الثلاثاء 13 صفر 1424 هـ الموافق 15 ابريل 2003 من الآن فصاعداً يتوجب على جيران العراق الاخذ في الحسبان حادثين كبيرين في عراق ما بعد صدام: الفوضى العارمة بعد الاطاحة بحكومة شديدة المركزية في العراق وحضور نظام موال لاميركا في بغداد نصبته ادارة بوش في وسطهم. والى جانب الدول المحاذية للعراق مباشرة، الكويت والسعودية والاردن وسوريا وتركيا وايران، فإن قائمة من يهمهم الامر تتضمن ايضا اسرائيل والفلسطينيين. ويمكن تقسيم هذه القائمة الى دول حليفة علناً لواشنطن فيما يتعلق بالشئون الاقليمية وهي اسرائيل والكويت والاردن، والدول التي تتراوح علاقاتها معها بين الجفاء والعداء وهي سوريا وايران وتلك التي من الصعب وصفها في الخانتين وهي السعودية وتركيا وفلسطين. فيما يتعلق بالسعودية، فإنه على الرغم من عداء حكامها لصدام حسين، فإن لديهم مشاعر مختلطة تجاه الاطاحة به بالقوة. فهم يرون في ذلك سابقة خطيرة، وفي اجتماع مجلس التعاون الخليجي قبيل الحرب منعوا مناقشة دعوة صدام للتنحي. كما انهم مدركون ايضا لمشاعر العداء لاميركا التي تجتاح العالم الاسلامي منذ الهجوم الاميركي على افغانستان. ومثلما فعلوا اثناء تلك الحرب، رفض السعوديون السماح للاميركيين باستخدام قاعدة الامير سلطان لتنسيق العمليات الجوية ضد العراق. لكن بالنظر لكون 15 من اصل 19 هم منفذو هجمات 11 سبتمبر سعوديين، وجد صناع القرار في الرياض انفسهم في موقف دفاعي وسعوا لطمأنة واشنطن بخصوص التزامهم بحماية المصالح الاميركية في منطقة الخليج الغنية بالنفط. ولدى الشيخ جابر الاحمد الصباح، أمير الكويت، دوافع قوية للاحتفال بالاطاحة بصدام حسين، وهو الذي وفر لقوات الغزو الانجلو اميركي القواعد العسكرية علناً، وسيعمد الآن لتعزيز العلاقات العسكرية والاقتصادية لبلاده مع اميركا. والكويتيون، الذين يتحدث الكثير منهم الانجليزية، يشعرون بامتنان كبير لاميركا وبريطانيا لاخراج الجيش العراقي من الكويت عام 1991 لكن اذا اردنا الحكم على ذلك من خلال عدد اعضاء البرلمان الكويتي الاسلاميين ـ الذي انتخب بنسبة بالكاد تصل 14 في المئة من المواطنين وكلهم ذكور، فإن اولئك المتحمسين للاميركيين يقلون عدداً عن الكويتيين ذوي وجهات النظر الاسلامية. فهل ستلجأ اميركا التي تنوي زرع بذور الديمقراطية في العراق للضغط لتوسيع هذا الحق لتحصل عليه النساء ولإعلان الكويت ملكية ديمقراطية؟ انه امر ليس محتملاً. وقد كانت ايران شديدة الحذر خلال الغزو الانجلو ـ اميركي للعراق. لاشك في ان قادتها لم يكونوا متحمسين لصدام فقد كانت ايران هدف اول هجوم عراقي عام 1980 وبعد عام واحد من تسلمه الرئاسة في العراق واستمرت الحرب بين البلدين حتى عام 1988 واوقعت خسائر فادحة في الجانبين. حذر القادة الايرانيون واشنطن علناً من مهاجمة العراق وفي اجتماع مع الرئيس السوري، قال المرشد الاعلى للثورة الاسلامية علي خامنئي: «اميركا تستطيع ان تسبب اضراراً للمنطقة على المدى القصير، غير ان مقاومة دولها ستسبب في النهاية الضربة الاكبر لاميركا، وسيتوج ذلك بسقوط صورة الدولة العظمى لاميركا». واتهم واشنطن بالسعي للهيمنة على الموارد النفطية باحتلالها العراق. كما ان آية الله محمد باقر الحكيم احد قادة المعارضة العراقية وعلماء الدين في ايران قالوا مراراً انه حالما تنتهي القوات الغازية من الاطاحة بصدام فعليها مغادرة العراق وترك العراقيين يبنون مستقبلهم بأنفسهم. غير ان واشنطن ستتجاهل هذه الدعوات. لكن هذا الخلاف يحمل معه احتمالات التطور الى ازمة كبيرة بين ايران والولايات المتحدة. وبالنسبة لاسرائيل والفلسطينيين يمكن القول انه قد قوبل سقوط صدام حسين بفرح غامر لكنه صامت في اسرائيل. ورئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون عرف مسبقاً بخطط بوش الحربية فالعسكريون الاسرائيليون دربوا المارينز الاميركيين على تكتيكات حرب المدن في جزيرة فيلكة الكويتية، إلا انه ظل صامتاً. بالنسبة لشارون جرت الامور كما هو مخطط لها في وثيقة تهدف لتعزيز اسرائيل ساهم في صياغتها ريتشارد بيرل ودوغلاس فيث «وكيل وزارة في البنتاغون حالياً» عام 1996، وتقول تلك الوثيقة ان اسرائيل تستطيع تجاوز المشكلة الفلسطينية، اذا ما تغير ميزان القوى في المنطقة عبر الاطاحة بصدام حسين. والآن سيبدأ شارون بالتركيز على ايران ومنشآتها النووية التي سيبدأ تشغيلها العام المقبل في بوشهر، والدعاية