. وبمساعدة الامير الحسن شقيق العاهل الاردني السابق الملك حسين، اسس بنك البتراء، الذي اصبح ثاني أكبر بنك خاص في الاردن. وفي عام 1989، انهار البنك وسط مزاعم باختلاسات مالية من الجلبي، الذي اضطر الى الهرب متخفياً إلى سوريا، ويقال انه كان مختبئاً في صندوق سيارة. وفي عام 1992، حكم عليه غيابياً بالاختلاس والاحتيال، ولايزال الحكم عليه بـ 22 عاماً من الاشغال الشاقة قائماً إلى اليوم. وتقول الأردن ان الانهيار كلف الأردنيين 300 مليون دولار. وعلى نحو لا يثير الدهشة، فان الجلبي يرى الامور بصورة مختلفة، مصراً على أن التهم تم تلفيقها ضده تحت ضغط من عدوه اللدود، صدام، الذي لم يستطع الاردن، المعتمد بصورة كبيرة على النفط العراقي والتجارة مع العراق، ان يتحمل إغاظته. وبالتأكيد، فان عمّان كانت من العواصم القليلة المؤيدة لصدام في حرب الخليج 1991.وبحلول ذلك الوقت، كان الجلبي قد استقر في لندن وأصبح مواطناً بريطانيا. وهناك أسس المؤتمر الوطني العراقي، كتنظيم غير طائفي مفتوح للأكراد والشيعة وأي عراقي يؤمن بمستقبل ديمقراطي لبلاده. ولكن إذا كانت لندن هي قاعدته، فان واشنطن كانت المكان الذي توجد فيه القوة الحقيقية والمؤمنين الحقيقيين المناهضين لصدام، وحيث يمكن استغلال مهاراته الضاغطة بأقصى تأثير. غير أن الكارثة سرعان ما حلت. ففي عام 1995، اقنع الجلبي ادارة كلينتون بان صداّم يمكن الاطاحة به من خلال انتفاضة في الجزء الكردي الشمالي من العراق، حيث كان المؤتمر الوطني العراقي قد أسس مقراً له. ولكن التمرد كان بمثابة اخفاق تام. فالجيش العراقي ظل موالياً لصدام، وقوته التي بلغ تعدادها ألف عنصر، وتتلقى رواتبها من الـ «سي.أي إيه» كنست من الميدان. وهكذا كان حال حل «سبارتاكوس» للمشكلات العراقية. ومنذ ذلك الحين، نأت الوكالة ووزارة الخارجية بنفسيهما عنه مع أنه كسب تمرير قانون تحرير العراق في الكونغرس عام 1998، الذي جعل من «تغيير النظام» سياسة رسمية للحكومة الاميركية وخصص أموالاً للمؤتمر الوطني العراقي من ميزانية وزارة الخارجية. وما كان يمكن لأي ادارة جديدة ان تتوقف عن التعامل مع مشكلاته. وفي عام 2001، اكتشف مدقق حسابات حكومي اموراً غير عادية في استخدام المؤتمر الوطني العراقي للأموال، حيث ذهب جانب منها في شراء لوحات لتزيين مكتبة في واشنطن وعلى رسوم اشتراك في ناد صحي لطاقمه. ولكن مع صدور خطاب الرئيس بوش عن «محور الشر» في يناير 2002، عاد العراق وأحمد الجلبي الى تصدر أجندة البيت الأبيض، ومع حلول نهاية العام الماضي، كانت ايام صدام قد اصبحت معدودة، وبدأ التخطيط في اوساط الادارة لمن يخلفه. ولم يكد الصاروخ الاميركي الأول يضرب جنوبي بغداد في الساعات الأولى من يوم العشرين من مارس حتى عاد الجلبي الى شمالي العراق. وفي يوم الأحد من الاسبوع الماضي، وبناء على تعليمات سريعة من البنتاغون، تم نقل الجلبي الى الناصرية لكي يلاقي قدره. ولايزال الجدل، أكثر حدة من أي وقت مضى حول السؤال التالي: من هو الجلبي الحقيقي؟ وصرّح ماكس سنغر من معهد هدسون في صحيفة «ناشيونال ريفيو» لسان حال المحافظين الجدد قائلا قبل عام: «ان لديه الامكانية لان يصبح احد اعظم الزعماء العرب في هذا القرن». غير أنه بنظر الاخرين، يبقى الجلبي القديم هو نفسه لم يتغير «ذكي ولكنه يفتقر الى الحكمة». ويصفه طالب متحمس آخر بأنه «شخص انتهازي، يمكن ان يكون مهرجاً رائعاً، على العشاء ولكنه شخص لا أثق فيه للحظة». ويتذكر أحد قدامى المختصين بالشرق الأوسط الجلبي ايام لندن واصفاً اياه بانه «ممتليء الجسم دمث المعاشرة بدرجة كبيرة ولكنك لا تفهم ابداً ما الذي يفكر فيه». غير انه في واشنطن التي لا ترحم وسيلة الانخداع بشكل غريب، فان القدرة على أن تكون كل شيء لجميع الرجال هي مفتاح النجاح في الغالب. اذن أين سينتهي الامر؟ لا يمكن أن تكون اسهمه لدى البنتاغون اعلى مما هي عليه الآن بعد ان اكدت الاحداث توقعه الذي لقي السخرية من قبل الكثيرين، ولكن ليس من جانب رامسفيلد، بانه يمكن الاطاحة بصدام باستخدام قوة صغيرة نسبياً. ولكن كولن باول، ربما بدعم حاسم من ديك تشيني، نائب الرئيس، يبدو أنه قد جمدّ اي تتويج محتمل. وحتى رامسفيلد يعترف بأن مستقبل العراق هو أمر من حق العراقيين وحدهم ان يقرروه، لا ان يفرض عليهم من مرشح مكرس بشكل مسبق من قبل واشنطن. ان المحادثات بين جماعات المعارضة العراقية الخارجية و«العراقيين الاحرار» من الداخل لن تجري قبل الاسبوع المقبل، فاحتمالاتها لم تتحسن بمقتل اثنين من ابرز رجال الدين الشيعة في النجف مؤخراً. وعلى الأقل، فان عقود التخطيط والتملق والمناورة والحلم قد انتهت بالنسبة للجلبي. وسواء اجبناه ام كرهناه، فان فرصته قد لاحت. ان العراق الجديد في متناول اليد الان، والجدل المحيط به يلتقط بشكل مثالي المآزق والخلافات بين اولئك الذين شرعوا بتنفيذ المهمة الصعبة لبناء العراق الجديد. ويبدو ان الجلبي ايضا يفهم ذلك. ففي حديث له لصحيفة «نيويورك تايمز» قبل بضعة اسابيع، قال الجلبي: «ان الامر لا يتعلق بي حقيقة، وانما الامر هو ما اذا كان الناس يعتقدون ان العرب هم اشخاص سمر البشرة لا يستحقون الديمقراطية ولا يستطيعون التعامل معها». ترجمة: ضرار عمير _ عن «إندبندنت»