المعادية لايران ستبدأ في التعاظم في الولايات المتحدة واسرائيل. كما ان اولئك الذين جادلوا من اجل حل النزاع الاسرائيلي الفلسطيني في اميركا وبريطانيا سيحثون بوش الآن على تطبيق «خريطة الطريق» للسلام خصوصاً بعد تقليص نفوذ ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية باختيار رئيس وزرائه الجديد محمود عباس. ولا يشعر الفلسطينيون بالكثير من الحماس لخريطة الطريق، وحتى لو حدث تجميد للاستيطان في الضفة الغربية فإن ذلك سيبقي اكثر من 160 مستوطنة قائمة كما يقولون، وافضل ما سيحصلون عليه هو رقع من الجيوب الفلسطينية. بعد حرب الخليج الثانية 1991، حاول بوش الأب ان يبدأ عملية سلام اثمرت مؤتمر مدريد عام 1991، ومهندس ذلك الانجاز كان وزير الخارجية الاميركي حينها جيمس بيكر وهو دبلوماسي بارع اظهر انصافاً ملحوظاً في تعامله مع العرب والاسرائيليين. والرئيس الاميركي الحالي سيكسب احترام العرب لو فعل الشيء نفسه، غير انه ليس هناك امل بذلك في الافق. وتبقى تركيا وهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي لها سجل ديمقراطي طويل، وان كان مرقعاً، وهي دولة مهمة ليس فقط لانها الدولة المسلمة الوحيدة بين اعضاء الناتو. ولتركيا مصلحة كبيرة جداً في صياغة مستقبل اكراد العراق بعد صدام حسين نتيجة لوجود 13 مليون كردي بين مواطنيها يسكنون جنوب شرق البلاد. وشعر قادة تركيا بالذعر وهم يرون المقاتلين الاكراد يتعاونون مع القوات الاميركية للسيطرة على كركوك المعقل الشمالي لصناعة النفط العراقية وعلى الموصل. واذا ما سمح للاكراد بالاحتفاظ بكركوك فسيصبح لديهم قاعدة اقتصادية قوية لتشكيل دولة كردية مستقلة. وسيصر الاتراك على نزع سلاح القوات الكردية في العراق. ان النفوذ الذي تستطيع تركيا ممارسته على واشنطن ينبع من اهميتها الجيواستراتيجية فلها حدود طويلة مع العراق وسوريا وروسيا، ونقطة ضعفها هي اقتصادها الذي يحتاج لحقنات نقدية دورية بدعم اميركي من صندوق النقد الدولي. والاميركيون على الاغلب سيقفلون انبوب النفط الذي كان ينقل النفط العراقي الى سوريا منذ عام 2000 غير ان لسوريا صناعتها النفطية وستتمكن من استيعاب هذه الضربة العقابية. ويتعرض الرئيس السوري بشار الاسد لضغوط اميركية ليمتنع عن ايواء المسئولين العراقيين او القادة العسكريين الفارين. واي انكار سوري لذلك سيقابل بالشكوك في واشنطن. والاسد الآن في موقع لا يحسد عليه، حيث اصبحت سوريا الآن بين فكي كماشة، اسرائيل ونظام عراقي موال لاميركا، وكان هو الزعيم العربي الوحيد الذي قال علناً ان الغزو الاميركي للعراق ينتهك ميثاق الامم المتحدة ولذلك فهو غير شرعي. غير انه ضمن عدم اطلاق حزب الله في لبنان لاي صواريخ على اسرائيل وسيحث الآن كل الجماعات الراديكالية الموجودة في العاصمة السورية دمشق للتخفيف من حدة خطابها. وفي الاردن ابقى الملك عبدالله عاهل الاردن التسهيلات التي وفرها للبنتاغون قبيل الحرب طي الكتمان لمعرفته بمشاعر العداء السائدة في الاردن لاميركا قبل الحرب. وتتضمن هذه التسهيلات السماح لوحدات القوات الخاصة الاميركية بدخول الاردن ثم التغلغل في الاراضي العراقية تمهيداً للغزو وهو ما كانت له اهمية حاسمة في استراتيجية البنتاغون. ولا يستطيع الملك الاردني الشاب الذي يفتقد لخبرة وجاذبية والده الملك حسين سوى ان يفعل ما تريده واشنطن. غير انه سيواجه معضلة كبيرة اذا ما عين صقور واشنطن احمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني المعارض رئيساً للحكومة العراقية الجديدة. فمحكمة أمن الدولة الاردنية في عمان حكمت على الجلبي غيابياً عام 1992 بالسجن في قضيتين تتضمنان اختلاس 60 مليون دولار حين كان رئيساً لبنك بترا الاردني، لكنه انكر هذه التهم. كان غزو العراق ضد رغبة الاردنيين الذين شعروا بمهانة كبيرة من فقدان دولة جارة لاستقلالها في ظاهرة فريدة. يقول طاهر المصري رئيس الوزراء الاردني السابق: «هناك مرارة بين الجميع، الفقراء والشباب والعجائز والمتعلمين في اميركا. ان الحكومات في المنطقة التي تعمل على ارساء علاقات جيدة مع اميركا ستشهد اوقاتاً عصيبة». وسيلجأ الملك لحل النزاع مع الرأي العام الاردني المناويء للولايات المتحدة ومن يمثلون هذا الرأي بالابقاء على تعليق عمل البرلمان الاردني وتأجيل الانتخابات والحد اكثر من حرية الاعلام. بقلم ديليب هيرو _ ترجمة : جلال الخليل عن «جارديان»